لندنيات دال

أفنان القاسم
2018 / 6 / 9

في لندن، هناك أصحاب القرار اللارسميون الذين بيدهم المفاتيح، وهناك أصحاب القرار الرسميون الذين ليسوا سوى أصابع للتنفيذ، "رسميًا"، بينما هم، في الحقيقة، بيادق: رئيسة الوزراء البريطانية بيدق، وزير خارجيتها بيدق، وزير ماليتها بيدق، وزير اقتصادها بيدق، وزير ثقافتها بيدق، كل باقي وزرائها بيادق، وإن شئت، براغٍ، في ماكينة. إذن، اللقاء الذي تم بيني وبين أحد أصحاب القرار اللارسميين كان لقاء من أعلى المستويات، ومن أهم اللقاءات.


أخبرني "المستر" باهتمام المملكة المتحدة بطروحاتي، اهتمام يمكن رفعه إلى أعلى مستوى، وهو يعني بذلك استساغة الأجهزة الاستخباراتية الأربعة التي أحدها الجهاز الاستخباراتي البريطاني والتي تحكم العالم، لكن استراتيجيتهم العالمية تملي عليهم التريث لشروط جيوسياسية هم من ورائها، ولهذه الشروط الجيوسياسية امتداد في الزمان، موضوعي من وجهة نظرهم، يجب قطعه، وهم يقطعونه ليس مشيًا على القدمين أو بعدد الساعات والأيام، هم يقطعونه بتأثيره على مصالحهم تأثيرًا طويلاً أو قصيرًا. لهذا السبب، هم يتعاملون مع كل المؤسسات ذات المشاريع العالمية، وعلى كافة أنواعها، سياسية مالية اقتصادية ثقافية إلى آخره، تعاملهم مع المنتَجات، فقوس قزح منتَج لشروط جيوسياسية جديدة، لوضع جيوسياسي قادم. وطالما أن منتَجًا آخر هناك وضعه قائم وشروطه لم تستنفد، طالما أن قيام "المؤسسة" لن يتحقق في الحال كما أصبو، أو، على الأقل، كما أرى في كافة أبعاده.


أعطاني "المستر" النايلون مثلاً قديمًا كمنتَج تم اكتشافه في العشرينات من القرن الماضي، ولم يتم تسويقه إلا في الأربعينات من نفس القرن، ليس لأن هناك في المخازن من القطن ما كان من اللازم تصريفه، لأن هناك شروطًا استهلاكية عالمية لم تكن تسمح بذلك. وكذلك أعطاني علاج كل أنواع السرطان مثلاً جديدًا كمنتَج اكتشف في أيامنا، ولم يسوّق، فشركات الأدوية الاحتكارية سائرة في إنتاج منتجاتها التي بنت عليها أحدث مصانعها، وهي ليست على استعداد لإنتاج منتجات أخرى. إنها دومًا الشروط الخاصة بالمنتَج، سواء أكان مادة استهلاكية أو مؤسسة عالمية، بانتظار أن يحين الوقت، ويتبدل الوضع.


عارضت "المستر"، أعطيته السمارتفون مثلاً قديمًا جديدًا، السمارتفون كمنتَج ومنتِج لشروطه، فكل عام أو عامين لدينا موديل جديد، بينما بالإمكان إضافة بعض القطع على الموديل القديم، ليفي ذلك بالمطلوب. حقًا هناك صعوبات في جمعه، وهناك عقبات في إعادة تصنيعه، لكن من غير المستحيل تجاوزها عن طريق برمجة استرداد "أمازونية" (بالنسبة إلى أمازون) وبرمجة استعداد تكنولوجية.


كنت مفحمًا.


اتفقنا، أنا و "المستر"، على أن هناك منتَج ومنتَج، المنتَج الذي ينتِج لشروطه، والمنتَج الذي تنتجه الشروط، وتعمق الحوار بيننا.


قال لي "المستر" إن العلاقات بين الدول، على الرغم من الاستراتيجية العالمية للأجهزة الاستخباراتية الأربعة، تتأثر ببعضها، وتؤثر في بعضها. أعطاني مثلاً حيًا عن سوريا، مثلاً حيًا أقول بينما هي معلومة مهولة سربها لي: منذ عدة أيام، تم اللقاء بين رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي والسفير الإيراني لدى الأردن في أحد فنادق عمان للاتفاق على تقسيم سوريا (الذي تم)، درعا وجنوب سوريا تحت مسئولية إسرائيل والأردن وأمريكا، عفرين وشمال سوريا تحت مسئولية تركيا والحلف الأطلسي، دمشق ووسط سوريا تحت مسئولية إيران وروسيا. وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على عدم مصداقية آلاف المقالات التي دبجها الأمخاخ عن محور مقاومة وتصدير ثورة وصراع نووي إيراني أمريكي إسرائيلي. هناك، يا عمي، منتَج سياسي مالي اقتصادي ثقافي بطيخي من اللازم تسويقه وكفى، ولتسويقه هناك شروط ينتجها أو تنتجه، وليس في الأمر أي تلويح إلى خيانة إلى عمالة، هناك كل اعتبار لمصلحة لبراجماتية.


كانت الخلاصة التي توصلنا إليها، أنا و "المستر"، هي التالية: إيران بإمكانها أن تدفع كل الأطراف المعنية إلى إنتاج قوس قزح كمنتَج فيه مصلحتها أولاً وقبل كل شيء، مصلحتها النابعة من مصالح الآخرين، فالاستراتيجية "للضرورة أحكامها" هي استراتيجية جدلية. وإيران بتحركها باتجاهي، تُحَرِّك الدول الأخرى، وخاصة تدفع الأجهزة الاستخباراتية الأربعة التي تحكم العالم إلى تعديل استراتيجيتها إن لم يكن تبديلها.


بين إيران وبيني خطوة واحدة تقطعها، فتدخل العصر من باب قوس قزح، ويدخل العصر من باب إيران.