المرأة في قصيدة -عَلى وَشَكِ القَصيدة...- سليمان دغش

رائد الحواري
2018 / 6 / 10

المرأة في قصيدة
"عَلـى وَشَـــكِ القَصيـدة..."
سليمان دغش
المرأة، الطبيعة، الكتابة، الثورة، كلها عناصر تريحنا وتجعلنا نتقدم من الحياة السوية، "سليمان دغش" يستخدم هذه العناصر مجتمعة ليتقدم من الحياة الهانئة، مبتعدا عن أي منغصات تعكر عليه هذا الهناء، فيقدم لنا قصيدة نادرة بمضمونها وشكل الذي جاءت به، يفتتح الشاعر قصيدته:

"يكفي حُضوركِ في تفاصيلِ القصيدةْ
لأطيرَ مثلَ فراشةٍ مَحمومَةٍ للشَّمسِ"
الفاتحة تجمع، المرأة والكتابة/القصيدة والطبيعة والثورة/التمرد، وكأن الشاعر أرادنا أن نتقدم بسرعة من هذه العوالم/العناصر المجتمعة، فقليل هم الذين يستطيعون أن يجمعوا عناصر الفرح في مقطع واحد، أو في قصيدة واحدة، لكن المرأة أحدثت كل هذا الفرح في الشاعر، فجعلته بهذا الهيام، وعلينا ان نتوقف عندها، فهي الباعث والمحفز لوجود لعناصر الفرح الأخرى، وبدون المرأة سيفقدها الشاعر، ويفقد نفسه أيضا، ويمسى في صحراء قاحلة.
يعطي الشاعر المرأة قدرات خارقة من خلال:
"أطفِئُها وأُشعِلُها"
وعلى أثر هذا الفعل نجده يتأثر بطريقة عكسية:

"وتُشعِلُني وَتُطفِئُني"

يتقدم أكثر من المرأة فيجعلنا مصدر جمال الكون، حتى أنه يرى نفسه الجميلة من خلالها:
"وأحْمِلُها إلى عَينيْكِ إمّا شئتِ قنديلاً سماوِيَّ الضّحى
مَنْ قالَ إنَّ الشّمسَ سيّدتي بعيدةْ...؟
يكفي حُضورُكِ في المَرايا
كيْ أراني فيكِ أجملَ من ملائكةِ السّماءِ"
فهو من خلال المرأة يتحرر من الأرض وأصبح كائن سماوي يحيا في عالم لا يمكننا نحن البشر أن نصل إليه، لكننا يمكننا أن نتعرف عليه من خلال ما يقدم لنا من تفاصيل عنه:
"وكُلّهم سَجَدوا لحوّاء التي حَمَلتْ خطيئةَ آدم البَشَريّ
مُنذُ البَدءِ لا الأفعى ولا تُفّاحَةٌ أغرَتهُ أو أغوَتْهُ
إلا ناهِديْها النافِرينِ إلى السَّماءِ تَمَرُّداً
واللهِ لولاها لعاشَ جَهَنَّمَيْنِ معاً
هُنا وَهُناكَ
إنَّ هُنا هُناكَ ولا هُناكَ سِوى هُنا
فاسجُدْ لها وَلهاً
وعَمّدها بماءٍ من قداسَتِها بمحراب الهوى
وأضِئْ لها شَمعاً ليؤنِسَها وحاذِرْ أنْ تُدَنِّسَها بطيشِكَ"

يُغرب الشاعر الحدث الديني، فيجعل المرأة هي الغواية بحد ذاتها، فلا أفعى ولا شجرة، بل هي الفتنة بذاتها، خاصة النهدين، وهذا يعد أهم تمرد على فكرة مقدسة، مسلم بها من كافة المؤمنين بالكتب السماوية، كما أن الشاعر يجعلها في مصاف الإله من خلال السجود لها، ويتقرب منها من خلال: "وأضِئْ لها شَمعاً" ويحذر من انتهاك هذه المقدسة من خلال:
"وحاذِرْ أنْ تُدَنِّسَها بطيشِكَ" وهنا يأخذنا إلى "عشتار" والصفات التي تحملها، والفكرة التي اعطاها الكنعاني لها، فكان يحرص على تقديم القرابين والشموع، وأيضا يتجنب غضبها.
"يا شَقِيُّ
ولا تخدِشْ زجاجَ الروحِ فيها أو أنوثَتها
وَمَسِّدها بماءِ الوردِ والعِطرِ الفَرَنسِيِّ
وَقَدِّسْها بخَمرٍ منْ فراديسِ السّماءِ فلا نبيذ سوى
المُعَتَّقِ منذُ بدءِ الخَلقِ في شَفَتَينِ يبدَأُ منهما
وَهَجُ التّماسِ العاطِفيُّ لِيُشعِلَ الغاباتِ في الجَسَدينِ
حالَ تَوَحُّدٍ في العِشقِ"
استخدم الشاعر في المقطع السابق التعميد بالماء، وهنا يستخدم تمسيدها بماء الورد والعطر الفرنسي، وكأنه لا يريدها ظاهرة فقط، بل أيضا ذات رائحة طيبة، ويردها بهية كاملة الجمال، وذات رائحة طيبة، وفي ذروة النشوة، فهو لا يريدها امرأة عادية، بل امرأة مميزة، متألقة بكل ما فيها وما عليها وما يصدر منها، كل هذا ليكون التوحد، الانصهار معها صافي ونقي وكامل.
لكن ما هو شكل وطبيعة هذا الاندماج/الانصهار/التوحد الذي حدث بينمها؟:
"مثلَ فراشَتينِ شَقِيّتينِ على السّنا تَتَزاوجانِ على
سَريرِ النارِ حتى الموت ليلاً
في انتظارِ الصُّبحِ أنْ يأتي يَزفّهما على طَقسِ
الجَنازاتِ الجميلةِ بينَ نورٍ سَرمَدِيٍّ في الخُلودِ
وبينَ بعثِ الروحِ في جَسَدَينِ صارا واحِداً في الحُبِّ
يا للحبِّ إنَّ الحُبّ مفتتحُ الخلودِ إلى القصيدة"
اعتقد أن اختيار الشاعر للفراشتين تحديدا أراد به أن يؤكد على توحدهما معا في الحياة النور/النار، وأيضا توحدهما في الحصول على ما يريدانه من بعضهما، وتوحدهما بعد الموت، كلنا يعلم أن الفراشة قبل أن تنتهي حياتها تكون قد ضعت بيوضها لتُحي وجودها من جديد.
لهذا نجده يتقدم أكثر نحو التوحد معها:
"يَكفي حُضورُكِ فيَّ في أفُقِ المجازِ لتبدأَ الناياتُ
فيَّ أنينها وَجَعاً تُدَغدِغُهُ الرؤى"
فمن خلالها سيهيم في الفضاء، ليكون في جنة النعيم، متجاوزا العالم الأرضي، وهنا الشاعر يتحرر جسديا وفكريا/روحيا، بحث لا يعود ينطبق عليه القوانين الأرضية، فهناك عالم سماوي لا يدخله إلا المحبين، العشاق الذين يتماهون مع من يحبون:
"ما أجمَل الرؤيا إذا ما استسلمَتْ لِنُعاسِها ما بينَ شَكٍّ
تاهَ في حُلُمِ النّهارِ وبينَ ليلِ حقيقةٍ طالَ الطَّريقَ إلى حَقيقَتِها
فتَوَسَّدَتْ جَفنينِ سوداوينِ نامَ الليلُ بينَهُما على سُجّادَةٍ مائيَّةٍ
تتسابَقُ النجماتُ والشُّهُبُ البَعيدةُ كيْ تُكَحِّلَ نورها وَسَناً
على جَفنَيْنِ إنْ رَفّا معاً سَجَدَتْ ملائكَةٌ وسَبَّحتِ السماءُ
فهلْ رأى أحَدٌ ملاكاً ساجِداً يوماً لغيرِ اللهِ
إلا حينَ شاهَدَها على وَشَكِ التَّجلي فانحنى لمقامها العالي
ورتَّلَ سورَةَ الإشراقِ للعُشاقِ"
الجميل فيما سبق، اننا نجد الكائنات السماوية والظواهر الفضائية تتماثل مع فعل الحبيبين، البشري "الشاعر محبوبته" والسماوي "الملائكة" والفضاء "النجوم والشهب" كلها تقوم بعمل يخدم ويطور مفهوم اللقاء والتوحد بين الحبيبين من جهة، وبين الفضاء و الكائنات السماوية من جهة أخرى.
إذن هناك عالم/مكان/حال خاصة وصل إليه الشاعر ومحبوبته، بحيث توحدت السماء وكائناتها مع الشاعر ومحبوبه، فوصوا إلى الذروة في غايتهما وهدفها، بحيث لم يعد هناك منزلة/مكان أعلى مما وصلوا.
يُفصل لنا الشاعر هذه الحالة وهذه المكانة من خلال قوله:
"ما الإشراقُ إلا حالة العشقِ الأخيرة في توَحُّدِ عاشقينِ
تجاوزا في الحُبِّ آخرَ حاجزٍ يفضي إلى الملكوتِ
أبعَدَ منْ أنينِ النايِ في شفةِ الخلودِ ، تخطَّيا اثمَ الخطيئةِ في المَحَبّةِ
لا خطيئةَ في الهوى...
وتَبَرأا منها الشّرائع ما عدا شرعَ الهوى
وتَوَحّدا نغماً سماويَّ الخلودِ يهيمُ موسيقى
على مَعزوفَةٍ أزَلِيَّةِ التكوينِ يضبِطُ لحنها القُدُسيَّ روحُ اللهِ في الأعلى"
الفكرة الصوفية عن التوحد والانصهار الكلي مع الحبيب حاضرة فيما سبق، لهذا هما لم يعودا من الكائنات الأرضية، بل كائنات روحية، سماوية، بعيدة أن الخطيئة، فقد أصبحت في حل من أي جريرة، فعالم السماء يعطي المحبين الفردوس الذي يريدونه، لكن الملفت للنظر أن الشاعر لا يتحدث عن متعة جسدية، مادية، بل متعة روحية، جمالية، لهذا نجده يركز على "الإشراق، نغم، معزوفة، لحن، القدسي، روح الله" وكأنه يريد أن يخبرنا أن عالم السماء متعلق بالمتعة الروح، الجمال، الله، وليس بمتعة المادة، الغريزة الجسدية.
لهذا لم يعد يهتم بالأفكار والمفاهيم الأرضية التي تنظر إلى الأشياء والأفعال من منظور أرضي/مادي/جسدي،:
"فمرّي فوقَ رملِ الروحِ حافيةً وعاريَةً
ليعلو المَوجُ في بَحرَينِِ
بحرٌ لازَوَردِيَّ الرؤى يَرمي لأَفروديتَ رَغوَتَهُ بلا خَجَلٍ
وَبَحرٌ للمَجازِ المُخمَلِيِّ، رَمت خواتِمَها ولؤلؤَها القَصيدَةُ فيهِ
وانسَحَبتْ لغُربَتِها وَوِحدَتِها على رَملِ الشّواطئِ"
قلنا ان هناك دورة حياة للفراشة، تجعلها في حالة وجود مستمرة، فهي تبدأ من البيضة مرورا باليرقة، ثم الشرنقة، وصولا إلى الكمال الفراشة، وهي مرحلة الذروة، والتي منها تبدأ نهايتها، وهذا الأمر ينطبق تماما مع حالة الشاعر، فقد وصل إلى المرحلة الذروة، وعليه أن يعود من جديد إلى عالمه الأرضي، ليحصل من جديد على تلك المتعة، فهو لا يريدها لمرة واحدة، بل متجددة ومستديمة:
"مَنْ تُرى سَيَلُمُّ خاتَمَ سِرِّها
وَيُعيدهُ لِجُنونِ سُرَّتِها على وَشَكِ الصّهيلِ
ألمْ أقُلْ يَكْفي حُضورُكِ في التّفاصيلِ الدَّفيقَةِ فيَّ
كَيْ تتقمَّصي روحي على وَشَكِ القَصيدةْ"

الممتع في رحلة العودة أنها انتهت عند "القصيدة" التي نقرأها، والتي امتعتنا، وجعلتنا نهيم فيما هام به الشاعر ومحبوبته، وكأنه بهذه الخاتمة أرادنا أن نبدأ من جديد في التقدم من القصيدة، بحيث تكون قرأتنا لها تأخذ شكل الدائرة، بحيث ما أن ننتهي منها حتى نتقدم من جديد، وهذا ينطبق تماما مع الرحلة التي بدأها الشاعر مع محبوبته في الفضاء السماوي، وتلك التي تحدثت عن الفراشة، مما يجعلنا نحن القراء، والشاعر ومحبوبته، والفراشة نمر/نسير بذات الطريق.

القصيدة منشورة على صفحة الشاعر على الفيس بوك