رسالة (قصيرة) إلى صديقي سامي عشي...

غسان صابور
2018 / 6 / 2

رســالـة (قصيرة) إلى صديقي ســامــي عــشــي...
كتب صديقي الشاعر والفنان الكامل ســامـي عــشــي على صفحته الفيسبوكية صباح البارحة ما يلي :
(يمكنك أن تقضي عمرك في النقاش لتثبت أن دينك هو دين الحق و لن تفلح.
الدين بالأعمال.. فاعمل لكي تكون في سلام مع نفسك و مع محيطك ...
هذا كلام صالح لكل بني الإنسان.. أما إذا كنت من شرقنا المعذب فإن ما تعنيه هذه المقولة لك بشكل خاص هو أن الدين الذي لا يصالحك مع نفسك و مع مجتمعك عمليا و لا يساعد مجتمعك على التصالح مع الإنسانية.. يضر و لا ينفع.
لنختصرها للمؤمنين :
الإنسانية ثم الوطنية ثم الدين.)

وهذا ردي إليه :
ســامي.. يا صديقي الفنان الكامل...
لا بد أنك تعلم بأنني لا اؤمن على الإطلاق, بزواج هذا الثالوث المتضارب المتعاكس.. الإنسانية.. الــوطــن.. ثم الدين!!!...
وخاصة من آخر الثالوث: الــديــن؟...
لا بد أنك راقبت رغم غيابك عن سوريا من سنوات بعيدة طويلة.. عن هذا البلد الذي خلق أولى الأبجديات وأولى الحضارات الإنسانية.. وماذا تم بأيامنا وعصرنا المتعب.. وما نتج من تمزق عندما طبقنا الشرائع الدينية... جمدت كل المشاعر والأحاسيس الإنسانية.. وحتى كلمة إنسانية حذفت من جميع القوانين المحلية.. واستبدلت بممنوعات ومحرمات.. ضاقت بها صدور كل شعوب هذا المشرق الحزين.. وهاجرت إلى أصقاع أراض غريبة.. لتبني لأولادها جسور حياة وحريات جديدة... ولم يتبق لها هناك أي وطن.. ولا إنسانية...
عادة إني أرى بفنك وكتاباتك أحاسيس مطمئنة.. لأنك تـؤمن بالإنسانية.. محافظا على جذور دينية عائلية غلفت ولادتك وفتوتك وشبابك... ولكنك رأيت يا صديقي.. ما فعلته الأديان بهذه الفترة من حياتك الأولى ــ قبل هجرتك ـ من تمزق وشقوق وثغرات بما تبقى من النادر القليل من حضارته وجذور إنسانيته العتيقة... وهنا بهذا البلد الذي حضن هجرتنا وشفاها.. كيف أن رجلا(مؤمنا) صارخا "الله أكبر" على متن شاحنة مسروقة.. يقتل بلا سبب مئات البشر.. تمجيدا لإله هذا الدين... وكيف أن حفنة من شباب ولدوا هنا.. وتربوا هنا.. يمكنهم قتل مئات أخرى, بلا سبب أيضا.. سوى تمجيد لنفس الإله ونفس الدين.....
أدعوك للواقعية.. أدعوك للواقعية الحقيقية بأنه لم يعد هناك لا إنسانية ولا وطن.. وتبقى دين وشرائع وقوانين ومحرمات وممنوعات.. فقدت آخر نفحة أوكسيجين إنساني.. خلال هذه السنوات الثمانية الأخيرة والتي اجتاحت بها ذئاب وضباع وتماسيح غريبة.. بعادات وشريعة قتل لا علاقة لها بأي مبدأ إنساني.. إن عدنا إلى أية مبادئ إنسانية مكتوبة.. على أرض ســوريـا... وحزن سوريا.. وتفتيت وتفجير ســـوريــا...
أنا لست غاضبا.. وأنا لست سلبيا يائسا... أنا واقعي حقيقي.. يسمي القطة.. قــطــة... لا غزال أو فراشة... حتى أحافظ على إنسانيتي الحقيقية.. متجنبا أفخاخ دكاكين الإنسانية.. والتي توزع أسلحة الدمار الشامل على شعوب الأرض الغبية.. لتقتل وتفني بعضها البعض.. لتغني هذه الدكاكين وأصحابها الذين يريحون مؤخراتهم بغالب أهرامات هذه الأرض...
سامي يا صديقي الطيب... تذكرني كلماتك وموسيقاك... كم كنا عبيدا لتاريخنا الذي كتبه غزاة منتصرون... وكم كنا مسالمين إنسانيين.. وكم سرق هذا السلام وهذا الخنوع.. من إنسانيتنا الحقيقية... والآن أفهم ما كان يردده والدي عندما كان عمري عشرة سنوات فقط : " إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب "... وكم تــركــنــا وتنازلنا عن حرياتنا وإنسانيتنا الحقيقية عبر عصور طويلة.. يا صديقي... ولست أدري إن كان هذا المشرق الذي تتحدث عنه.. كما تحدث عنه ميخائيل نعيمة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى بالقرن الماضي.. تبقت عند شعوبه أية إمكانية يقظة... أم أنه يبحث عن خندق آخر.. نواري فيه أحياتا...
بالانتظار... لك ديمومة مودتي وصداقتي ومحبتي واحترامي...
غـسـان صـــابـــور ــ لـيـون فــرنــســا