الشاعرة فيما تكتبه -نفن مردم-

رائد الحواري
2018 / 6 / 8

تكمن أهمية الصور الأدبية في القصيدة لما تعطيه من فضاء للمتلقي، ولما تُحدثه من متعة، فالخيال والتمتع بالنص لهما مكانتهما عند القارئ، فمن خلالهما يمكنه أن يجد ما يعيد له التوازن، والخروج من حالة الضغط إن وجدت.
ومن السمات الأخرى الممتعة في النص تناول موضوع جديد، أو موضوع مطرح لكن بلغة واسلوب مغاير لما استخدم في السابق، الشاعرة "نفن مردم" تنحت الكلمات وتقدم لنا مجسم جميل:

"لغة أتقنتها جردتها
دونتها فوق الرمال
لغة تصقل ضباب الفصول"
تبدو لنا الشاعرة هي من أوجد الحياة بالكلمات، فهي من أتقنها وجردها ودونها، لكن الاجمل الفقرة الأخيرة والتي جاءت بصورة نادرة، "تصقل ضباب الفصول" فهذه التركيبة الاستثنائية لم تأتي من فراغ، بل كان لهما مقدمات من خلال ما سبق.
تقدمنا الشاعرة أكثر مما نحتته وشكلته فتقول:
"ترسم في حيز الوجع
آلاف الصور
تتوالد من جوف الدواخل
من رحم الصمت صرخة فزع"
هناك صورة مؤلمة، لكن اللغة والطريقة التي استخدمتها الشاعرة جعلت هذا الألم خفيف الوطأة على القارئ، فمن خلال فعل "تتوالد" ولفظ "رحم" جعلت هذا الألم يمر بسرعة خاطفة، ولا يحدث ضررا بالقارئ.
دائما الطبيعة تعد من العناصر المهدئة والمحببة، وعندما يتناولها الشاعر/الكاتب يعطي راحة وسلاسة للمتلقي:

"لتمضِ ريحاً في مفاصل غيمة
لتعتصر الهمس خمرا "
الشاعرة لا تكتفي باستحضار الطبيعة المجردة "الغيم والريح، فنجدها تدمج بين الطبيعة والفعل الذي تريده "لتعتصر الهمس خمرا " من خلال هذه التعبير الجميل يمكننا أن ندخل إلى عالم الشاعرة وما تحمله من ألم، ما تريد، وما تراه، قلنا سابقا أن استخدام الأحرف المكرر في الكلمة يشير ـ في العقل الباطن ـ إلى حالة هيام الكاتب/الشاعر، وكأنه من خلال تلقي هذه الحروف يريد أن يكون هو متماثل معها في التلاحم والتلاقي، الشاعرة تستخدم هذا الأمر، تقول:

"واقفاً على جرف زلة متهيباً
شلل السقوط
يا لغة عشش
في أذنيك أنَّ المُحال مخير
والمستحيل طريق مسير"

رغم القتامة التي جاءت في "شلل" إلا أن تحمل في داخلها ميول الشاعرة نحو التلاقي مع الآخر، وهذا ما وجدناه أيضا في "عشش"، وبعدها نجد الشاعرة تكرر حرفي الياء والراء في "مخير ومسير"، وهذا ما يجعلنا نأخذ هذا التكرار على أنه يمثل ميل الشاعرة نحو الآخر الذي تريده.
تكشف لنا الشاعرة حقيقة مشاعرها أكثر من خلال قولها:

"ضوء يذوب في ضوء
في شهيق ياسمين عبر
شهقة عطشى تستنفر المطر
في لغة الشعور المحير"
فهناك ضوء يذوب في ضوء، ونلاحظ أن الشاعرة لم تستخدم حرف التعريف لأنها تتعامل مع الطبيعة بشمولية، ولا تريد أن تكشف لنا طبيعة وحقيقة هذا ال ضوء، فهي تحرر نفسها من خلال الحديث عن حدث عام، وكأنه غير متعلق بها، لكن استخدام لفظ "شهقة، وعطشى، وتستفز المطر" كلها تشير إلى أن هناك ميل نحو هذه الأفعال وهذه الألفاظ عند وإلا ما كانت لتكون.
القصيدة منشورة على صفحة مجلة عشتار الإلكترونية