سبينوزا- ضمير العصر الحديث

عبدالجواد سيد
2018 / 6 / 5

سبينوزا - ضمير العصر الحديث
ولد باروخ سبينوزا عام 1632 ومات عام 1677 ، خمس وأربعين عاما فقط قضاها فى فقر وضيق ، عاش خلالها على إحسان بعض الأصدقاء الأغنياء، وعلى مهنة صقل الساعات التى أصابته بإلتهاب رئوى أودى بحياته مبكراً ، وذلك بعد أن تبرأت منه جماعته اليهودية ، لكنه وفى خضم تلك الحياة المأساوية حصل تحصيلا علميا موسوعياً ، فقد درس التراث اليهودى المسيحيى دراسة مستفيضة ، وأضاف إليه معرفة موسوعية أخرى بالتراث اليونانى الرومانى ، وفى النهاية ترك لنا عمله الكبير الخالد (رسالة فى اللاهوت والسياسة) الذى نشره بدون توقيع سنة 1677، وبعد وفاته نشر تلاميذه عمله الكبيرالآخر كتاب الأخلاق.
عاش سبينوزا فى القرن السابع عشر والحروب الدينية الأوربية مازلت على أشدها، وبالكاد كانت أوربا قد توصلت إلى صلح وستفاليا سنة 1648، لكن محاكم التفتيش كانت مازلت تعلق المشانق، وكان التنوير الأوربى مازال يهادن الرأى العام الهمجى، حتى أن ديكارت نفسه أستاذ سبينوزا، ومؤسس مبدأ الشك العلمى تجنب تطبيق منهجه فى مسائل الدين والسياسة، لكن سبينوزا غامر مغامرته الكبرى وكتب رسالته فى اللاهوت والسياسة، ممهدا الطريق لمن جاءوا بعده للتوسع فيما طرحه من فكر سابق لعصره ، ولم يكن كتابه موجهاً للأجيال الأوربية التى جاءت بعده فقط ، إذ يبدو أنه كان موجهاً لنا أيضا نحن أهل الشرق الأوسط ، والتى تتشابه ظروفنا الحالية مع ظروف القرن السابع عشر الأوربى، فماذا قال لنا سبينوزا فى تلك الرسالة؟
ركز سبينوزا معظم فصول كتابه العشرين على نقد الكتاب المقدس والذى إعتبره كتاب لتاريخ العبرانيين وليس نصاً مقدساً ، فليس هناك مايسمى بالنص المقدس ، فما كتبه بشر هو نص قابل للنقد العقلى والنقد التاريخى ، المنهجان اللذان إتبعهما فى نقد الكتاب المقدس ، المنهج العقلى الديكارتى ، ومنهج النقد الثاريخى الذى يعتبر مؤسساً له قبل تطور علم الأنثروبولوجى فى القرن التاسع عشر. يقول سبينوزا أننا لانستطيع أن نيأس وأن علينا أن نستمر فى المحاولة وأن أقوى القناعات هى المؤسسة على عقائد كاذبة يقول ذلك بينما يؤكد إيمانه بكلمة الله التى حرفها البشر، أما كلمة الله فهى العدل والإحسان وأما معجزاته فهى قوانين الطبيعة الخالدة ، وأما الشرائع والطقوس والمعجزات فليست سوى من صنع البشر، صنعها الإنسان من أجل الدولة والسياسة ، والله ليس أميراً أو حاكم يعمل فى السياسة ، الزعماء والقادة والأنبياء هم الذين صنعوا هذا التاريخ وكتبوه بأنفسهم أو كتبه أتباعهم ، تبعاً لطبائعهم الشخصية ولظروف الزمن الذين عاشوا فيه ، فمن الواضح أن الفريسيين هم الذين إختاروا معظم نصوص الكتاب المقدس وليس الصدوقيين ، كما أن بعض أسفاره منقولة من مصادر أخرى مثل سفر أيوب ، وعزرا هو الذى بدأ كتابته ثم أكمل فى عصر المكابيين والباقى من تاريخ يوسيفيوس ، ولكن كيف يمكن لكاتب النص المقدس ، مهما كان ، أن يرى العالم كله فلسطين ، كيف يمكن لمكان ان يكون مقدساً فى زمن يعقوب وملعوناً فى زمن منسى، كيف لألواح كتبها الله بنفسه أن تكسر فى لحظة غضب ، كيف لمعبد الله (معبد سليمان) أن يهدم ، كيف يمكن ليوشع النبى الناطق عن الوحى أن يتصورأن الشمس قد توقفت عن الحركة بينما هى واقفة بطبيعتها والأرض هى التى تدور حولها ، كيف يمكن لآدم أن يختفى من الله خلف شجرة والله يرى ويعلم كل شئ ، ولماذا يصعد موسى إلى الجبل للقاء ربه، أليس الله فى كل مكان ، ولماذا إختص الله العبرانيين برعايته أليس الله عادلأ بين الشعوب التى تدعىى هى أيضاً نفس مايدعيه العبرانيون من رعاية الله لهم. وكيف يمكن لمن يكتب عن الوحى أن يقول أن معبد سليمان قد بنى بعد خروج إسرائيل من مصر بأربعمائة وثمانين عاماً ، بينما الفترة وبحساب نفس الكتاب المقدس هى خمسمائة وثمانين عاماً؟
وهكذا يمضى سبينوزا محطماً كثير من ثوابت الكتاب المقدس ، مكررا إيمانه بكلمة الله فى العدل والإحسان ، التى حرفها الإنسان ، ومعجزاته فى قوانين الطبيعة الخالدة ، التى قلل من شأنها الأنبياء بمعجزاتهم التى تشبه معجزات السحرة، مؤسساً للإيمان الربوبى قبل أن يصبح العقيدة الشائعة لمفكرى عصر الأنوار. وينتهى سبينوزا فى الفصول الأخيرة بالخلاصة التى أرادها من الكتاب وهى فصل الإيمان عن الفلسفة وفصل الدين عن الدولة ، فالإيمان شعور ووجدان وحاجة من حق كل إنسان، والتفكير والتدبر والحقيقة أيضا حاجة من حق كل إنسان ولايجب أن نخلط بين هذا وذاك ، كما لايجب أن نخلط الدين بالدولة ، فقد يتخلى الإنسان عن حقوقه الطبيعية للدولة أو للجماعة السياسية التى ينتمى إليها من أجل خير أكبر، لكنه لايمكن أن يتخلى عن أفكاره ومعتقداته الخاصة ، وأن الحياة الكريمة لايمكن أن تتحقق إلا لفرد حريعيش فى دولة حرة.
هكذا مهد سبينوزا بهذا الكتاب الثورة الطريق لعصر الأنوار الأوربى ونجومه الكبار الذين فاقوه مجد وشهرة ، لوك ودولته المدنية وإمتدادها الكبير فى عقد روسو، والتسامح الذى بلغ ذراه مع فولتير الشهير، بينما ظل هو يقبع خلف المشهد التاريخى كالجندى المجهول الذى يكسب الحروب بينما يحصد غيره الجوائز والنياشين ، إنها مناسبة أعتذر فيها عن لقب أبو الأنبياء الذى منحته للوك فى أحد مقالاتى القديمة ، فسبينوزا هو أبو الأنبياء الحقيقى ، أنبياء العصور الحديثة ، وقد كتب كتابه الخالد للأجيال الأوربية التى أتت بعده ، ولنا أيضاً نحن أهل الشرق الأوسط!!!


أهم المراجع
1-مدخل إلى التنوير الأوربى – هاشم صالح
2-رسالة فى اللاهوت والسياسة – سبينوزا- ترجمة حسن حنفى
3-رسالة فى الحكومة المدنية - جون لوك- ترجمة محمود شوقى الكيال
4-فى العقد الإجتماعى - جان جاك روسو - ترجمة عبدالعزيز لبيب
5-رسالة فى التسامح - فولتير - ترجمة هنريت عبودى