دولة القبيلة والعشيرة

رائد الحواري
2018 / 6 / 3

دولة القبيلة والعشيرة
من المؤسف أن نصل إلى ما وصل إليه من تقهقر وإغراق في مستنقع العشيرة/القبيلة، خاصة في دولة كانت رائدة في تأسيس الدولة المدينة، الدولة لكل مواطنيها، فكلنا يعلم أن الفينيقيين من أوائل المجتمعات الإنسانية التي تعاملت بروح الدولة المدينة مع المواطنين، وهذا كان أحد أسباب انتشار نفوذها في البحر السوري، والتي استطاعت أن تؤسس مدن في كافة سواحل البحر الفينيقي، من اسبانيا مرورا بليبيا إلى تونس التي كانت فيها أهم مدينة في التاريخ، مدينة قرطاج، أضافة إلى وجودها في الساحل السوري الممتد من رفح حتى الاسكندرون.
لكننا نجد أحفاد "هاني بعل وحانون" في لبنان يتعاملون بعقلية القبيلة/العشيرة مع أخوتهم من الوطن السوري، فنجد بعضهم يغرق في مستنقع (الوطن اللبناني، والدولة اللبنانية) ويتعامل مع هذا المفهوم كما تعامل اليهود مع الإله "يهوه" الذي يرفض كل من هو ليس بيهودي، وهنا نذكر بأهم سلوك اجتماعي مديني امتاز به المجتمع السوري، والمتمثل بقبول الآخرين ـ بصرف النظر عن أصولهم ومنبتهم ـ والتعامل معهم على إنهم جزء أساسي وحوي من المجتمع السوري، والذي لا يشكل قومية نقية العرق أو المذهب/الدين، بل التعدد والتنوع هو السمية التي تميزه عن بقية المجتمعات، وهذه النظرة أخذت بها الولايات المتحدة الأميركية، والآن نجد أوروبا تتعامل بها مع القادمين الجدد اليها، ولهذا نجد التنوع والتعدد العرقي والديني في الدول الأوروبية أصبح ظاهرة واضحة للأعيان.
وهنا احب ان اعطي مثلا على حيوية المجتمع السوري من خلال اندماج المهاجرين الشركس والشيشان والأرمن في المجتمع السوري، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والذين أصبحوا جزء اساسي وحيوي من المجتمع السوري.
من هنا ما يثار في لبنان حول قانون التجنيس الذي من المفترض أن يقدم المجتمع اللبناني/الفينيقي/السوري من ذاته وحيويته التي فقدها مؤخرا، محررا الأفراد والمجتمع والدولة القطرية من النظرة المقدسة للدولة، فمن العار علينا أن نجد المواطن السوري/اللبناني ينافس على رئاسة الدول في أمريكيا اللاتينية، وعلى قيادة الاحزاب في أوروبا، لكن دولته تتعامل مع مواطن ـ سوري الأصل والمنبت والفكر ـ على أنها اجنبي، وأن اغطاه الجنسية اللبنانية يعد كفرا وخيانة للدولة/للقبيلة/للعشيرة، بحجة التوطين أو المساس بنسيج وتركيبة المجتمع الطائفي.
الآن في عصر الدولة العصرية، كل الدول تحاول أن تقوي نفسها بالعناصر البشرية، لأن هذا العنصر هو الأهم في تقوية انتاج القومي أو الوطني وحتى العسكري، وكلنا يعلم أن ما حدث في سورية والعراق كان يقصد به اضعافهما بشريا، لكي تقوى أكثر كلا من إيران وتركيا وإسرائيل على حسابهما، ولينظر للبنانيون إلى أنفسهم وكيف أن الدول التي هاجروا إليها أثناء الحرب الأهلية والتي يقيمون فيها الآن اعطتهم الجنسية وأكثر، فلهم أن يصلوا إلى مراكز الوزراء والرؤساء دون أي تميز أو النظر إلى جذورهم العرقية أو الدينية.
فقد آن الأوان كي نتقدم بمفهوم الدولة إلى الأمام، وأن نحررها من قيد القبيلة/العشيرة/الطائفة.