التحريم والتنجيس في الأديان وفي الإسلام خصوصاُ (3).!!

وفي نوري جعفر
2018 / 6 / 7

يبدو أن التخمير وإستهلاك الكحول "الخمر" كان معروفاً منذ أيام الحضارة السومرية وما بعدها من الحضارات والثقافات، وكما كان الإغنياء يستمتعون بشربهِ فكذلك هم الفقراء، ولم يقف شرب الخمر على اللادينيين والملحدين أو الكفار والمشركين فقط، بل حتى أهل الاديان شربوا من الخمر وأستلذوا بنشوتهِ، وبالرغم من وجود بعضِ الأقاويل على أن الخمر محرمُ في اليهودية والمسيحية، إلا أن الثابت والصحيح عندهم أنه لا وجود للتحريم ولا مانع من شربِهِ، مع التأكيد على عدم الإكثار من شربهِ والوصول لحالة السكر، وهناك حالات خاصة فقط تنهى عن شرب الخمر في هذه الأديان.!!

إلى أن جاء محمد بقرآنهِ الغامض والمتناقض، وتدرًجَ كما يحب أن يقول أتباعهِ في تحريم شربِ الخمر والنهي عنه، ولكن وعلى الرغم من نهي محمد وتحريمهِ لشربِ الخمر، إلا إنً أصحابهِ وخلفاءهِ وأقربائه من المسلمين لم ينتهوا ولم يتوقفوا عن شربهِ والاستمتاع بهِ سواء كان في زمنهِ أو بعدهِ، ولأن الكثير من الناس والمسلمين منهم أيضاً إعتادوا على شربِ الخمر ولم يستطيعوا تركهِ، لذلك كانت هناك دائماً سجالات وجدالات طويلة وعريضة حول إثبات تحريم شربهِ من عدمهِ، وهل كانَ تحريم محمد للخمرِ قاطعاً أم أنهُ سلك مسلك إخوانهِ اليهود والنصارى بإباحة شربهِ والنهي عن الإكثار منه؟؟ ومن جديد يبرز التساؤل وهو إذا كانت الأديانِ من مصدرٍ واحد فلماذا تختلف تشريعاتها وأحكامها؟؟ وإذا قلتَ بتحريفِ بعضها، فلماذا عجزَ صاحبها عن حفظها؟؟ فهذه الأسئلة والنقاشات بقيت مستمرة إلى يومنا هذا.!!

مع هذا فالواضح والثابت عند أغلب فقهاء المسلمين ورجالهِ هو تحريم شرب الخمر، وأكيد هناك من شذ عنهم مثل أبو حنيفة النعمان الذي يعد أحد الأئمة الأربعة وصاحب المذهب الحنفي مع بعضٍ من علماء الكوفة آنذاك، حيث كانوا يبيحون شرب نبيذ الشعير والذرة وغيرها حتى ولو كانت مسكرة، أما الخمر المصنوع من العنب فشربه غير محرم عندهم لكن المحرم هو السكر منه، وبما أنً أبو حنيفة من العراق، ولهذا يقول الحافظ ابن عبد البر الأندلسي "اختلف الفقهاء في سائر الأنبذة المسكرة فقال العراقيون: إنما الحرام منها المسكر، وهو فعل الشارب، أما النبيذ في نفسه فليس بحرام ولا نجس لأن الخمر العنب لا غير.!!

وقد خلًفَ هذا التحريم الإسلامي للخمر في عقول أغلب المسلمين فكرة سيئة ومقيتة عنه، حتًى وصلَ الأمر بأن لا يجالس المسلم أي طاولة عليها شراب من الخمرِ وكذلك يحرم عليهِ بيعهِ وحملهِ، وكما يعدُ شربه من الكبائر في الإسلام، وصوًرَ الدين ورجالهِ شارب الخمر على أنهُ شيطان يمشي على الأرض، وأن شرب الخمر يعتبر جريمة بل هو أصل الجرائم، ومن الأسباب التي تركت هذا الإنطباع الشاذ والمخادع هو ما يشاهدهُ المسلمين من شاربي الخمور في بلادهم، فكثيرُ ممن يشرب الخمر في بلادنا العربية يفتقدُ إلى ثقافة الشرب أوعدم الإلتزام بالكمية التي يجب عليهِ أن يستهلكها لكي يستمتع بشربهِ دون أن يصل بهِ الى حالة السكر والثمالةً، فأكيد عندما يكثر الإنسان من الشرب سيسكر وسيفقد سيطرتهِ على عقلهِ وتصرفاتهِ، وهذا الأمر معروف للقاصي والداني، وبالتالي يمكن أن يتصرف بعض السكارى بتصرفات حمقاء وغبية، وبذلك تكون تصرفات الشارب الثمل حجة للمسلم ليصرخ ويقول أنظر الى "الخمر" كيف يفعل بشاربهِ؟؟ أنظر صدقً حديث رسولنا وآيات قرآننا حينما حرموا الخمر، وهذا ما سيعزز قناعة المسلم بدينهِ وسيجعله فرحاً مع نفسهِ مؤكداً صحة قول نبيهِ في الخمرِ وفي شاربه.!!

ولأن الخمر مكروه وممنوعُ في بلادنا ذات الأغلبية المسلمة، لهذا تجد أغلب الراغبين بشربِ الخمر يختبئون عن الأنظار وكأنهم قد إقترفوا جريمة، ولأنهُم مساكين محرومين من شربهِ وممنوعٌ عليهِم ولا يلاقوا من يحترمهم، لهذا تجدهم يفرطون في الشرب معتقدين بأنه أخر شراب سينزل إلى بطونهم وأحشائهم فيستمتعونً بآخر قطرةٍ فيه إلى أن يسكروا ويثملوا، ومع الأسف فإن ما يمارسهُ رجال الدين وكهنتهِ من تلقين وتثقيف خاطيء متعمًد تارةً بحرمة تناولهِ وتارةً بذكرِ أضرارهِ المزعومة، فيكون لصدى أقوالهم وصرخاتهم الضغط على الحكومات فتوضعِ القوانين التي تتماشى مع أحكامِ الإسلام بإعتبارهِ المصدر الرئيسي للتشريعات عندهم، فتقوم الحكومات بدورها بمنع المواطنين من شرب الخمر وإغلاقِ محلات بيع الخمور، وبالحقيقة هذه السياسات خاطئة جداً وتؤدي إلى أضرارِ ونتائج عكسية في المجتمع، علاوة على أنها تعتبر تدخل سافر في حق الإنسان وحرمانهِ من أبسط حقوقهِ الإنسانية المتمثلة بالحريةِ الشخصية، فلهذا لا تستغرب عندما ترى الدول التي تمارس الحظر تنتشر فيها المشاكل ويكثر فيها المدمنين، بل يلجأ الكثير من المحرومين والممنوع عنهم الشرب إلى البحث عن إستخدامِ مواد أخرى كالمخدرات والحبوب وغيرها كما يحصل في العراق وفي غيرهِ من الدول العربية التي تنتهج هذا النهج الدكتاتوري والخاطيء.!!

وعلى العكسِ من هذه الدول الإسلامية الغارقة في المنع والتحريم والكبت للحريات الشخصية، تجد اكثر الدول المتقدمة والمتحررة لا تحظر الخمر ولا تمنع من شرائهِ وإستهلاكهِ ولا تتدخًل في حريات الأفراد إلا ضمن حدود معينة تقف عندما تصطدم بحرية الأخر، ولهذا لا تجد فيها مشاكل كبيرة بسبب تناول الخمور، وبالكاد تجد في الشارع ناس تمشي وهي شكرانة أو ثملة إلا في حالات ومناسبات قليلة جداً، لأنها دول وشعوب تعلمت وتثقفت وتعودت على تناول الكحول بطريقة معتدلة بحيث أصبحَ جزءاً من ثقافتها، فغالبية هذه الشعوب لا ترى في المشروبات الكحولية شيء منافي للخُلق أو مضر بالإنسان والمجتمع ما دام إستهلاكهِ يكون طبيعي ومعتدل، وفي نفس الوقت هم لا يجاملون أو يتسامحون مع المدمن والذي يسيء إستهلاكه، ودائماً ما يكون التعلم والتثقيف على الشرب عندهم يبدأ منذ الصغر، فيقوم الأبوان بتعليم أبناءهم إذا كبروا ونضجوا وقرروا أن يشربوا كيفية تناول الكحول والإعتدال في شربهِ وهذا كلهُ يتم تحت إشراف ورعاية الأبوين.!!

وللأسف فإن مجتمعاتنا تفتقر لهذا التثقيف والتعليم في هذا الأمر، ولا عجب في ذلك فكيف يتم التثقيف والتعليم وهو أمر مستنكر ومحرًم من قبل الأكثرية؟؟ فلو توفرت المعلومات العامة والصحية والمسؤوليات الإجتماعية للذي يريد أن يتناول الخمر بكيفية التعاطي ومدى الكمية المناسبة وكذلك التثقيف والنهي عن عدم الإفراط في تناولهِ، وأن ليس كل من يشرب الخمر بإعتدال سيصبح مدمناً أو شريراً، ووضع قوانين تحدد السن القانوني للشرب، وكذلك التحذير وفرضِ العقوبات لمن يسوق وهو متناول لجرعة كبيرة غير مسموح بها وغيرها من المعلومات التي تجعل من المجتمع يرتقي بثقافتهِ ومعرفتهِ والتي لا تتنافى مع الأخلاق ولا يتم التضييق على الحريات الشخصية فيها ما دامت لا تؤذي أو تؤثر وتضر بالآخرين.!!

وكنتيجة لهذا التثقيف والوعي الجمعي، يجب أن تفهم هذه الشعوب بأن من يشرب الكحول بإعتدال ليس إنساناًً سيئاً ولا شريراً بل على العكس تجدهُ إنساناً طبيعياًً يحب المرح والضحك ومسالم جداً، والأمر في الأول والأخير لا يعدو عن كونهِ حرية إختيار الإنسان لما يريد أن يأكل ويشرب، فمن أراد أن يشرب الكحول ويستمتع بهِ فهذا شأنهُ وأمرُ خاصٌ بهِ، ومن لا يحب تناولهِ فلا حاجة لأن يشربه وهو أمرُ خاصٌ بهِ أيضاً، فلا أحد يجبر الآخر على تناول شيء لا يحبه، وكذلك لا أحد يجبر الآخر على منعِهِ من تناول شيء يحبهُ ويعجبه، وبدلاً من تخويف الناس من الكحول وتحميلهِ كل المفاسد والشرور، عليهم أن يشيعوا ثقافة تناولهِ وإستهلاكهِ بالطريقة الصحيحة، فالكحول لم يكن يوماً ما مشكلة، وإنما سوء إستخدامهِ وعدم الإعتدالِ في شربهِ هو المشكلة.!!

وبما أني أكتفي في هذه السلسلة بالمشاهدة الحسية المبنية على التجربة الإنسانية والمعايشة لحياة الذين يشربون والذين لا يشربون، فأنا هنا أقارن وأتسائل: لماذا أكثر الذين يشربون في الدول المتقدمة ومنذ الصغر ما زالوا أصحاء ويتمتعون بطول العمر والذكاء والإنتاج والعلمِ والعطاء، وعلى العكسِ منهُ تماماً أجدهُ في أغلبِ الذين لا يتعاطون شرب الخمر في دولنا العربية؟؟

ولمن يريد أن يدخل في غمار العلم والصحة ويأتي مندفعاً بوضعِ الروابط العلمية والصحية والخوضِ في ما تقوله حول تناول الكحول، سأذكرُ لهُ رأي بعضٍ من الدراسات العلمية والصحية التي تؤكد بأن تناول كمية "معتدلة" من الكحول هو أمرٌ مفيد لصحة الإنسان ومناعتهِ وهذه الفائدة من عدمها كما يقولون تعتمد طبعاً على بنية جسمِ كلٍ إنسانِ وكذلك على جيناتهِ الوراثية وعوامل أخرى.!!

وأخيراً أعتذرُ لكم أحبتي عن الإطالة، فأنا أعلم أن مقالاتي تسبب لكم صداعاً وملل أرجو تحملها، وسأختمها بعدَ كل ما تقدم بتساؤلٍ وهو:

لماذا تمً تحريم شربِ الخمر على المسلمين في الحياة الدنيا وفي الآخرة تمً وعدِهم بأنهارٍ منه؟؟ فهل يختلف خمر الجنة عن خمرِ الدنيا؟؟ ثمً لماذا يكونُ شارب الخمرِ في الجنة منتشياً وهو يداعبٌ أثداء الكواعبِ لا خوفُ عليهِ ولا جناحِ؟؟ والخوف كل الخوف من شاربها في الدنيا والجناح عليهِ بحيث يتمُ إحتقاره وتعزيره وجلده؟؟

*********************************
ملاحظة: كل الاديان على الارض هي من صنع البشر.!!

وفي نوري جعفر.

محبتي واحترامي للجميع.

https://www.facebook.com/Wafi.Nori.Jaafar/