وداعاً للهوية الحمراء فالناس تريد الاشتراكية

ملهم الملائكة
2018 / 6 / 15

في الذكرى المئوية لثورة اكتوبر، لابد من الاعتراف بأنّ العالم الاسلامي والعربي يعيش في ظل سلطة الكهنة. حتى الحكام الطغاة دون ذكر أسمائهم، يستظلون بخيمة الكاهن وتشريعاته وقوانينه وكتبه بل وحتى أدعيته. وهكذا فسلطة الكهنة وهويته التي يسبغها على الناس هزمت الشيوعية.

قد يختلف كثيرون في تحديد تاريخ بدء انهيار "السنديانة الحمراء" وهو الوصف الأدبي السياسي الملتصق بذهن أبناء جيلي عن الشيوعية. بالنسبة لي أرى أنّ عام 1979 هو بداية الانهيار الشيوعي في العالم العربي والاسلامي. والغريب أنّ القوة التي قهرت الشيوعين، هي ما عرف ب"المجاهدين" السعوديين والعرب في أفغانستان بقيادة أسامة بن لادن كتعبير عن مشروع الإسلام السياسي السني، وجمهورية خميني الإسلامية في إيران كتعبير عن مشروع الإسلام السياسي الشيعي.
دون الخوض في التفاصيل والجدل غير المجدي، سأذهب إلى النتائج:
*نجح المشروع السياسي الشيعي والسني في إقناع الناس أنّ الشيوعية هي كفر وإلحاد، وتبارى الكهنة من أعلى المنابر في إلقاء خطبهم الرنانة لإقناع الشعوب التائهة أنّ العلة في الإلحاد، وعليهم أن يقضوا عليه ليبلغوا طريق السعادة والرفاه والحياة الكريمة في الدنيا والآخرة.
*انتجت الشيوعية كتجربة، دكتاتوريات بغيضة مازال ماثلاً منها جمهورية كوريا الشمالية الوراثية، وأمثلة أخرى لا تخفى على أحد.
*انتجت الدولة الشيوعية، تجربة أجهزة التجسس الرفاقية سيئة الصيت، وكان البعث بكل تنظيماته نتاجاً ثانوياً لثقافة الوشاية الرفاقية البغيضة.
*ألغت التجربة الشيوعية الفرد وجعلت قيمته مرتبطة بولائه للنظام، فظهرت الكائنات المكبوتة غير المبدعة التي تكره الدولة وتعمل على اضعافها وسرقة مواردها، ما عجل في الانهيار الشيوعي.
وهكذا تأسس في وعي وضمير الأجيال الإسلامية والعربية الجديدة أنّ الشيوعية لا تناسب العالم الاسلامي والتقاليد العربية. هذه حقيقة لا مفر منها، ومن ينكرها يضع رأسه في الرمال تأسيا بالنعامة.
ولكن ماذا سيفعل من أفنوا أعمارهم دفاعاً عن قيم الماركسية اللينينية والماركسية الماوية النبيلة السامية وهم عادة يطبقونها على أنفسهم كمُثل اخلاقية ترسم مسار حياتهم وعلاقاتهم بالناس؟
لا أدّعي أني أملك إجابات نهائية عن عصر ما بعد الشيوعية، ولكن قراءتي الصحفية قادتني إلى نتيجة قد تكون حلاً:
لا يوجد في العالم العربي خاصة، والاسلامي عامة أحزاب اشتراكية. وأقصد هنا أحزاب اشتراكية ليبرالية بموجب الفهم الغربي للوصف. ولوضع التجربة الاشتراكية محل التطبيق الممكن فالحقائق التالية قد تكون بداية:
*أجمل مشروع عرضته الشيوعية على الناس عبر التاريخ، كان مشروع دولة الأكثرية، دولة الفقراء والمعدمين. والاشتراكية بكل طروحاتها تقدم دولة الفقراء كمشروع تؤمن به على المدى الاستراتيجي، فليبق المشروع الاشتراكي قائماً على فكرة دولة الفقراء، فهو مطلب بذل الشيوعيون أعمارهم ودماءهم في سبيله.
*المشروع الشيوعي الجميل الآخر هو المساواة، مساواة الناس في فرص التعليم وفرص العيش الكريم وفي حصصهم من الريع والدخل القومي نزولاً الى تفاصيل المشروع التقنية، مادام الناس يعملون وفق مبدأ "من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله ". والاشتراكية كما يفهمها كل الناس هي عدالة ومساواة في بدء الطريق.
*الحماية الاجتماعية التي قدمتها الدولة الشيوعية للناس تعد من أجمل فضائلها، وهو مبدأ يجعل الدولة كمشروع تحمي الفرد حين يضعف، مريضاً كان أو مقعداً أو شيخاً لم يعد يقوى على العمل أو مولودا دخل العالم وهو ناقص بما يمنعه عن العمل. واليوم، تؤمن كل الحركات الاشتراكية بضرورة توفير الحماية الاجتماعية للناس، ودعم ذوي الدخل المحدود.
لا أريد أن أمضي بعيدا في التفاصيل، فما يناسب العالم العربي والاسلامي اليوم أحزاب اشتراكية على طريقة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، والحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي، والحزب الاشتراكي الفرنسي (حزب ميتران الذي تأسس عام 1969)، والحزب الديمقراطي الإيطالي (الذي تحول له الحزب الشيوعي الايطالي، والحزب الاشتراكي الإيطالي) كأمثلة.
وكمثال على ذلك سأعرض مسيرة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني الذي كان حزباً ماركسياً شيوعياً منذ عام 1891، والذي قتل النازيون أعضاءه وعذبوهم وشملوهم برعايتهم الجهنمية المعروفة باسم الهولوكوست.
وبدأ الحزب يتلاشى منذ قويت النازية عام 1933، واختفى في سنوات الحرب العالمية الثانية، وبنهايتها تخلى عن الماركسية، واعتنق العقيدة الاشتراكية في ظل نهج ديمقراطي ليبرالي ليُسهم في بناء اقتصاد السوق الاجتماعي "الاشتراكي التضامني" في ألمانيا الغربية . عام 1966 صعد الحزب الاشتراكي إلى الحكم متحالفاً مع الحزب المسيحي الديمقراطي (حزب ميركل) ليبقى حتى اليوم جزءاً من تحالف الأكثرية الذي يحكم ألمانيا.
اعتمد الاشتراكيون الألمان ما عرف ب "برنامج الحزب بغوديسبيرغ" ، معترفين بقيم اقتصاد السوق، ومنفتحين على طبقات ناخبين جدد، وهذا بالذات هو الحل الأمثل للأحزاب الشيوعية في البلدان العربية والاسلامية في تصوري.
إنها دعوة للبحث الواقعي عن قاعدة جماهيرية مبهورة بقيم العولمة، باحثة عن هوية، أي هوية لدرجة أنّها ترضى أن تلبس قفطان الكاهن وتتعمم بقوانين، ألن تكون القيم الاشتراكية حلاً يعيد الحياة إلى جذور السنديانة الحمراء؟
بون- ألمانيا