البداوة تنتصر

رائد الحواري
2018 / 6 / 3

البداوة تنتصر
تتحضر المجتمعات في الأرياف وفي المدن، وتتقدم إلى الأمام كلما ابتعدت عن الصحراء وثقافة الرمال، فنحن في الهلال الخصيب ووادي النيل كنا من أوائل المجتمعات البشرية التي أنشأت حضارة مدينة، فيها من التشريع والقوانين وادوات الانتاج والنقل والمعرفة العلمية والثقافة الشيء الكثير، إلا أننا اليوم نتقهقر إلى الخلف ولحساب الأفكار والمفاهيم و (الثقافة) البدوية، فتجدنا نهتم بالقبيلة حتى اننا نقدمها على الأحزاب والجمعيات، ونقدم الاسم الأخير للفرد على الاسم الأول، حتى أننا أصبحنا ننادي على بعضنا باسم العائلة/القبيلة، وليت الأمر ينتهي عند هذا الحد، فقد أصبحنا نلجأ للعائلة/القبيلة في حالة الخلاف أو النزاع، ولا نلتجئ للقانون أو للأجهزة الأمنية المختصة، فما أن تحصل مشادة كلامية بين شخصين حتى نجد جموع (القبيلتين) يجتمعون ويستهمون لخوض الحرب وتحصيل الحقوق، وها نحن نغرق أكثر في(ثقافة) البداوة عندما جيرنا الدين العالمي/الأممي الإسلامي والمسيحي وحولناه إلى (صنم) خاص بالقبيلة، فلا يجوز لنا نحن اتابع (الصنم) أن نُعَيد أو نُعايد أو نُزور أو نُسلم على اتباع القبيلة/الدين الآخر، فهذا يعد كفرأ شرعا، فلنا ديننا الصحيح والسليم، ولهم دينهم المنحرف والمحرف، فلا لقاء بين الصحيح والخاطئ.
وما يلفت للنظر أننا كنا في نهاية النصف الثاني من القرن الماضي نستمع لأغاني الرحابنة والتي تعطي الريف والمدينة والعلاقة الاجتماعية المدنية والإنسانية مكانة عالية، إن كان من خلال الكلمات أم من خلال الموسيقى التي ابدعوها، وهذا ساعد بشكل ما على الاحتفاظ بشيء من الثقافة المدنية، ولكننا الآن نستمع إلى الأغاني البدوية الثقيلة والغليظة، بألفاظها ومعانيها وبموسيقاها، وبالتأكيد هذا يخدم ـ في الوعي وفي الا وعي ـ (الثقافة) البدوية، من هنا أن الثقافة الغنائية/الموسيقية البدوية الدارجة اليوم تخدم حالة التقهقر الاجتماعي والمدني، وتجعلنا ننزلق إلى الحضيض أكثر، لما لها وقع على الفكر وعلى الاحساس.
من هنا، علينا التقدم من مكانتنا التي كنا عليها، المكانة التي أسسها اجدادونا المبدعون، مُبتدئين من اعادة تقييم الأفكار التي نحملها الآن، إن كانت دينية أم اجتماعية أم ثقافية، وازاحة ما لا يتناسب والفكر المدني والحضاري، ومن ثمة العمل بسلوك اجتماعي جديد يحد من حالة البداوة السائدة، إلى أن نُكون ونبني مجتمع مديني يجعلنا نحيا في حالة سوية كما هو الحال عند الشعوب والأمم الحية.