تكوين الصورة المرئية وإدراك المعنى

محمد كريم الساعدي
2018 / 6 / 16

من الطبيعي أننا نتلقى الصور من حولنا عن طريق حاسة البصر ( العين ) ، التي ندرك من خلالها ماهية تلك الموجودات ونوعياتها وأحجامها . حيث تنفرد حاسة البصر بدور كبير في عملية التعلم واكتساب المعرفة والخبرة ، من خلال المعلومات التي نحصل عليها من حاسة البصر ، والتي لها السبق على سائر الحواس في الإدراك ، وليس معنى هذا تغليب ناحية على أخرى ، وإنما القصد هو أيجاد المكانة اللائقة للصورة المرئية كوسيلة من وسائل التربية . فالإنسان يتعلم من الأشياء المصورة . والصورة في شتى مظاهرها تحمل خبرات بشرية أقرب إلى الفهم والإدراك العام من الرموز الحسابية المجردة ، بل أن هذه الرموز الحسابية لا تدرك حق الإدراك في بادئ الأمر إلا إذا كانت مصحوبة بصورة نستدل بها على تلك الرموز الحسابية ، بالإضافة إلى ذلك فأن حاسة البصر تتغلب على باقي الحواس في نسبة تلقي المعلومات وهذا ما يشير أليه العلماء المتخصصون في مجال دراسة البصر لدى الإنسان إلى أن معظم المعلومات التي نحصل عليها عن العالم الخارجي تأتينا عن طريق الإدراك البصري ، وإذ تصل نسبة هذه المعلومات من أجمالي الرصيد المعلوماتي لدى الفرد من ( 70 ـ 90 % ) فضلاً عن أن الإدراك البصري ، هو الإدراك المهيمن على أشكال الإدراك الأخرى ، فقد أثبتت البحوث والدراسات العلمية أن الإنسان غالباً يصدق ما يراه إذا تعارضت المعلومات البصرية مع المعلومات الحسية الأخرى.
وتتأثر ( عين الإنسان ) عند مشاهدته للأشياء الموجودة في محيط الرؤية لديه بالموجات الكهرومغناطيسية التي يطلق عليها الضوء عن طريق ذلك التأثر نشاهد الألوان المختلفة . ونرى كل ما يقع في محيط هذه الحاسة من مرئيات ، حيث يمر هذا الضوء بمجموعة من الخطوات في الجهاز البصري للإنسان قبل أن يتكون على شكل صور في دماغ الإنسان .
ويتألف الجهاز البصري عند الإنسان من عدد من الأعضاء التي تعمل سوية على تكوين الصورة البصرية ، وهذه الأعضاء هي :ـ
1ـ العين Eye .
وتتكون العين من ثلاث طبقات أساسية هي ( الطبقة الخارجية ) وتسمى ( الصلبة والقرنية ) وهي الطبقة الليفية ، و( الطبقة الوسطى ) وتسمى ( المشيمة ) وتضم ( الجسم الهدبي والقزحية ) وهي الطبقة الوعائية الدموية ، و ( الطبقة الثالثة) وتسمى ( الشبكية ) وهي الطبقة العصبية .
وتستقبل العين الموجات الضوئية من خلال ( القرنية ) التي هي سطح شفاف لمقلة العين . ثم تمر خلال الفتحة الصغيرة في ( القزحية Iris ) التي تدعى (البؤبؤ) . وتسيطر عضلات ( القزحية ) على حجم ( البؤبؤ ) ، الذي يعتمد انفتاحه أو انغلاقه على شدة الضوء الذي يواجه العين ، ويمر الضوء خلف ( البؤبؤ ) خلال العدسة ، التي تكون وظيفتها تجميع الأشعة الضوئية في بؤرة على السطح الحساس ( للشبكية). وبعد تجميع الضوء في ( الشبكية ) ، تبدأ عملية أخرى وهي عملية مرور الضوء من خلالها إلى المخ . ( فالشبكية ) تتكون من حجيرات حسية بصرية حقيقية . وتوجد ملايين من هذه المجيرات الصغيرة ، منها ما تسمى (العصيات Rods ) والتي يمكن تنبيهها بالألوان الرمادية ، بينما تدعى الأخريات (المخاريط Cones ) التي تتأثر بالاحساسات اللونية المتوسطة . ويصل نسيج عصبي كل حجيرة من هذه الحجيرات الحسية بالعصب البصري الذي ينتهي بدوره في المخ.
أن للعين وظائف مهمة في تكوين الصورة البصرية ، حيث تأتي في مقدمتها تمييز الأشكال المجسمة والنماذج ( العينات ) ولا تبصر العين إلا في حالة سكونها، فحين يقرأ الفرد ، مثلاً ، تأخذ عيناه سلسلة من القفزات والوقفات على طول السطر في الكتاب ، وفي خلال هذه الوقفات فقط تحصل انطباعات الرؤية . وحين يشاهد شخص منظراً ، يحصل نفس الشيء ، تقفز العينان من صورة إلى صورة في المنظر وتحصل احساسات الرؤية ، حين تكون العين في حالة سكون . وتتحرك العين بسرعة لدرجة لا يكون هناك إلا تخلف ضعيف في الاحساسات ولذلك لا نشعر بأي اضطراب أو فترة من فترات تقطع الرؤية.
2ـ العصب البصري Optic nerve
ويتكون العصب البصري من أكثر من مليون ليف عصبي موجود في (الشبكية) عند نقطة يطلق عليها أسم ( الصفيحة الغربالية ) . ثم يغادر كرة العين عبر القرص البصري إلى أن ينتهي عند ( التصالب البصري ) . ليشكل مع (العصب البصري ) القادم من العين الأخرى أليافاً بصرية تدعى ( الجسم الركبي الوحشي ) الذي ينقل المعلومات المستلمة من ( العصب البصري ) إلى ( قشرة الدماغ ) . ووظيفة ( العصب البصري ) في كلتا العينين هو نقل الاحساسات البصرية على شكل نبضات عصبية مستلمة من ( شبكية العين ) إلى ( القشرة الدماغية البصرية ) . إذ يعد العصب البصري الخط الواصل بين ( العين ) و ( القشرة الدماغية البصرية ).
3ـ القشرة الدماغية البصرية ( المنطقة البصرية Optic Area )
وهي المنطقة المسؤولة عن معالجة وتكوين الصورة البصرية بعد أن تستلم من ( العصب البصري ) النبضات العصبية حيث تتكون هذه القشرة من عدد كبير من الخلايا العصبية يصل عددها إلى مليارات الخلايا التي تنقسم في هذه المنطقة إلى مساحات ( Areas ) قشرية متمايزة وهي المساحات التالية ( V1 , V2 , V3 , V4 , V5 ) ، وتقوم كل واحدة من هذه المساحات بوظيفة محددة متداخلة مع المساحات الأخرى للخروج بصورة بصرية موحدة ومتكاملة .
ولتوضيح عمل تلك المساحات ومدى تأثيرها في تكوين الصورة البصرية ، فيما يلي تلخيص سريع ومبسط لعمل تلك المساحات وكما يلي :ـ
1ـ المساحة ( V1 ) : وتتألف من ست طبقات من الخلايا الطبقات الأربع الأولى تحتوي على خلايا صغيرة وظيفتها الأساسية تسجيل واستقبال الألوان ، أما الطبقتان الخامسة والسادسة فتعمل على تجميع الضوء .
2ـ المساحة ( V2 ) :ـ وتتألف من ثلاثة أنواع من الشرائط ( شرائط سميكة ) و ( شرائط رقيقة ) و ( شرائط بينية ) قليلة التلوين تفصل بين ( الشرائط السميكة) و ( الشرائط الرقيقة ) . ووظيفة الخلايا الموجودة في( الشرائط السميكة) هي تمييز الحركة واتجاهها وهي تشترك مع الخلايا الموجودة في ( الشرائط البينية) والرقيقة في تمييزها للشكل .
3ـ المساحة الثالثة :ـ فتقسم هذه المساحة إلى مساحتين ( V3, VA3 ) ووظيفة الخلايا الموجودة فيها العمل على انتقاء الشكل ولكنها لا تهتم في الغالب بلونه.
4ـ المساحة ( V4 ) :ـ ووظيفة خلاياها الأساسية هي العمل على انتقاء أطوال موجبة معينة من الضوء ، وأن عدداً منها ينتقي خط الاتجاه ، ومكونات الشكل.
5ـ المساحة ( V5 ) :ـ ووظيفة خلاياها الاستجابة للحركة ، وقسم من هذه الخلايا تختص في تمييز الاتجاه ، فهي تختص في إدراك الحركة البصرية.
وتعمل هذه المساحات مشتركة لإعطاء الصورة المرئية هيأتها الكاملة من حيث تفاصيلها الأساسية كاللون ، الشكل ، الحجم ، الحركة ، خط الاتجاه . أي أن النبضات العصبية المستلمة في ( العصب البصري ) تتوزع على المساحات الموجودة في ( الشقرة الدماغية ) البصرية لتعمل تلك المساحات وبشكل موحد لإبلاغ عملها إلى مساحة مسيطرة واحدة تقوم بتوحيد المعلومات وتركيبها ودمجها وتكوين صورة موحدة لا أثر فيها لتقسيم العمل بين المساحات المختلفة ، وأن هذا الدمج يتم على مراحل متعددة ويتطلب اتصالات متبادلة بين جميع المساحات المخصصة ، وهذا كله يؤدي في نهاية المطاف إلى تكامل الصورة البصرية في الدماغ . وتعد هذه العمليات هي المرحلة الأخيرة المعالجة لتكوين الصورة البصرية وظيفياً في دماغ الإنسان . ولكن هل يكتفي الفرد بهذه الخطوات الوظيفية فقط في تلقي الصورة المرئية وفهم معناها ؟ أم تدخل عوامل ونواحي أخرى مكملة في إعطائها المعنى المطلوب ؟ . فالمعنى لا يتم ولا يكتمل فقط في الناحية الوظيفية ، بل الناحية الوظيفية تكون جزءاً من عملية أخرى ، هي عملية إدراك المعنى ، و ( الإدراك perception ) يعني دراية الكائن بالأشياء الخارجية عن طريق الحواس ( … ) ولا يقتصر الإدراك على نقل صور ( بصرية أو سمعية أو غيرها ) إلى العقل ، وإنما الإدراك مستوى أعلى من ذلك هو إعطاء المعنى الدلالي أو الرمزي الذي تتضمنه المدركات.
أن عملية إدراك الصورة البصرية تأتي من خلال تأثر الإدراك الحسي البصري بمحصلة ثلاثة عوامل نصها في :ـ
1ـ البحث عن الصور البصرية والاحتفاظ بها .
2ـ تمييزها وتحديد معالمها ورسومها .
3ـ تفسيرها وفهم ماهيتها ومعناها ، أي أنه يحدد نطاق العامل الأول بالمستوى الحسي العضوي ، والعامل الثاني بالمستوى الحسي العصبي ، والعامل الثالث بالمستوى الإدراكي العقلي. أي أن الإدراك الحسي البصري يرتقي بالمعلومات الحسية المنقولة خلال حاسة البصر إلى العقل إلى مستوى أعلى يتضمن تكوين معاني دلالية كانت أم رمزية لتلك الصور ، لكي تدخل فيما بعد إلى الذاكرة وتصبح جزءاً منها ، لتتحول إلى معلومات سابقة يحتاج إليها الفرد في تفسير وإدراك المعلومات الجديدة المراد إدراكها ثانية ، وبذلك يعمل الفرد على تحويل طاقة المثير التي تسقط على المستقبل الحسي في عملية الإدراك إلى شكل ما من أشكال الخبرة ، أو ما يشار إليه بالاستجابات إلى تلك الحالة من تلك الاستثارة.
ويرى ( د. مصطفى فهمي) أن عملية الإدراك لا تكتمل إلا بوجود شروط أساسية يجب أن تتوفر جميعها لكي تتم عملية إدراك معنى الصورة المرئية وهذه الشروط هي :ـ
1ـ موضوعات فيزيقية ، لها خصائص مميزة ، تعتبر كمنبهات خارجية .
2ـ ناحية فسيولوجية تتصل عادةً بالحواس وأطراف الأعصاب التي تنقل الاحساسات إلى المخ .
3ـ ناحية سيكولوجية تتصل بترجمة تلك الاحساسات وإعطائها المعاني اللازمة التي تتلائم مع الشيء المدرك في ( مجال إدراكي Perception field ) . وهناك عوامل كثيرة تحدد هذه المعاني منها :ـ
أ ـ اتجاهات الفرد .
ب ـ حاجاته ودوافعه وما يتصل بها من بواعث وأهداف .
ج ـ الخبرة السابقة .
د ـ أسلوب الحياة لديه.
إذاً باقتران كل من الناحية الفسيولوجية والناحية السيكولوجية والموضوعات الفيزيقية تتم عملية إدراك معاني الصور من خلال إعطائها الدلالات أو الرموز التي تميز تلك الصور عن غيرها ، فعملية إدراك المعاني عملية تركيبية لا يمكن فيها فصل أي جزء عن الأجزاء الأخرى ، فلا بد من دمج كل تلك الأجزاء للخروج بصور مرئية عن الأشياء ، لها دلالات خاصة ومعاني تحددها كل من اتجاهات الفرد ، وحاجاته ودوافعه وما يتصل بها من بواعث وأهداف وخبرة سابقة وأسلوب خاص فردي ينتهجه الفرد ، أو جماعي تفرضه عليه الجماعة ، وتساهم البيئة التي ينتمي إليها في تلك العملية .