آسو براون الإيرانية الألمانية التائهة !

ملهم الملائكة
2018 / 6 / 4

آسو الكردية الإيرانية أبعد ما تكون عن الأسّلمة، فقد هاجرت من إيران بعد أن تعرفت على رجل ألماني في بلدها، سارع الى عقد قرانه عليها (في السفارة الألمانية بطهران) وجاء بها إلى بلده. تبدو القصة عادية الى هنا، لكنّ الشرطة عثرت على آسو شبه قتيلة ذات خريف على ساحل الراين، وهي قصة أخرى.

في العاشرة من ليلة الأحد، رنّ جرس الباب، فتساءل أهل بيتي، من يزورنا في هذه الساعة. الأسر متعددة الأطفال تنام بين التاسعة والعشرة ليلا في ألمانيا، ولا أحد يرن جرس الباب إلا في أقصى حالات الطوارئ. فتحت الباب بحذر، فطالعني وجه جاري الذي يسكن في طابق يعلو شقتي، وفيه ملامح قلق لم أعهدها. وحال أن سألته عن سبب قدومه، تدفق يقول إنه بحاجة الى شخص يساعده، حيث لا يعرف أحداً في هذه المدينة سوى أخيه المتواري عن الأنظار لأسباب مجهولة، وبالتالي فهو مضطر لطلب المساعدة مني بسبب حراجة الوضع. وبعد أن طمنته الى امكانية أن أمد له يد المساعدة (بنخوة الشرق الأوسط المعهودة)، قال لي إنّه قد تلقى مكالمة من الشرطة تفيد بأنّهم قد عثروا على جسد سيدة فاقدة للوعي، ويشتبهون أن له علاقة بها بسبب عثورهم على رقم هاتفه في هاتفها المحمول! وهنا تحرك في داخلي هاجس المؤامرة الشرقية، فقد تكون في القضية جريمة قتل، هل اتراجع وأرفض المساعدة؟ لكنّ روح الشرق الأوسط غلبتني، فمضيت قدماً وسألته:
وما المطلوب مني تحديدا في هذه الحكاية؟
-أنا لا أعرف أحدا في هذه المدينة سوى أخي وزوجته، ولا أدري أين هو، وزوجته شرق أوسطية، وفكرت أنك قد تكون عوناً لنا في هذا، لاسيما أنّها عراقية؟
- زوجة أخيك عراقية؟
- نعم إنّها كردية عراقية، ولهذا فكرت أن تكون معي فقد يمكنك مساعدتنا لو طلبت شيئا ولم أفهمه.
وبلا تردد، غيرت ملابسي واخذته بسيارتي الى حيث ترقد السيدة، وهناك كان المشهد درامياً حقا، فقد نجحت الشرطة في الاتصال بجيران السيدة، فجاؤوا الى المشفى ومعهم نجلاها (بنت في الرابعة عشرة، وصبي في الثانية عشرة).
وهكذا وجدت نفسي وسط مشهد يراوح بين الفكاهة وبين الألم، فالسيدة لم تكن عراقية ، بل كردية إيرانية، ولأنّ أغلب الغربيين لا يميزون العراقيين ومن الإيرانيين (كما لا نميز نحن بين أوروغواي وبارغواي، لتشابه الاسم والشعوب واللغة) فقد توهم حموها الذي طلب مساعدتي بأنّها عراقية.
بعد أخذ ورد ومتابعة، شاهدتُ السيدة من خلف الزجاج مستلقية على سرير في غرفة العناية المركزة، وعلى وجهها شحوب الموتى. تلك الليلة انتهى المشهد عند هذا الحد بالنسبة لي، فالسيدة لم تكن تستطيع الكلام، ونجلاها قد حضرا الى المكان، فلا فائدة ترتجى من حضوري، وهكذا غادرت الى البيت.
بعد 3 أشهر التقيتُ جاري على سلم العمارة، فأكمل لي القصة وملأ الفراغات التي علقت بالمشهد بالنسبة لي. فالسيدة، قد هاجرت من إيران بعد أن تعرفت على شقيقه في بلدها، وسارع الى عقد قرانه عليها (في السفارة الألمانية بطهران) وجاء بها إلى بلده لتحمل اسم عائلته كما هو رسم الزواج في هذا البلد، فباتت آسو براون.
لكنّ التفاصيل الخفية كشفت أنّ السيد براون، كانّ مقاتلاً الى جانب نظام طالبان الاسلامي المتشدد في افغانستان، وعندما اسقطت الولايات المتحدة الأمريكية نظامهم في عام 2001 وما بعده، هرب الى إيران، وفتح مدرسة لتعليم الصلاة، واللغة الألمانية! في محافظة زاهدان (أهلها من البلوش السنة وتقع على الحدود الأفغانية) بإيران. وفي عام 2004 تعرف على آسو، وتزوج بها وجاء بها الى ألمانيا.
لكنّه عاد الى تكوينه السلفي المتشدد بسبب مناخ التسامح في ألمانيا، وحاول أن يفرض على زوجته الأسلمة على الطريقة الطالبانية! فطلب منها الانتقاب والصوم والصلاة، وسجل ابنائه في مساجد المدينة ليتعلموا ويحفظوا القرآن، وفرض الحجاب على ابنته، والجلباب على ابنه، وهو ما رفضته السيدة الأنيقة الجميلة وقاومته بشدة. وتصاعدت الخلافات بينهما وامتدت سنوات لصعوبة الطلاق في ألمانيا (اجراءات الطلاق هنا بالغة الصعوبة و تتعلق بالتزامات مالية بين الجانبين، وهذا بحد ذاته من أهم أسباب عزوف الألمان عن الزواج).
ثم انتهى المشهد بأن أقدم ج. براون على خنق زوجته آسو، ثم وضع جسدها الناحل الصغير في صندوق سيارته، وألقى به على شاطئ نهر الراين على أمل ان يبتلعه المد ليلاً، وتوارى عن المشهد الى مكان مجهول، ويُرجّح أنّه قد التحق بما يوصف في الاعلام الألماني والفرنسي ب"الجهاديين" في سوريا أو العراق، لتنتهي القصة. لكنّ ج. براون الإسلامي الطالباني الآري الجرماني نسي أن يأخذ من زوجته هاتفها المحمول وقد كان في جيب سروالها الجينز الضيق الملتصق بجسدها، وهو ما حمى الهاتف وساعد الشرطة في تعقب أثرها وكشف القضية، وعاشت آسو لتروي للعالم قصة جنونية أخرى.
بون- ألمانيا
*الأسماء الواردة في الموضوع ليست أسماء الشخصيات الحقيقية.