التاريخ وشهر رمضان تعانقا

السيد إبراهيم أحمد
2018 / 6 / 5

يتيه شهر رمضان، هذا لو جاز له أن يتيه، بكثرة الأسماء التي تضاف إلى اسمه الكريم، فهو سيد الشهور، وشهر القرآن، وشهر الغفران، وشهر الفرقان، وشهر الصبر، وشهر الجهاد، وشهر الفتوحات، وشهر البطولات، وشهر الانتصارات، وشهر العتق من النيران، وشهر الجود، وشهر الكرم وأسماء أخرى سمَّاه بها كل من أحبوا هذا الشهر ووقروه.

إنه الشهر الذي يعانق التاريخ أو الذي سعى إليه التاريخ فعانقه وصادقه وزامله، ذلك أنه الشهر الذي شهد بداية اللحظة الفارقة في تاريخ البشرية يوم الاثنين لإحدى وعشرين مضت من شهر رمضان ليلًا، الموافق لليوم العاشر من شهر أغسطس سنة 610 من ميلاد المسيح عليه السلام، وذلك كما حددها بعد النظر والتأمل في القرائن الشيخ صفي الرحمن المباركفوري في كتابه "الرحيق المختوم"، مستندًا في هذا على الرأي القائل بأن ميلاده صلى الله عليه وسلم كان صبيحة يوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الأول الموافق لليوم العشرين من أبريل/ نيسان سنة 571 من الميلاد، وهو الذي يوافق السنة الأولى من حادثة الفيل، وكانت ولادته في دار أبي طالب بشعب بني هاشم، أخذًا بما حققه عالم الفلك المصري المرحوم محمود باشا الفلكي.

بناءً على التاريخ الذي تقدم يكون عمر الرسول صلى الله عليه وسلم أربعين سنة قمرية تامة، وستة أشهر، واثنى عشر يومًا، وذلك نحو 39 سنة شمسية وثلاثة أشهر وعشرين يومًا‏ من السنة الثالثة من عزلته صلى الله عليه وسلم في غار حراء، حين شاء الله تعالى أن يفيض من رحمته على أهل الأرض، فأكرم عبده محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة، ثم أنزل إليه جبريل عليه السلام بآيات من القرآن الكريم لتبدأ الحضارة.

يقول سعيد جودت فى مدخل كتابه: "اقرأ وربك الأكرم": (المسلمون الذين كلما كتب كاتب في الأرض عن تاريخهم لا يقضي عجبًا من سرعة ما ملكوا العالم المعاصر لهم، انطلقوا من الكلمة (اقرأ) إنهم في عصرهم كانوا أقرأ الناس وأشدهم اتصالاً بالقراءة والكتاب والعلم الذي يطلبونه في كل مكان ومن كل مصدر، لقد نالوا كرم الرب وكرامته من سعة في الدنيا ومكانة في العالم).

كان العالم قبل “اقرأ” شيء ولكنه بعد “اقرأ” القرآنية شيئًا جديدًا، اقرأ التي شهدها رمضان سيد الشهور هي التي جعلت من رمضان تاريخًا جديدًا في تاريخ العالم تتسابق تواريخ الأيام والسنوات لتتلاصق به وتتماس معه، ليتيه الحدث ويكتب له الخلود في سجلات الدنيا، ولهذا فقد شكَّل شهر رمضان في الأمة الإسلامية وجوده في عقلها وقلبها.

عانق تاريخ البطولات تاريخ شهر رمضان؛ فقد بدأت المسيرة المباركة من الانتصارات مع يوم الجمعة الموافق السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة مع أول غزواته "بدر الكبرى"، وتنتهي مسيرة الغزوات النبوية مع يوم العشرين من رمضان من السنة الثامنة من الهجرة المباركة مع فتح الفتوح "فتح مكة المكرمة".

تأتي البطولات التي وقعت في رمضان من بعد عصر النبوة، ومنها: موقعة "البويب" التي دارت رحاها في السنة الثالثة عشر من الهجرة النبوية المباركة والتي انتصر فيها المسلمون على الفرس بعد هزيمة المسلمين منهم في معركة الجسر، ثم موقعة القادسية في العام الخامس عشر من الهجرة وكانت أيضًا بين المسلمين والفرس، ثم جاء "فتح النوبة" من بلاد مصر عام 31 من الهجرة، وهو الفتح الذي لا يكاد يذكره أحد مع فتوحات المسلمين في رمضان، ثم فتَح المسلمون جزيرة رودس سنة 53هـ، ولقد تم فتح "عمورية" في السادس من رمضان عام 223ه والتي وقعت بين المسلمين والروم.

كما كان فتح بلاد الأندلس في رمضان سنة 92هـ، وفي التاسع من رمضان عام 559 من الهجرة انتصر القائد نور الدين زنكي على الصليبيين، وكان أن شهد رمضان كذلك معركة "الزلاقة"، جنوب دولة إسبانيا حاليًا، في عام 479هـ بقيادة يوسف بن تاشفين أمير المرابطين بين المسلمين والإفرنج، وفي الخامس عشر من رمضان عام 584هـ الموافق للسادس من نوفمبر لعام 1188م فتح القائد صلاح الدين الأيوبي "قلعة صفد"، وهي من أكبر وأقدم المدن الفلسطينية وتقع في الجليل، بعد حصار طويل استغرق شهر رمضان كله، ولقد رفض صلاح الدين التوقف للراحة في شهر الصوم؛ فقد آثر مواصلة الجهاد مخافة أن ينتهي به الآجل دون فتح القلعة.

ولقد شهد رمضان في الخامس والعشرين منه معركة عين جالوت عام 685ه بين المسلمين والتتار، كما استولى إبراهيم باشا ابن محمد علي في رمضان من عام 1241هـ على مدينة "ميسولونجي" من بلاد اليونان، كما كان رمضان شاهدًا على كبرى الانتصارات العربية والإسلامية الحديثة وهي حرب العاشر من رمضان عام 1393ه الموافق للسادس من أكتوبر لعام 1973م التي قامت بين مصر وإسرائيل.

كما شهد رمضان العديد من التواريخ التي اتسمت بالحزن أو التي عمَّها الفرح، أمَّا الحوادث الحزينة، فمنها: وفاة أبو طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم في العام العاشر من البعثة، وفي نفس السنة في يوم العاشر من رمضان ماتت سيدة المسلمين السيدة خديجة رضي الله عنها أول أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم وأول خلق الله تعالى إسلامًا، وقد توفيت السيدة رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان من السنة الثانية من الهجرة، كما توفيت سيدة نساء العالمين في زمانها، وأم الحسنين السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها في ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة من الهجرة المباركة، ثم استشهد زوجها الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في اليوم السابع عشر من رمضان من السنة الأربعين من الهجرة، وفي ليلة الثلاثاء السابع عشر من شهر رمضان عام 58ه توفيت إلى رحمة الله تعالى السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق ثالث أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم، كما شهد شهر رمضان سنة ثمان ومائتين هجرية في مصر وفاة، نفيسة العلم، العابدة الزاهدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي العلوية من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رمضان توفي الصحابي سعد بن مالك الخزرجي الساعدي والد الصحابي سهل بن سعد، وكان تجهز ليشارك في غزوة بدر فمات قبلها.

ومن الحوادث السارة التي شهدها شهر رمضان المبارك: أن الله تعالى قد فرض زكاة الفطر على المسلمين في الثامن والعشرين من رمضان في العام الثاني الهجري، وجاء مولد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما في المدينة المنورة في منتصف رمضان من السنة الثالثة من الهجرة، وزواج الرسول صلى الله عليه وسلم في العام الثالث الهجري من أم المؤمنين السيدة زينب بنت خزيمة بن الحارث "أم المساكين"، وفي رمضان من السَّنة التاسِعة للهجرة قدم الرسول صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك منتصرًا، وفي نفس العام حضَر إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وفْدُ ثقيف لمبايعته وأعلنوا دخولهم في الإسلام، وفي رمضان من عام 361 هجرية تم بناء الجامع الأزهر، منارة الإسلام، بالقاهرة.

مما لا شك فيه أن من أهم الحوادث السارة التي شهدها شهر رمضان هو نزول الكتب السماوية فيه؛ فعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان". [أخرجه أحمد (4/ 107) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم: (1575)].


ولقد كان للعلماء مع شهر رمضان تواريخ لا يستطيعون نسيانها من كتب ومؤلفات فرغ منها أصحابها من المصنفين في هذا الشهر الكريم أو بدأوها فيه، فكان رمضان وهو يعانق التاريخ من حيث إنطلاقه بخير الرسالات على البشرية كلها، ليهدي الدنيا أرحم الحضارات التي تعد من مفاخر هذا الدين، وأضافت إلى الحضارة الإنسانية الكثير من منجزاتها، يشهد الكثير من هذه الإنجازات التي تمت في أيامه المعدودات، مثلما شهد الكثير من الفتوحات البطولية والعسكرية المختومة بختم النصر والتأييد والتمكين، كما لم تخلُ أيامه كذلك من فتوحات علمية ظل يتداولها أصحاب العقول والأفهام بالتلقي والتعليم والتعلم، لتصنع تاريخًا جديدًا لا تنقضي عجائبه منذ قابل التاريخ شهر رمضان فتعانقا على هذه الأرض، وإلى أن تنتهي.