فساد الأمكنة : مفردات المكان و الفساد والموت رواية ل صبري موسى

محمود الصباغ
2018 / 6 / 15

يقال , على سبيل التأكيد ,أن العمل (الروائي) الجيد يحتمل أكثر من قراءة , فكيف إذا كانت الرواية بمثابة نشيد ملحمي ؟ تنفتح منذ البداية على الوظيفة السردية الرئيسية التي أرادها المؤلف. لنتأمل ما كتب "اسمعوا منّي بتأمّل يا أحبائي، فإني مضيفكم اليوم في وليمة ملوكية، سأطعمكم فيها غذاء جبليا لم يعهده سكان المدن. أحرّك أرغن لساني الضعيف وأحكي لكم سيرة ذلك المأساوي (= نيكولا) في ذلك الزمان البعيد، في بلدة لم يعد يستطيع أن يتذكّرها الآن. ذلك الذي كانت فاجعته في كثرة اندهاشه، وكان كل شيء يحدث أمام عينيه، جديدا يلقاه بحب الطفل، لدرجة أنه لم يتعلم أبدا من التجارب". يتحول الراوي هنا إلى ما يشبه الحكواتي ,راوي القصص و السير الشعبية ويوجه خطابه نحوه جمهوره مباشرة دون عوائق ,وربما طبيعة المكان الذي تدور فيه الرواية تطلبت من الكاتب خلق سارد مستتر يتلطى خلف المكان بغية إبراز أهميته "الصحراء, جبل الدرهيب, جبل السكري, " فتظهر هذه الأمكنة دون استئذان ,تؤثر في الشخوص و لا تتأثر , تبدلهم و لا تتبدل. مثل هذه البداية تعبر عن روح شاعرية تتمتع بحس اجتماعي و سياسي مرهف كما يصفها د. علي الراعي الذي يرى فيها "روحا تنفذ إلى ما وراء الأشياء، وتستحضر روح الطبيعة والإنسان معًا، وتكتب هذا كله بلغة مشرقة؛ أنيقة ورصينة وجميلة. وهي بهذا علامة بارزة في الأدب العربي".
إنها نشيد الأسماء: الفساد والصحراء و الجبل و الأنثى ,ونشيد الأفعال أيضا : الاغتصاب ,الإخفاق ,استنساخ الفساد . نشيد يكاد ينفذ إلى عوالمنا بسحرية مستحبة فتشكل هذه الفانتازيا مع دقائق و تفاصيل السرد بوابة فهمنا لنيكولا و إيليا الصغيرة و إيسا و كيرشاب و الدرهيب ذلك الجبل الذي"كان ينتصب شامخا نحو السماء، تطل من قممه تلك الكباش البرية التي تحيا في ظلال أشجاره المقدسة الخضراء النابتة على القمم العالة المتسامية لتطاول السحاب ثم تتراجع تلك الكباش منكمشة مفزعة خشية السقوط على السهول الخضراء المنبسطة حول سفوحه "... الدرهيب , يا لها من كلمة لها وقع هائل في النفس , كيف و المؤلف يستجمع كل قدراته الفنية و الذهنية وما عرف و ما قرأ وعايش من أساطير و حكايا شعبية متكأ على مجاز عال حين يصف الدرهيب فيقول "لو أتيح للملمح ان يكون مرئياً لطائر يحلق عالياً، محاذراً في دورانه المغرور ان تصطدم رأسه المريشة بقمم الصخور ونتوءاتها، لرأى جبل الدرهيب هلالاً عظيم الحجم، لا بد انه هوى من مكانه بالسماء في زمن ما، وجثم على الارض منهاراً متحجراً، يحتضن بذراعيه الضخمتين الهلاليتين شبه وادٍ غير ذي زرع، أشجاره نتوءات صخرية وتجاويف، احدثتها الرياح وعوامل التعرية خلال آلاف السنين". ومن أجل الوصل إلى كل هذا النضج كان لابد للكاتب من المعاينة الملموسة للمشهد المكاني , يقول صبري موسى عن فساد الأمكنة: "في ربيع العام 1963 أمضيت في جبل "الدرهيب" بالصحراء الشرقية قرب حدود السودان "ليلة" خلال رحلتي الأولى في تلك الصحراء، وفي تلك الليلة ولدت في شعوري بذور تلك الرواية، ثم رأيت الدرهيب مرة ثانية بعد عامين، خلال زيارة لضريح المجاهد الصوفي أبى الحسن الشاذلي [ذلك الصوفي الذي تَفَلَ في الماء، فأصبح البئر عذبًا،] والمدفون في قلب هذه الصحراء عند "عيذاب". ويتابع: "في تلك الزيارة الثانية للدرهيب أدركت أنني في حاجة لمعايشة هذا الجبل والإقامة فيه، إذا رغبت في كتابة هذه الرواية".
هي رواية أماكن حقيقية إذن ..وفساد حقيقي أيضا , تتفرد في بيئتها و معالمها الغرائبية ,فلا تحيل إلى ما قبلها من إبداع و تمهد الطريق لما بعدها من روايات الصحراء كمدن الملح لعبد الرحمن منيف و مجمل أعمال إبراهيم الكوني الروائية ,حيث تكون الصحراء هي الفضاء الذي تدور في فلكه الأحداث ومقوماته السردية ,والملفت للنظر في الرواية أن شخوص العمل الرئيسيين في معظمهم لا ينتمون لذات المكان , أي الصحراء, لكنهم يألفونها معا بطريقة ما ,لاسيما نيكولا و إيليا ابنته اللذان تطحنهما قسوة الصحراء رغم إيحاءاتها الباطنية الغيبية الرحبة, مثل هذا البوح الصحراوي يبدو أنه لازمة لكل من أراد أن يكتب عن الصحراء , كما في "الخيميائي " لباولو كويلو. ويبقى الترابط بين الفضاء الصحراوي و سياقات التأمل الصوفي الغيبي ضروريا لنجاح مثل هكذا أعمال دون أن نغفل سكان الصحراء أنفسهم و طرائق حياتهم و طقوسهم و عاداتهم و أسرارهم التي قد لا تروق لكل زائر أو غريب يطرق أبواب بواديهم بحثا عن كنوزها الدفينة.
لا ينتهي الحديث عن الصحراء , فهي مثل الكثير من الأماكن( , سواء المادية الملموسة كالبحر و الجبل وغيرها أم المتخيلة مثل الجنة) خالدة في التجربة الإنسانية ,متخمة بالدلالات و الرموز و المجازات التعبيرية الوصفية و الوجودية .فكيف تتحول هذه الصحراء البكر إلى موطن أو بؤرة فساد؟ وما هي تلك الأمكنة الفاسدة؟ ولماذا صارت فاسدة؟ وكيف كانت قبل ذلك؟ وأخيرا ما "فساد الأمكنة" التي كتبها صبري موسى ولماذا كتبت؟ ومن هم ابطالها ؟ وعم تتحدث ؟ وماذا يريد أن يقول لنا صبري موسى؟ أو بمعنى آخر كيف يريد لنا أن نقرأ “فساد الأمكنة"؟ بأي مجاز؟ ما المعادل الموضوعي الإنساني للدرهيب أو بمعنى أدق للصحراء ؟
ينتمي العنوان إلى مكون لا يشي بوجود الصحراء في جزء منه و بل ربما يقدم إيحاءات أكثر حداثية نحو "المدينة" باعتبارها مرتعا خصبا للفساد ,وصيغة الجمع إنما تشير إلى حكما تقريريا بفساد الأمكنة جميعها بسبب من سيطرة الأحداث على العنوان الذي ينقسم إلى شطرين , شطر طبيعي أي الأمكنة و شطر إنساني أي الفساد .وكيف يستطيع هذا الشطر الطبيعي أن يكون طاغيا و مسيطرا , ونكاد لا نلمس-في الرواية-مثل هذا التمايز بين الطبيعي و الثقافي من جهة و بين الموروث البيولوجي و الموروث الاجتماعي من جهة أخرى ,فليس هدف الرواية تقديم مثل هذا التمايز لدواعي نظرية ضمن حيز ما يمكن تسميته الثوابت البنيوية لجعل الشيء -الموضوع الطبيعي طبيعيا و الثقافي ثقافيا ,ولعل المكان -الأمكنة هو أحد أهم هذه الثوابت في الرواية ,فيصف الكاتب كيف سحر المكان نيكولا الذي كان " يرتجف مهابةً وخشوعاً وقد استولى المكان على حواسه المضطرمة بالرغبة في التحليق.. وشعر بأنه يوشك أن يجد مكاناً يرغب في الانتماء إليه.. يوشك أن يجد وطناً.." وهو الذي لطالما كانت فاجعته في كثرة اندهاشه.. وكان كل شيء يحدث أمام عينيه جديدًا يلقاه بحب الطفل، لدرجة أنه لم يتعلم أبدًا من التجارب..” .
يقول الكاتب أن فكرة العمل أتت ذات ليلة قضاها في "جبل الدرهيب" , إذن فهي فكرة طرقت خياله بطريقة ما غير مدبرة مسبقا ,مع جبل سيكون العنوان الأبرز في أحداث الرواية ,بل ربما أحد أهم شخوصها جنبا إلى جنب مع نيكولا بطل الرواية الرئيسي, وهو شخصية غرائبية غير مفهومة , تقتحم عالم الصحراء قادمة من مدينة روسية صغيرة , عاش نيكولا شطرا من حياته في تركيا وشطرا آخر في إيطاليا وقرر أخيرا القدوم إلى مصر و إلى الدرهيب تحديدا ليقضي هناك , ومن الواضح أن الكاتب يلمح من كل هذا أن نيكولا لا يعترف بمكان محدد كموطن له ,فلامركزية قومية-إثنية تربطه ولا متروبول مرجعي له , ومع ذلك فهو البطل الرئيسي للعمل , وهو ما يحيل إلى رمزية السيطرة الأجنبية على مصر في حقبة تاريخية معينة ,وهو بوصفه "أجنبي" يتمتع بسعة المعرفة و الاطلاع الكفيلين له بالتعرف على أماكن تواجد كنوز مصر الدفينة ,ومع ذلك لا يشبه نيكولا في رسمه الروائي تلك الشخصية النمطية لـ"الخواجة الأوروبي" كما عرفناها في السرديات الرواية العربية ,فنيكولا شخصية غير مستقرة مهزوزة ,ذات إيمان غير حقيقي (مزيف؟) يرتحل مثل طائر من مكان إلى آخر , وعدم الانتماء دلالة على الشعور بالضجر من الاستقرار في مكان واحد ,نيكولا لا بيت له ’ فكل البيوت بيوته ,يعتقد أنه سيصير قديسا لو عاش في الصحراء دهرا , يكرر -دون أن ينجح-سيرة آباء الكنيسة الأوائل , لكن نيكولا غير مؤمن , أو هو مؤمن إنما على طريقته ,وحتى عندما حاول أن يحط عصا ترحاله في إيطاليا , سرعان ما كان يستكشف فساد المكان رغم انجذابه نحو إيليا "الكبيرة" ( القوقازية المهاجرة التي كانت تدير مطعما مع أبيها على الشاطئ ,حيث كانت تتعرض للضرب أمام الزبائن على يد أبيها الجلف حين جاء نيكولا يطلب عملا )التي سعت لربطه حين همست له "سأكررك " فأشعلت كل طاقتها الكامنة و كل شهوته الهائمة المنفلتة , لم يستسلم نيكولا للمكان حيث الفساد له رائحته التي لا يخطئها حدس نيكولا وهذا ما قاله الكاتب بالنص عن المكان-الفضاء الذي يحوم فيه نيكولا "مكان من الارض معبد باليود يسميه الجغرافيون حوض البحر الابيض، مكان من الارض تعتبر فيه المرأة علفاً لأسماك الشهوة... ولعل ذلك أصبح حكماً تاريخياً الآن، فلقد أصبحت المرأة علفاً لأسماك الشهوة المستوحشة في كل مكان", كم هو مذهل أن نرى كيف يرث المكان فساد مكان آخر ,كيف يتناسل الفساد ليعم المكان برمته حتى عندما تمنح إيليا نفسها لنيكولا في مخزن المطعم دون أن يطلب ذلك ,بل رغبة منها في امتلاكه و القبض على ناصية مستقبله ..سأكررك يا نيكولا و يا له من عرض سخي تقدمه له , ويا له في المقابل من تهديد ووعيد لما سيحدث في قادم الأيام , يا لها من رغبة امتلاك و تسلط سوف تهيمن على روح نيكولا لتقضي عليه في نهاية المطاف .
ترى هل المكان هو ما قضى عليه؟ أم أن روحه التي أفسدها المكان كانت السبب في انتحاره بتلك الطريقة الغريبة ؟أم أن هذا قدره بوصفه قوقازي أن ينتهي وحيدا مثل النسور ؟منقطعا عن كل شيء و عن كل البشر وعن كل خيط يربطه بوطن ما أو انتماء ما .يفتح المؤلف النص قليلا ليريحنا إلى حد ما حين يصور لنا طفولة نيكولا التي عبر من خلالها عن اندهاشه من كل ما تقع عليه عينيه لنكتشف طفولته المضطربة ( كانت عائلته قد هاجرت وهو طفل إلى تركيا استقرت في إسطنبول) وعوالمه الداخلية المتصارعة و التي كانت وراء فقدانه أي شعور بالانتماء لمطلق مكان ,فنستنتج -بالضرورة-أثر الصحراء وسكانها عليه ,لاسيما إيسا الذي من خلاله قام نيكولا بصياغة توازنه الوجودي القائم على الثنائيات الإنسانية الشائعة : طهر-فساد, حياة-موت, خير-شر, ملك-شعب, حاشية-فساد ,ثواب-عقاب ...وغيرها.
نكوص نيكولا حاد و ارتكاسه عميق , فحين حاول الانتحار فقد ذكوريته -رجولته البيولوجية, وحين هرب نحو دواخله و أحلامه و أنشا في خياله مدينته الفاضلة تحولت إلى كارثة و مأساة بسبب ما قام به الملك من خطيئة اغتصابه لابنة نيكولا إيليا الصغيرة, كيف قدر لنيكولا أن يكون مفتاح فساد لكل مكان تطأه قدميه ؟ وهو الذي اتسمت معظم أفعال بالبراءة. لعل هذا ما يلخص قول د. غالي شكري عن الرواية حين يرى بأن صبري موسى راح يبحث " في صبر وأناة وجمال عن رؤى تخترق أحشاء الواقع، فتصل إلى نبوءة جمالية عميقة لأخطر الهزائم وأبقاها في كياننا الروحي" لتضعنا الرواية وجها لوجه أمام قيم الصحراء (في مقابل قيم المدينة لاشك) , وكأن الصحراء هنا ستكون الملاذ الآمن من استهلاكية المدينة وعوالمها الفاسدة ,وهذا ربما ما دفع نيكولا للتفكير في بناء مدينته في الصحراء, دون أن يدرك أنها ستصبح فاسدة بمجرد تحولها إلى "مكان" أو "أماكن" فالفساد مقترن عضويا بالمكان كشرط جوهري رغم أن الإنسان هو المحرك الرئيسي للفساد وخالقه, ولن يستطيع نيكولا أن يهرب من سطوة الفساد فحاشية الملك (ويمثلها في العمل أنطون بك) تضيق الخناق عليه بلهثها وراء المال ووراء كل متعة جديدة “ذات مذاق مختلف". لم يستطع نيكولا أن يكون جزء من الصحراء ,فرغم أن الفساد لم يطل روحه إلا أنه لم يستطع التحرر النهائي من سطوة المكان و مشهديته و إرثه , لم يستطع أن يكون جزء من هذا الملاذ الذي توفر سابقا للقديسين ,فقد أنهك المكان بانتهاكه المتواصل بالفساد ولم يعد صالحا لأن يكون ملاذا لأحد ,ربما كان المكان رحيما إلى حد ما مع نيكولا حين أتاح له قبرا صغيرا بين الصخور يواري فيه جسد إيليا الصغيرة المستباحة و المغتصبة .
ربما الآن عرفنا السبب في قول غالب هلسا لماذا فضل المثقفون هذه الرواية حين صدورها ليعقب مضيفا على أنها " اقتحمت عالما غريبا، صعب المسالك، عالجت من خلاله فكرة شديدة التعقيد، ...(واستطاعت) أن تجمع بين شرف المجازفة وبين النجاح... وهي تحكي قصة انسان التيه، يسوقه قدر غامض إلي تجوال لانهائي ، قلق، مؤلم، ثم يضعه في مكان في الصحراء الشرقية، فيرسي جذوره هناك ويندمج فيه وقد أخذت تسيطر عليه منذ البداية فكرة حلم بأن يصبح صخرة من صخوره، وأن يذوّب قلقه ومعاناته في الطبيعة البكر" فيذوي في صحرائه وحيدا مثل بطل تراجيدي إغريقي يكن احتراما لرهبة المكان أكثر من احترامه لآلهته .
ثمة سؤال أخير .لماذا فشل نيكولا في الوقت الذي نجح فيه الصوفي أبو الحسن الشاذلي المدفون في "عيذاب" غير بعيد عن الدرهيب؟ ما الذي يشي به العنوان "فساد الأمكنة" ؟ يقول صبري موسى عن العنوان و ملابسات اختياره أنه شعر في الفزع في أحد أعياد شم النسيم من هول ما أحدثه المواطنون المحتفلون بالعيد من فوضى عارمة في الحدائق حيث بقايا الفسيخ و فوارغ علب الطعام تعم كل مكان وتكاد تقتلك الروائح النتنة التي تجوب الفضاء , وبمقابل رمزي لهذا نجد تلك العفونة تتمثل في شبق الملك ومجون بطانته باغتصاب إيليا الصغيرة فالملك فض بكارة الفتاة الصغيرة و الحاشية الفاسدة أكملت المشهد بإفسادها المكان فكأنهم فضوا بكارة المكان أيضا و تكتمل الرمزية بصورة أكثر مأساوية لتجعل نيكولا غير قابل للتعايش مع المكان حين يصاب بالحمى فيتوهم أنه هو المسؤول عن الجنين في بطن ابنته , فيقتل الوليد ويقتلها بعد لك بأن يفجر منجم الدرهيب وهي بداخله .
ألم يطرح نيكولا ذات الأسئلة الوجودية الكبرى التي طرحها الشاذلي؟ قد يكون إخفاق نيكولا سببه أنه -وهو الخواجة الأوروبي- يحمل في داخله عالمه القديم الذي أتى منه حتى و إن أنكر أو حاول أن ينكر ذلك, كان هدف نيكولا الحقيقي , ليس البحث عن الذهب بقدر ما كان التوحد بالطبيعة الرحبة ليبني عوالمه الخاصة في الدرهيب ,لكنه -للأسف -أخفق لعدم مناعته إزاء فساد الأمكنة التي قدم منها أو التي هرب منها إذ سعى للتوحد مع الجبل كبديل عن إيليا الكبيرة وعن بقية العوالم التي أتى منها , تلك المناعة التي امتلكها ذلك الصوفي العتيق , إذ استغنى عن الأمكنة بالتوحد مع الغيبيات التي تميز الصحراء فرحبت به الأرض وجعلته علما و طريقة في حين انتهى نيكولا نكرة ,مجهولا لا أحد يعلم مكان له , ولكن هذا لا يعفي نيكولا من مسؤولياته فهو لا يختلف عن الآخرين حين يستحضر شهوته في الدرهيب مثله مثل ماريو المهندس الإيطالي و الباشا المصري و الخواجة أنطون وكذلك إيليا الصغيرة ,ثم تاليا الملك و حاشيته الباحثون وإقبال هانم ..كلهم يبحث عن اللهو و المجون و اللذة مستجيبين لشهواتهم الجامحة , إن حضورهم هذا حضور دخيل لا ينتمي للمكان ,وغير قابل للاحتمال ,وهو عقيم لن ينتج جديدا لو تلاقح مليون مرة , بل هو حضور يسير بقدرته نحو مصيره المحتوم , فما لم يفهمه نيكولا و فهمه أبو الحسن الشاذلي هو ما يقوله صبري موسى نصا "إن مئات الخطايا الصغيرة التي نرتكبها بسهولة ويسر في المدينة ضد أنفسنا وضد الآخرين تتراكم علي قلوبنا وعقولنا ثم تتكثف ضباباً يغشي عيوننا وأقدامنا فنتخبط في الحياة كالوحوش العمياء، فالمدينة زحام، والزحام فوضى وتنافس وهمجية. ولكنهم في الصحراء قلة، والخطايا الصغيرة تصبح واضحة تطارد من يرتكبها، ويصبح ضبابها على النفس أشد كثافة وثقلاً، بينما تحتاج دروب الحياة في الصحراء إلي بصيرة صافية نفاذة لتجنب أخطارها. إن الفضائل تمنحهم قدرة على الصفاء، فيمتلكون حساً غريزياً مشبعاً بالطمأنينة، يضيء في عقل البدوي حين يضيع منه الطريق في رمال الصحراء الساخنة الناعمة فيهتدى في طريقه، وتجعل قلبه يدق له إنذاراً بالخطر وهو نائم في ليل الصحراء السحري حينما يقترب من جسده عقرب أو ثعبان". فالخطايا إذن تحول الصراع إلى مأساة مكتملة العناصر ,وعليه لابد من أن يدفع أحدما الثمن ,حتى لو كانت القوى المتصارعة متكافئة, فنيكولا و إيليا و إيسا وعبد ربه كريشاب ليسوا سوى ضحايا هذا الصراع المعمد بالخطايا , ويظهر الجانب البريء في معنى أن يكونوا ضحايا من خلال اتحادهم مع الألم و البذل ’ لكنهم في ذات الوقت ليسوا أبرياء بالمطلق لاشتراكهم و تشاركهم في الفساد و الجشع ,كل على طريقته ,فحين يحاول نيكولا أن يبدو مخلصا للدرهيب بادعائه الذوبان في المكان فهو يقوم بالتواطئ على وحدة المكان من خلال انتهاكه لهذه الوحدة و إفشاء اسرارها و استنزاف ثروتها المكان , ولا يتوقف فساد نيكولا هنا ,أي استخراج "بودرة الطلق" من جوف الجبل , بل يمتد نحو الشهوة المحرمة لجسد إيليا الصغيرة ,وهو بهذا لا يختلف عن الخواجة أنطون أو حاشية الملك الذين جعلوا من الطبيعة مداسا لشهواتهم ووسيلة للثراء الفاحش ,وما قتله لإيليا الصغيرة ووليدها إلا تعبيرا عن وقوعه فريسة إحساسه بالخطيئة ,وليس كما يمكن أن تسوغ له نفسه بالقول أن الأمر مجرد التباس عقلي سببه الحمى ,بل على العكس من ذلك تماما , فما تلبسه ذهنيا من تصورات إنما نتج بسبب الشعور العميق و الدفين بالخطيئة ,الذي كان يتكاثر بداخله ,حتى تبدى له على صورة تهويمات ذهنية . وذات الأمر ينطبق على إيسا ,فحين يسرق الذهب , يمضي إلى حيث قبر جده الأكبر "كوكالوانكا" المدفون في "الجبل الأبيض" ,فهذا البدوي إيسا الذي عمل دليلا لنيكولا حال وصوله للدرهيب ,لم يكن يحب الأجانب و كان شديد الارتباط بالمكان فخبأ سبيكة الذهب عن أعين أولئك الساعين للسيطرة على ثروة البلد فقبض عليه بتهمة السرقة , ولما أنكر كان عليه اجتياز اختبار النار فثبتت براءته ,لكنه لقي حتفه لاحقا في بئر الأفاعي السامة ,فاختار نيكولا أبشر ابن إيسا مرافقا له عوض عن أبيه.
ما قام به إيسا يفترق قليلا عما اقترفه نيكولا , فارتباط إيسا بالمكان جعله يمضي نحو جده الأسطوري ليبارك الذهب (الذي سرقه في واقع الحال) وهو يؤمن بأنه لم يسرق فكان اختبار النار و كانت براءته, و البراءة هنا ليست لإيسا وحده و بل للصحراء , براءة بكارتها من دنس الأجنبي الغاصب للثروة ,فحتى النار هنا وقفت إلى جانبه (مثلما وقفت قبل ذلك مع إبراهيم في المرويات الدينية)
وحين يكذب كريشاب -الصياد الذي نذر نفسه لاصطياد عروس البحر التي غوت ثلاثة رجال من أسرته و التهمهم البحر "أخوه و ابن عمه و خاله"- فيدعي أنه قتل عروس البحر انتقاما لهم , وهي في الحقيقة نفقت بفعل الديناميت الذي كان يرمى في البحر بحثا عن النفط , فهو يعمق الفساد الذي تسبب به وجود الملك و حاشيته دون قصد منه , ولذلك يطلب منه أن مضاجعة عروس البحر النافقة عقابا على كذبه وسط أجواء طقوسية فظة ,تلك هي قوانين الصحراء حين تعاقب من يحيد عن أخلاقياتها , حيث يمكن لكريشاب أن يدرك حجم المهانة التي ستحيق به أمام الملء فيبدأ بالبكاء أثناء ممارسته, و لا طريق أمام كريشاب سوى الموت أو الجنون ويلخص الراوي ذلك بقوله "ثم ينزوي بنفسه ، إلى أن يمشى في الصحراء هائماً من جراء كذبته". هنا يقرر الراوي نتيجة العقاب و لا يدع للقارئ فرصة التأمل ربما في حلول أخرى حول مصير هذا الصياد التعس .وفي الحقيقة-كما يبدو لي الامر- فقدان عقل كريشاب و هيامه في الصحراء ليس بسبب مضاجعته لعروس البحر بقدر ما هو بسبب شعوره بحجم الكذبة التي اقترفها , وهي ذات الفكرة التي ضغطت على نيكولا أكثر من مرة بالانتحار حين شعر بألم ذهاب إيليا الصغيرة في صحبة الملك وهو الذي يدرك تماما معنى و مغزى هذه الرحلة (فكل اقتراب من السلطة لابد أن يكون له ثمن ومقابل ). ولا يتوقف ألم نيكولا عند هذا الحد , فمجرد أن يتصور مضاجعته لابنته تتفجر فيه رغبة جامحة بأن يختار حلا غير إنساني لوضع حد لهذا الألم (غير إنساني بمعنى حل مستمد من الطبيعة , وليس بمعنى التوحش),فوليد إيليا هو ثمرة الخطيئة , والخطيئة في تصور نيكولا ليس حاملا طبيعيا للفكرة بل هي حامل ثقافي إنساني "سفاح المحارم" ,غير أن هذا الوليد بالنسبة للخواجة أنطون هو ثمرة الرغبة و بالنسبة للملك هو ثمرة النزوة ,وهكذا تتصاعد الروافع الثقافية لفكرة الخطيئة بتعدد مستوياتها و فاعليها كنوع من محاكاة لقدرة الطبيعة على التحكم في المصائر ولو عن طريق جد أسطوري يدعى "كوكالوانكا", فخلاص الوليد بأن يكون طعاما لحيوانات الطبيعة وخلاص إيليا بأن تدفن في رحم الطبيعة تجعل من هذه الطبيعة بمثابة برزخ نحو الطهر الذي تفتقده الأمكنة ,هنا يكون جبل الدرهيب هو المخلص و المنقذ و الفادي المسياني لنيكولا الذي يحمل اسم قديسا قديما .
ومثلما كان المكان ملمحا أساسيا في الرواية ,فكذلك الزمان و تداخلاته إنما يعبر عن ملمحا آخر لا يمكن إغفاله فترحال نيكولا منذ طفولته ينتمي لزمن "إنساني" يعيش فيه و به و ينتمي له , فارتباط الإنسان بالزمن بوصفه عنصر "طبيعي" -كما يرى هيغل-يختص به الإنسان وحده عن باقي المخلوقات ,فليس من "المعقولات" القول بأن الأمكنة -الحيوانات تعيش "زمنا ثقافيا" أو "زمنا مدنيا" أو "زمنا اجتماعيا" ..فزمن هذه الكائنات هو زمن خطي ..زمن واحد ,وحشي ..زمن فيزيائي لا يحتمل الإشكاليات الجدلية المتعلقة بحالته الوجودية والتي يراعى فيها الثابت البنيوي البيولوجي و الموروث الاجتماعي-الثقافي ..فالقيم التي ننسبها عقلانيا إلى "العقلانية" ليست سوى قيم بنيت رويدا رويدا على أنقاض الغرائز على اعتبار أن الغرائز هي أكثر الاشياء حميمية من مكوناتنا كاللذة و الشبق و الليبيدو وعلى أنقاض بنية إرادة الحياة وفق المصطلح النيتشوي .. إن مأثرة نيكولا -ومرة أخرى كما يرى هيغل-إذن هي بإنزال العقل من عليائه ليجعله ضمن التاريخ مقيما فيه ,معبرا عن ذاته من خلاله ,فالتحرر من الطبيعة "الطبيعة الطبيعية و الطبيعة الإنسانية" يتطلب من بين ما يتطلب الاغتراب للفوز بالحرية و معرفة الذات ,ولذلك هو على استعداد ,في أي لحظة, للتخلي عن إيمانه ببعض الأفكار أو كلها "الأفكار الأولية التي شكلت جوهر شخصيته" أو تلك التي اكتسبها من التقاليد في بدايات تنشئته. بل أكثر من ذلك ,هو قادر على تجاهلها وحتى مناوئتها ليس فقط ذاتياً بل حتى على الملء ..وكما علمنا فنيكولا لا يتحكم فيه أي ولاء أو سلطان سوى ولاء وسلطان اغترابه فالعلاقات الاجتماعية..القوميات..الوطن..المجتمع..الدين..ليست سوى علاقات عابرة يمكنه تجاهلها مقابل الوصول لانتماء حقيقي قد يضطره لدفع حياته و حياة من يحب ثمنا لهذا الانتماء فيتعجل في الحصول على النتائج , الامر الذي من شأنه أن يصيبه بالقصور لجهة عدم قدرته على تفكيك باراديم الزمن الفيزيائي الذي ينتمي له حكما وعقلا و فعلا فيصاب بالحنق و الغيظ و الضجر ..وسيسعى بكل قوة لتفكيك هذا التناقض يسعى للحقيقة ..بوعي نشيط متماسك لا تنفصل فيه تفاصيل الواقع عن الحقائق المعرفية بوصفها حقل بحث و تجريب لأنه يرى في الحقائق على انها كليات صادقة
لم يكتف التمثيل السردي بإخبارنا بما حصل لإيليا , بل أقحم نفسه معها في الكهف ليصف في نسق تصاعدي اللحظات الأخيرة من حياتها, فنيكولا يدرك ا أن ثمة خلل في مكان ما بعلاقته مع إيليا الصغيرة و يمتد الخلل ليشمل المكان أيضا , وعلى هذا سيكون لشهوته المنقادة نحو ابنته مسلكا خيانيا للطبيعة نفسها , أي للمكان حيث هو ,وانتهاكه لإيليا , يقابله انتهاكه للجبل بتواطؤه مع أنطون وبذلك نختل العلاقة "الطبيعية " بينه و بين الجبل و بين الجبل و بين أولئك الذين يقصدونه طلبا لخيراته وبالتالي خيانته لطبيعة العلاقة مع ابنته يقابله خيانة من نوع آخر للجبل الذي زعم أنه اختاره موطنا له. وهنا ينفتح النص على مجازات لغوية تجسر الهوة بين القارئ المتلقي و الصور المركبة التي يرصفها الكاتب أمام مخيلتنا ,فينقلب النص إلى مستوى أسطوري بلاغي من الصعب عقلنته دون الرجوع إلى ما استغلق علينا من فهمنا للاجتماع الإنساني عموما بسبب سطوة التجريد العالية التي يقدمها الدفق اللغوي المجازي "إيليا شهوة جامحة.. كما ان الجبل شهوة جامحة، كما ان تلك الصحراء من حوله، بسكونها الصوفي، شهوة كبرى جامحة". وموت إيليا في الواقع هو كسر للرمزية التي اشتغل عليها الكاتب للتوفيق بين عوالم الرواية , وبهذا الكسر , انزلقت إيليا نحو مصيرها المحتوم في الصحراء حيث " تموت أنثيات الإبل أحيانا من عنف الجماع" . وحيث " المكان هنا حافل بمخلفات البشر " . هنا في هذا المكان وقبل قدوم نيكولا , لم يكن قد ولد بعد "ذلك" الرجل الذي "ضاجع ابنته في باحة هذا الجبل ، على وسادة من صخوره، وأولدها طفلا، ثم سرقه منها وهي نائمة ليطعم منه الذئب والضبع، وليس منهم من قادة تلك الابنة في سراديب الجبل المظلمة ودهاليزه الحارة الباردة، ومضي يدفعها أمامه في مسيرة جنائزية حتى تنتهي السراديب المطروقة، وتبدأ السراديب المهجورة، تلك التي لم تطرقها قدم من مئات السنين فيتركها هناك بعد أن يغلق عليها كهفا .. وتصاب بانهيار صخري غادر .. لقد صرخت إيليا وهي تري الصخر ينطبق عل باب الكهف ويحبسها بداخله، وأخذت تهبش الصخور في محبسها بأظافرها الجذابة الملونة بينما صرختها تتسرب عبر السراديب، وتترد فيها حتى بعد أن امتلأ حلقها بتراب الانهيار وكفت عن هبش الصخور، وبدأت تهبش في عنقها (الجميل) بأظافرها الجميلة قبل أن تسكن حركتها، كانت الصرخة ما تزال تترد .. فيسمعها نيكولا خلال هرولته المذعورة في السراديب، وكأنها تطارده لتمسك به وتعيده إلي إيليا وكأنما الألم المفعم باليأس والدهشة في تلك الصرخة المفجوعة تعاتبه وتدعوه للبقاء معها ... كأنها تلوح له بعالم سحرهما كفيلان بخلقه في تلك الصخور الصماء يعيشاه معا .. جنباً إلي جنب كما كان دائما رجل وابنته، أو رجل وأمه .. أو رجل وامرأته المعشوقة والمفضلة". وهكذا انطلقت روح إيليا وحلقت في فضاء الصحراء .

ما كل هذا إن لم يكن نص أسطوري شبيه بمزامير العهد القديم و المآسي الإغريقية؟. قوة المجاز هنا أتت متوافقة مع فرادة موضوع النص الروائي و تمايزه عن غيره من أعمال أدبية .