رمضان … شهرُ الأقباط

فاطمة ناعوت
2018 / 6 / 2


رغم أن أقباطَ مصر، قد أثبتوا عبر المواقف والمحكّات والمِحن، على مدى القرون والعقود والسنوات، كمْ هم نبلاءُ وطنيون، شرفاءُ متحضّرون، كرماءُ وغافرون، إلا أن شهر رمضان الكريم بالتحديد، هو الحقلُ الأخصبُ الذي تتجلّى فيه سماتُ أقباط مصر الفريدة، ونقاء معدنهم الثمين.
حين كنّا أطفالا أغرارًا، لا ندري عن الأديان شيئًا، في مثل هذه الأيام التي تسبقُ رمضان، كانت ثمّة أمهاتٌ طيبات يقُلن لأطفالهن: “انزلوا علقوا زينة رمضان في الشارع مع أصحابكم.” نحن الأطفال، لم نكن نعرف أن نصف عددنا من صُنّاع الفانوس الكبير الذي نعلّقه على الحبال في منتصف الشارع، كانوا جيراننا المسيحيين. لكنّ الأمهاتِ يعرفن؛ لهذا هُنّ طيبات. نجمع قروشَنا النحيلة من "الحصّالات"، ونشتري الأوراق الملوّنة والصمغَ والخيوط وعصوات الخشب والمقصات وعُلب الألوان الفلوماستر، ثم نبدأ في إعداد غرفة العمليات، وتوزيع المهام على خلايا العمل. كنّا مؤمنين أن ما نقوم به هو مهمة وطنية "خطيرة". فشهر رمضان المعظّم، لن يزورَ شارعَنا إن لم تعجبه الزينات المعلقة. وإن لم يَرُق له فانوسنا الكبير، فسوف يحيد عن عيوننا. لهذا كانت الشوارع تتبارى والأطفال يتنافسون لكي تكون زينتُهم الأجملَ وفانوسُهم الأكبرَ. في الليل، يتجول شهرُ رمضان مُتنكّرًا بين الشوارع يتفقّد الزينات، ثم يدخل الشارعَ الأجملَ أولاً. هكذا كًنّا نفكر. وكان أشقاؤنا المسيحيون يساعدوننا على صناعة الجمال واستقبال الشهر الطيب الذي يعرفُ كيف يُجمعنا على الحب.
وكبرنا والعهدُ هو العهدُ. أجملُ الفوانيس أهداها لي أصدقاء مسيحيون. أشهى فطور رمضانيّ، تناولته على موائدَ مسيحية. أطيب التمرات تذوقتُها كانت من أيادي شباب وصبايا مسيحيين يقفون على نواصي الطرقات يوزعّون علينا ما نكسرُ به صومَنا إذا فاجأنا المغربُ في الطريق. وأما التمر، فحكايةٌ كبيرة، وسِرٌّ خطير. هل تدرون سرَّ التمرة؟
التمرةُ ابنةُ النخلة. والنخلُ نباتٌ رصين “تقيل”. لا يجود بخيره بسهولة، بل يتمهّل ويتروّى. ذلك الفصيلُ الرشيقُ الأنيق من الشجر، إن بذرتَ بذرتَه اليومَ، فلن تحصُدَ ثمارَه "التمرَ" إلا بعد سنوات، قد تزيد عن العشرين. النخلُ هو "المعلم الأول" لبني الإنسان في درس: "الصبر"، وذاك هو الدرسُ الأول. قد يزرعُ النخلةَ زارعٌ، ويموت عنها قبل أن يرى ثمرَها أو يتذوَّقَ شهدَها أو يستنشقَ رحيقَها. هو يدرك ذلك، ويرضى. يتعب في زراعتها: حرثًا وغرسًا ورِيًّا ورعاية وتشذيبًا وتنقيةً، وتسلّقًا وقطفًا، حتى يتذوّقَ شهدَها غيرُه. وهذا هو الدرس الثاني من المعلّمة الرصين “النخلة": "الإيثار". وفي المأثور القديم قرأنا عن الفلاح العجوز الذي شارفَ أبوابَ الموت، حين رآه المارّةُ يغرسُ في الطمي فسيلةَ نخيل. تعجّبوا وسألوه: “هل تأمل أيها الهالكُ أن تشهدَ ثمرةَ بذرك؟” فأجابهم مبتسمًا: “زرعوا فأكلنا، ونزرعُ ليأكلَ غيرُنا.” لهذا فالتمرةُ هي: "الرهانُ على الآخر". هي إنكارُ الذات ومحبة الغير، وقتل الأثرة انتصارًا للإيثار. وهي "الصبر" على المكاره. كما يصبرُ أشقاؤنا الأقباط على ما يلاقون من يد الإرهاب السوداء، والتطرف المريض. لا يصبرون وحسب، بل يغفرون. ثم يُباركون الخُطاةَ الآثمين، ويدعون لهم بالمغفرة والصلاح! يصومون معنا رمضاننا، فلا يجاهرون بالإفطار أمام مسلم. ويحتفلون معنا بأعيادنا: "فرحًا مع الفرحين". لأنهم يؤمنون أن المحبة لا تسقط أبدًا، ولا تخيب. لهذا فشهر رمضان هو شهرُ الأقباط، بامتياز. والأقباطُ هم المصريون كافّة. الأقباط الذين اِشتُقَّ من عِرقهم الرفيع اسمُ مصرَ الشريف Egypt. هاكابتاح (منزل روح الإله بِتاح)- قَبَط- كَبَط- إيخبتوس- إيجبتوس، إيجبت.
دمتم لنا أيها الأقباطُ منبعَ المحبة والنبالة والسماحة. وكل عام ونحن أطيب.