الوجع في قصيدة -أحضن رمالك وارتحل- أيمن شريدة

رائد الحواري
2018 / 6 / 15

الوجع في قصيدة
"أحضن رمالك وارتحل"
أيمن شريدة
هل يمكن أن يكون الحديث عن الحزن يحمل الفرح؟، سؤال مهم لنا في المنطقة العربية، لأنه يعبر عن حالة عامة نعيشها، لأنه يشير شيء من صورة أصبحت جزء أساسي من حياتنا، فهناك جوع عندنا للفرح الحقيقي، لفرحة النصر، فرح أنجاز وطني/قومي حقيقي، فرح يحررنا كليا مما علق بنا من هزائم وانكسارات متلاحقة، في هذه القصيدة سنجد شيء من الفرح، لكنه ليس الفرح الذي نصبوا إليه بالتأكيد، بل فرح من نوع آخر، لنرى ما هو هذا الفرح.
" احضن رِمالك وارتحل ..
واترك لنا ماء ابتسامك للدموع .."
غالبا ما يكون فعل الأمر شديد الوطأة على المتلقي، وهو هنا كذلك، لكن الشاعر يخفف من هذه الوطأة من خلال طبيعة فعل الأمر "أحضن" وهو لا يكتفي بهذا بل يجعل الفعل متعلق بشيء رمزي "رمالك" ويضيف فعل أمر آخر "وارتحل" وإذا ما جمعنا الكلمات معا نكون أمام مشهد في غاية الروعة "احضن رِمالك وارتحل .." المشاعر الإنسانية حاضرة ومؤثرة، خاصة إذا ما أخذنا تتمة المقطع:
"واترك لنا ماء ابتسامك للدموع .." فهناك الأمل بالفرح عند من سيرحل، وحالة من الحزن عندنا نحن المتبقين.
البيت الثاني جاءت يخبرنا عن فعل ماضا، فبعد أن حدث فعل الأمر والذي كان يحمل مشاعر صافية ونقية لذلك المرتحل نجده يحدث صدمة لنا:
"هطل المساءُ وضلّ صَحبُك عن طريقك للرجوع
كل الوجوه تسمرت ..
كل القلوب تحجرت"
الجميل في هذا المقطع "هطل المساء" وربطه بحدث يخصنا "ضل صاحبك" وإذا ما أخذنا افعال "هطل، ضل، تسمرت، تحجرت" سنجد الفعلين "هطل وضل" يتحدثان عن حدث مفرد، لكن أثرهما وفاعليتهما تركا على الجموع "الوجوه تسمرت، القلوب تحجرت" وهذا يشير إلى حجم المأساة التي تركها "صاحبك" علينا وفينا.
بعدها يأخذنا الشاعر إلى ما فيه من حزن وألم، متجاوزا الحالة العامة ليحدثنا عن حالته الخاصة:
"وأنا الذي قد شاب حزني في الضلوع
أبكي !؟
نعم ..
فاحمل دموعي وارتحل"
إذا ما توقفنا عند فعل الارتحال الذي جاء في البداية، والارتحال الذي يقوم به الشاعر، نجد فرق كبير بينهما، فالأول جاء ليفتح طريق معبدة ل"صاحبنا"، لكن ارتحال الشاعر جاء كانكسار أحدثه "ضلال صاحبنا"، لهذا هناك ألم يحمل أكثر من وجه، ألم الفراق، ألم الانكسار، ألم الخذلان، لأنه صادر عن "صاحبنا" وليس عن شخص نكرة أو شخص عادي.
يربط الشاعر بين المشهد الأول الذي تحدث فيه عن "ارتحال صاحبنا" وعن ارتحاله، وارتحال ثالث جاء بصورة مغايرة تماما لمفهوم الارتحال، فهناك حركة عكسية ومتداخلة ومتشابكة لفعل الارتحال، الارتحال الثالث جاء بهذه الصورة:
"هذي الأمانة قد تصل
أو لا تصل ..
في اللامكان تعيدني
الذكرى لأحضن رمله ..
لم أرتحل ..
فأنا هنا .."
الارتحال الثالث هو الأكثر اثارة، حيث يحمل معاتبة لصاحبنا ـ إن تبقى عنده شيء من الوفاء ـ وقع الارتحال الأول كان وما زال فاعلة ومؤثرة وحاضرة في وجدان الشاعر، لهذا يعيد استخدامه بذات الصورة التي جاءت أول مرة، فهو لا يستطيع تجاهله أو نسيانه، والجميل في هذا الارتحال إلى البداية يحضن الشاعر الرمل لكنه يبقى صامدا جسدا وروحا وفكرا وعاطفتا على ما كان، قبل أن يصيب "صاحبنا" التلوث.
إذن هناك وجع وألم شديدة الوقع قد حدث، وقد فصله لنا الشاعر بلغته وبصوره، فهل ما قدمه لنا يكفيه، ويهدئ من روعه؟، فما قدم لنا من صور واحداث في المقاطع الأخيرة يمكننا أن نتيقن أن الأحداث انتهت، فالشاعر (ختم) بصموده وثباته على ما كان، هذا ما يبدو للوهلة الأولى، لكن حجم وطبيعة الوجع ما زالت فاعلة ومؤثرة:
" أستل نصل غيابه والغمد خاصرتي
وأكتب بالدماء
رسالتي ..
قد نلتقي ..
بل نلتقي "
الالفاظ القاسية "استل، نصل، غيابه، الغمد، خاصرتي، بالدماء" كلها جاءت تشير إلى فعل القسوة والألم والشدة، فلماذا جاء كل هذا؟، خاصة إذا ما توقفنا عند رمزية "خاصرتي" التي تتحدث عن ألم السيد المسيح بسبب خيانة صاحبه "يهوذا"، أليس من المفترض أن ينهي/يكتفي الشاعر بما قدمه في السابق؟ فالصورة المؤلمة تكفي وتوفي!!.
وهنا تكمن الجمالية الوجع جمالية الألم، فيبدو الشاعر وكأنه يتلذذ بهذه الألم، لأنه ما زال مؤمن بقدوم "صاحبنا" نقيا بهيا كما كان، وهنا يأخذنا المشهد إلى صورة غياب الإله "تموزي/البعل" فالإصرار والإيمان بالعودة الخير ما زالت حاضرة رغم الغياب، من خلال: "بل نلتقي"، واللقاء هنا يأخذ معنى الجسدي/المادي، ومعنى الروحي/العاطفي.
إذن هناك حالة تشبه التوحد بين الشاعر و"صاحبنا"، وتأخذ شكل العلاقة الصوفية: فمن خلال
" أنا يا رفيقي قادمٌ أسلمت دربي للخطى
وتبعت دربك
وارتديت عباءةً من ظلك الممدود
فوق جدارنا
ولبست طهرك ساجدا ..
أسندت ظهري للخشوع"


فمن خلال الفاظ "قادم، أسلمت، دربي، الخطى، وتبعت، تربك، ارتديت، عباءة، ساجدا، للخشوع" كلها تخدم فكرة التوحد الصوفية، قلنا أن الشاعر يريد/يرغب في اللقاء الجسدي/المادي واللقاء الروحي العاطفي مع "صاحبنا" لكنه هنا يلغي الأول ويركز على الثاني، وهنا نطرح سؤال، : هل التوحد الذي يصبوا إليه الشاعر لم يعد ممكنا، فألغى الأول وطالب بالثاني؟، ولماذا يصر على الوفاء/البقاء على العلاقة التي تربطه ب "صاحبنا" ما دام ذهب وضل وأحدث كل هذا الوجع والألم؟.
" وحملت من ماء ابتسامك دمعتي
قد زاد حملي من دموع الملقيات
على القلوب رواسيا كي لا تميد
...ونلتقي ..
فاحمل دموعي ..
وارتحل"


إذن هناك حالة وفاء مطلقة عند الشاعر، تجعله يبقى وفيا ومخلصا لما كان بينه وبين صاحبنا، ورغم الوجع والألم الذي يحدثه، نجد التوحد مع هذا الألم من خلال:
"وحملت من ماء ابتسامك دمعتي"
ونجد جلد الشاعر على هذا الحمل الثقيل والمستديم من خلال:
"على القلوب رواسيا كي لا تميد "
والإيمان بقبول هذا الوضع/الحال المؤلم من خلال:
"ونلتقي ..
فاحمل دموعي ..
وارتحل "

القصيدة منشورة على صفحة الشاعر على الفيس بوك