الطبيعة ربيع القلوب .

يوسف حمك
2018 / 6 / 8

استخف بجمال الطبيعة ، و بسحرها الأخاذ ، و نظر إلى صورها الرائعة بجهلٍ تامٍ .
لم يقف عند هذا الحد . بل استبد برأيه ، ضارباً عرض الحائط كل جميلٍ ، بتكلس فكره ، و جفاف روحه ، و عقدة نفسه ، و مرض قريحته .
جاهلاً بأن :
الطبيعة لوحةٌ فنها من أثقل العيار . صُممت بريشة رسامٍ يعجز أكبر الفنانين عن بلوغ كعب مهارته الإبداعية .
جاذبيتها تطاردك بتثاقلٍ على رؤوس أصابع الصمت ، و بتمهلٍ حذرٍ .
تتنفس عطراً ، بالزفير تنتثر ذراتها في الهواء الطلق حتى تلامس أنفك ، لتطبع بصمتها على خلايا الشم .
تسري ببطءٍ إلى ثنايا القلب ، لتحفر في الذاكرة ربيعاً أبدياً عصياً على النسيان .
ألوانها الزاهية تعزف على وتر القلب بلا رخصةٍ ، يفقد توازنه .
تعرجات تضاريسها و مياه جداولها الرقراق تنصب لك كميناً محكماً ،
تدنو من رونقها شيئاً فشيئاً ... حتى تغدو هدفاً ، و صيداً ثميناً يقع في تسديدها ، تقتنصك .... تخرج من صمتها لتبتلعك ..... تهضمك لتذوب في أحشائها .

و الروح تغفو من بين أحضان رياضها ، لتنفض عن كاهلها عناءً قاسياً ، أنهكها ..... فتمتلئ بهجةً و ولعاً .
المشاعر تهمس في أسماع الحس الجميل ، لاستنهاض القريحة .
الحروف تستعد لاقتباس أسمى معاني الحياة من أيك رياضها الغناء عشقاً و ألقاً . فتؤلف قصائد تستحضر صفاء الروح و نقائها .
و تنشط قوى الحياة بداخلك بتوافقٍ و انسجامٍ . فتدخل الذات في مرحلة التأمل بخشوعٍ ، كناسكٍ يهذي بعد تناوله جرعة تخديرٍ مركزٍ من ذكر أوليائه .

نعم الطبيعة آيةٌ من المعجزات تسد النقص المزدوج بشقيه اللَّذَيْن خلفهما الفراغ ، أو زحمة العمل .
و في عمقها تنمو بذور الانشراح ، و في جوف جنائنها تنمو بذور الفرح ... و من بين عبق زهورها تزدهر السعادة .
حقاً إنها لوحةٌ عبقةٌ بالحياة و جميل المحيا . تغري الروح بولعها ،
و تروض القلب بجمالها ، تأسر الفكر بابتكار هندستها .
و النفس تظل تستمتع باحتضان بساتينها ، حتى و إن كانت تعيش في غرفةٍ انفراديةٍ ضيقةٍ .... لا تتسع لمد رجليه بعد أن زجها رجال الأمن بداخلها . جراء تهمةٍ باطلةٍ ، أو كيديةٍ .