باكورة انتصارات الإسلام في رمضان

السيد إبراهيم أحمد
2018 / 6 / 5

شهد وادي بدر صبيحة يوم الجمعة الموافق السابع عشر من شهر رمضان المبارك، من السنة الثانية من الهجرة النبوية الشريفة، فتح الفتوحات، ووقعة بدر، ويوم بدر، وبدر الكبرى، ويوم الفرقان، كما شهدت عين بدر التي كتب الله لها الخلود في سجلات التاريخ البشري، والتاريخ الإسلامي بصفة خاصة.

غزوة بدر العظمى، كانت باكورة الغزوات التي خاضها الإسلام ضد قوى الكفر في مكة وقوى الشرك في الجزيرة العربية ممثلة في زعماء مكة الذين كانوا يديرون الحرب ضد الإسلام، ومن هنا كانت بمثابة نقطة فاصلة في تاريخ الإسلام بجميع أوجهه من حيث التأثير والآثار، وذلك من الوجهة التاريخية، والوجهة السياسية، والوجهة العسكرية، مما يوجب دراستها من أكثر من زاوية وهو الحادث بالفعل في كثير من الدراسات والمقالات، غير أن المهيمن عليها في التقديم فقط هو الشكل التاريخي والدعوي.

إن غزوة بدر تتبدى عظمتها في فيصليتها التاريخية الفارقة في تاريخ الإسلام وقت نشوب المعركة، وأسلوب إدارتها، وتاريخ الإسلام في مستقبله الذي لولا انتصار المسلمين في هذه الغزوة لتغير وجه تاريخ المسلمين أو الإسلام ومن ثم تاريخ العالم بأسره، ولهذا وصف الله تعالى ذلك اليوم في كتابه العزيز بأنه: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال:41]، وهو اليوم الذي فرَّق فيه الله عز وجل بين الحق والباطل، وهو "يوم بدر"، والجمعان: حزب الله وحزب الشيطان كما يقول القرطبي في تفسيره.

كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم بفارقية غزوة بدر وخطورتها وأنها تمثل لحظة تاريخية فاصلة لها ما بعدها في حالة النصر وأنه قد لا يكون هناك بعدها في حالة الهزيمة من حيث وجود الإيمان في الأرض، وتوحيد الله سبحانه، ولهذا لاذ صلى الله عليه وسلم بالله تعالى يدعوه رافعًا أكف الضراعة، مستقبلًا القبلة يستنجزه وعده، وهو يقول: "اللهُمَّ آتني ما وعدتني، اللهُمَّ أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تَهلِكَ هذه العصابة من أهل الإسلام فلن تُعبَد في الأرض"، وظل صلى الله عليه وسلم على هذه الحالة لا يفارقها حتى سقط رداؤه عن منكبيه، وحتى نزل الوحي يطمئنه: ﴿ سيُهزَم الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُر﴾ [القمر: 45].


وقد يدور سؤالًا مشروعًا: هل كانت لهذه الموقعة ضرورة مع ما يكتنفها من مخاطر ستقع آثارها، غالبًا، على المسلمين الأقل في العُدَّةِ والعَدد؟

وقبل الإجابة نرصد المسافة التي قطعها رسول صلى الله عليه وسلم وهي: 165 كم، ما بين المدينة المنورة وبدر، ومن حيث العَدد، كان أول جيش منظم في الإسلام يبلغ 314 جنديًا، ومن حيث العُدَّة، لم يكن معهم سوى سبعين بعيرًا يتعقبونها، أو يتعاقبونها، أي يتناوبون ركوبها واحدًا بعد الآخر.

روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير ـ أي يتعاقبون ـ وكان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا له: نحن نمشي عنك ـ ليظل راكبًا ـ فقال: "ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما".

وكان عدد المشركين في أول أمرهم ألف وثلاثمائة مقاتل في بداية خروجه من مكة، ثم أصبح ألفًا بعد رجوع بني زهرة إلى مكة تاركة القتال لأبي جهل ومن معه، وكان معهم مائة فرس، وستمائة درع، وينفق على جيش المشركين تسعة من وجهاء قريش وأشرافها، ويكفي أنهم كانوا ينحرون في كل كل يوم تسعًا أو عشرًا من الإبل.

والجواب على هذا السؤال يقول بأن الصدام كان لا محالة سيحدث بين قوى الإيمان وقوى الشرك مهما طال الأمر، ومن يعد إلى وثيقة المدينة التي عقدها الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود والمشركين والنص على عدم التحالف بينهم وبين مشركي قريش مع عدم وجود دلالات وقت هذه الوثيقة على وجود روابط بين هذه الأطراف، لا يخفي النظرة الثاقبة الواعية منه صلى الله عليه وسلم والتي أثبت التاريخ واقعيتها وسبقها لرؤية من كان يظن باستحالتها.

كما أن قوافل قريش قامت على أموال اقترفتها من بيع دور مغلقة للمهاجرين بمكة، وظل المهاجرين يعانون، وكان حال الأنصار بالمدينة في جوارهم للمهاجرين ومؤازرتهم لهم لا يعني أن الأنصار لم يكن يعانون اقتصاديًا أيضًا، وأن المهاجرين كانوا من عزة النفس بما لا يسمح لهم بالركون إلى كرم الأنصار الذي فاق الحد، بل كان يجب أن تظهر قوة المسلمين ووجودهم في أنهم يشكلوا خطرًا على طريق القوافل المكية التي تمر به من المدينة بما يشعرهم بالقلق على أموالهم وتجاراتهم، كما أن قريش قد اشتد بها الغيظ من أهل المدينة في مؤازرتهم للدعوة الجديدة، وكانوا يتحينون الفرص للاشتباك معهم بطريقة أو بأخرى.

أما السبب المباشر لغزوة بدر فهو، أنه قد بلغ المسلمين تحرُكُّ قافلة تجارية كبيرة من الشام تحمل أموالاً هائلة لقريش يقودها أبو سفيان ويقوم على حراستها بين ثلاثين وأربعين رجلًا، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة ليقوم بجمع معلومات عنها، وبعد أن عاد الصحابي الجليل بالمعلومات، ندبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للخروج، أي لم يأمرهم بل ترك الأمر للرغبة من عدمها، وقال لهم: "هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها"، وكان خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان المبارك، ولم يكن يعزم على قتال بل كان قصده عير قريش فقط.

ويكفينا لمحات خاطفات نطوق بها أحداث غزوة بدر باكورة الغزوات الإسلامية، وبشائر انتصاراتها المجيدة الحاسمة والتي لولاها لما قام للإسلام قائمة، ومن هذه اللمحات: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسمح لجيشه بالمبادأة بالقتال، حيث بدأ الهجوم من جانب المشركين؛ إذ هجم الأسود بن عبد الأسد على الحوض الذي بناه المسلمون معاهدًا اللات والعزى ليشربن من الحوض أو يهدمنه أو يموتن دونه، فتصدى له حمزة بن عبد المطلب فضربه فلم يرتدع، فأجهز عليه قبل أن يَبِرَ بعهده على الأصنام.

ومن هذه اللمحات: أن التكتيك العسكري كان رائعًا ومدروسًا، ولم تغب عن المعركة الاستشارة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدير المعركة من داخلها، وتجلت وحدة الصف في جيش المسلمين، بينما ظهرت الانشقاقات في جيش الكفار، ولم يتخلَ الله تعالى عن الرسول صلى الله عليه وسلم فأجاب دعاءه، وأرسل إليه الملائكة كمددٍ من السماء، في حين تخلى الشيطان في إجارته للمشركين فارًا من المعركة ليتركهم وحدهم يلاقون مصيرهم. لقد كان لهذه المعركة أثر كبير في رفع الحالة المعنوية للمسلمين وتثبيتهم، أذلت قوى الشرك والكفر والنفاق واليهود في سائر الجزيرة العربية.

إن بدر الكبرى .. غزوة الفصل، والوعد بالنصر من الله، لمن ينصره تعالى، ويُعلي كلمة الله لتكون العليا، والفداء بالنفس رخيصة في سبيل الله، رجاء ما عند الله، فيا ليتنا نَعُد إلى الله، ليثبت أقدامنا، ويجمعنا على كلمة سواء، ليتنا نجعل من بدر النصر، وبدر الفداء، بدر في حياتنا، وبدر حياتنا، وليتنا ندرسها ونتفهمها، إنها خطة عمل كبيرة في حياة هذه الأمة لو فقهت أمر دينها، ونهج نبيها، ومنهاج كتابها، وأمر ربها، لو طبقتها، لَنَجَتْ.