البلاشفة في مجلس الدوما - البلشفية طريق الثورة

آلان وودز
2018 / 6 / 1

البلشفية طريق الثورة

الفصل الرابع: النهوض

البلاشفة في مجلس الدوما


ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

أول نجاح كبير للتكتيك اللينيني، المتمثل في الجمع بين العمل العلني والعمل السري، جاء في خريف عام 1912 مع انتخاب المقاطعات العمالية خلال انتخابات مجلس الدوما الرابع. إذ ذاك فقط بدأ البلاشفة لأول مرة في تطوير العمل في الساحة البرلمانية، أما قبل ذلك فقد كان المناشفة هم من يسيطرون على العمل داخل الدوما. في مجلس الدوما الثالث كان الفريق البرلماني الاشتراكي الديمقراطي يتألف من تسعة عشر نائبا، مقسمين على النحو التالي: أربعة من البلاشفة وخمسة من المتعاطفين، مقابل عشرة من المناشفة التصفويين. من الناحية العملية كان المناشفة هم الذين يحددون المسار. لم تكن الخطوط الفاصلة بين الفصيلين واضحة بعد، ولم يكن لينين قد قرر بعد أن الانشقاق أمر حتمي. ونتيجة لذلك، استمر الفريق البرلماني الاشتراكي الديمقراطي، حتى فترة 1912- 1914، بمثابة كتلة واحدة.

كان الوضع في مجلس الدوما الرابع مختلفا تماما. كان الصراع بين الفصائل قد وصل إلى نقطة تحول حاسمة، وهو ما انعكس حتما على الفريق البرلماني. في انتخابات مجلس الدوما الرابع فاز البلاشفة بأغلبية ساحقة في المقاطعة العمالية، فتألف الفريق البرلماني الاشتراكي الديمقراطي، في مجلس الدوما الرابع، من ستة بلاشفة وسبعة من المناشفة، إضافة إلى نائب بولوني، جاغيلو، كان يدعم المناشفة، وهو ما مجموعه 14 نائبا. وقد فاز البلاشفة بالأغلبية في جميع المقاطعات العمالية الست في أكبر المناطق الصناعية، بينما انتخب النواب المناشفة في مراكز غير عمالية، وبشكل رئيسي في المقاطعات الحدودية، حيث كانت أغلبية السكان من البرجوازية الصغيرة. إن توزيع العمال في المناطق المعنية يدل على من حصل على أصوات الطبقة العاملة. يقدم باداييف أرقاما عن الأقاليم الستة التي انتخبت البلاشفة، حيث كانت تضم 1.008.000 عامل (في المصانع والمناجم)، بينما الأقاليم الثمانية التي انتخبت المناشفة، كانت تضم 214.000 عاملا. وإذا ما أضفنا مقاطعة باكو (التي كان العمال فيها محرومين من حق التصويت)، فإن الرقم سيصير 246.000 عامل. كان النواب البلاشفة يمثلون 88,2% من الناخبين العمال، مقابل 11,8% فقط للمناشفة. كان اختلال التوازن في القوى داخل الفريق البرلماني الاشتراكي الديمقراطي نتيجة فقط لنظام انتخابي فاسد مصمم خصيصا للحد من تمثيلية الطبقة العاملة.






انتخب ج. إ. بتروفسكي نائبا عن ييكاتيرينوسلاف غوبرنيا، في حين انتخب م. ك. مرانوف عن خاركوف غوبرنيا، ون. ر. شاغوف عن كوستروما غوبرنيا، وف. ن. سامويلوف عن فلاديمير غوبرنيا، ور. ف. مالينوفسكي (غير موجود في الصورة) عن موسكو غوبرنيا، وي. باداييف عن سان بيترسبورغ.

كان النواب البلاشفة الستة جميعهم عمال؛ كان هناك أربعة عمال من قطاع المناجم (بتروفسكي ومورانوف ومالينوفسكي وباداييف) واثنان من عمال النسيج (شاغوف وسامويلوف)، وتم انتخابهم في أكبر المناطق الصناعية في روسيا: فقد انتخب ج. إ. بتروفسكي نائبا عن ييكاتيرينوسلاف غوبرنيا، في حين انتخب م. ك. مرانوف عن خاركوف غوبرنيا، ون. ر. شاغوف عن كوستروما غوبرنيا، وف. ن. سامويلوف عن فلاديمير غوبرنيا، ور. ف. مالينوفسكي عن موسكو غوبرنيا، وي. باداييف عن سان بيترسبورغ. أما المناشفة السبعة فقد كانوا على النقيض من ذلك كلهم تقريبا من المثقفين والمهنيين. كان العامل الوحيد بينهم، بوريانوف، من أنصار بليخانوف. كان القادة الرئيسيون كلهم من الفئة العليا للطبقة الوسطى: سكوبيلف (الذي تعاون في وقت سابق مع تروتسكي في صحيفة فيينا برافدا) كان ابن مالك لشركة نفط في باكو؛ وكان تشخيدزه صحفيا؛ وتشخينكيلي محاميا؛ ومانكوف محاسبا. كان للمناشفة أغلبية نائب واحد فقط، لكنهم أصروا على أنهم حصلوا على دعم غالبية الطبقة العاملة، وهو الادعاء الذي كان خاطئا تماما، إلا أن خبرتهم الواسعة ومعرفتهم بـ"الحيل" البرلمانية سمحت لهم في البداية بالسيطرة على البلاشفة، الذين شعروا بعدم الراحة في تلك البيئة الغريبة والمعادية، وبالإضافة إلى ذلك فإن المجموعة البلشفية في الدوما كانت، كما كان حال العديد من الأعضاء البارزين في فصيل لينين، متأثرة بشدة بالنزعة التوفيقية، وقاومت القطيعة مع المناشفة، مما سبب الكثير من الانزعاج للينين.

يمكن ملاحظة القوانين التي تحكم النشاط البرلماني في الكتل البرلمانية للأحزاب العمالية الإصلاحية في جميع الأوقات. ليس هناك من مكان تكون فيه ضغوط الطبقة الحاكمة وأيديولوجيتها ومؤسساتها أكثر حدة مما هي عليه في البرلمان. لقد حسنت البورجوازية على مدى فترة طويلة الآليات اللازمة لرشوة الممثلين البرلمانيين للبروليتاريا والضغط عليهم وإفسادهم. فإذا لم يكونوا مشبعين تماما بالوعي الطبقي والفهم النظري الضروري لتمكينهم من كشف حيل ومناورات العدو، فإنهم سيميلون حتما إلى الخضوع للضغط والغرق داخل المستنقع البرلماني في اللجان والإجراءات والمماحكات، وما هو أسوء من ذلك. لا يتعلق الأمر بالضرورة بالفساد الشخصي المباشر أو الوصولية أو الرشاوى، إلخ، على الرغم من أن هذه كلها أسلحة تُستخدم بنشاط لشراء قادة العمال. الإصلاحيون اليمينيون، الذين ينتمي العديد منهم إلى الطبقة الوسطى، محامون وأطباء واقتصاديون، يقفون من حيث نمط حياتهم ونفسيتهم أقرب إلى البرجوازية أكثر مما هم إلى العمال الذين يزعمون تمثيلهم. بل حتى أكثر الإصلاحيين اليساريين نزاهة، وحتى العمال المخلصين من المصنع، الذين صقلتهم سنوات النضال، يمكنهم أن ينهاروا بسرعة في الأجواء الخانقة لهذا العالم المصطنع، بعيدا عن واقع الصراع الطبقي.

الأحزاب الإصلاحية، التي ترهن على أية حال كل شيء بمسألة انتخاب أعضاء البرلمان، تعتبر استقلالية الفريق البرلماني عن الحزب وحق كل نائب في "اتباع ضميره"، مبدئا طبيعيا. ليس هذا سوى طريقة أخرى للدفاع عن استقلال القادة الإصلاحيين عن الطبقة العاملة، وخضوعهم المطلق والكامل للبرجوازية. لكن بالنسبة للحزب الثوري، الذي يعتبر النضال البرلماني مجرد واجهة واحدة فقط للنضال العام الذي تخوضه الطبقة العاملة لتغيير المجتمع، لا وجود لاستقلالية الفريق البرلماني عن الحزب. يمكن للحزب، باعتباره التعبير المنظم عن أكثر عناصر البروليتاريا وعيا، أن يمارس الرقابة على ممثليه المنتخبين على جميع المستويات، وقبل كل شيء على أعضائه في البرلمان.

من الواضح أن البرلمان ليس منصة مثالية للمناضلين العماليين الثوريين. لقد خنقت أجواء البرلمان النواب البلاشفة، الذين كانوا في البداية يتبعون التيار بسلاسة. وهكذا فإنهم في الجلسة الأولى فشلوا في التصويت ضد مرشح الكاديت والأكتوبريين لرئاسة البرلمان. ورفض الفريق قراءة البيان الذي أعدته اللجنة المركزية البلشفية على أساس أن لديه بيانه الخاص، والذي لم يكن يتضمن أي نداء ثوري للجماهير خارج البرلمان. كانت هناك حالات أخرى، كما حدث، على سبيل المثال، عند التصويت على صرف اعتمادات التعليم العام أثناء النقاش حول الميزانية، حيث فشلوا في فضح التحيز الطبقي لسياسة التعليم الحكومية. وقد عبر لينين على الفور عن انزعاجه من الطريقة التي تصرف بها النواب البلاشفة الستة، إذ قال:


«إذا كان كل نوابنا الستة منتخبين من المقاطعات العمالية، فلا يجب عليهم الخضوع بصمت للسيبيريين [أي المثقفين المنفيين السابقين]. يجب أن يخرج الستة باحتجاج واضح في حالة ما تعرضوا للهيمنة».

حاول المناشفة أن يخلقوا ثقلاً موازناً للجنة المركزية من خلال تشكيل "لجنة سياسية" مكونة من الوجوه البارزة للفريق البرلماني وإعطائها الحق في النظر في جميع القضايا وإصدار "توصيات"، أي بعبارة أخرى إعطاء كبار الشخصيات البرلمانية الحق في أن يقرروا في جميع القضايا المتعلقة بنشاط الفريق البرلماني دون الرجوع إلى الحزب. أثار سلوك الفريق البرلماني الكثير من النقد والسخط بين صفوف القواعد الذين شعروا بأنهم لم يعودوا يمارسون الرقابة على الفريق. قال روبرت ماكين:


«اتخذ الموقف التوفيقي للبرلمانيين البلاشفة الستة شكلا ملموسا من عدة جوانب. لقد انضموا إلى المناشفة في إدانة محاولة بعض المناضلين تنظيم إضراب يوم افتتاح مجلس الدوما؛ واتفق أربعة منهم (باستثناء مالينوفسكي ومورانوف) مع زملائهم المناشفة، في 15 دجنبر 1912، على دمج جريدتي الفصيلين وإدراج أسماء النواب بشكل متبادل كمتعاونين مع لجان التحرير؛ وأثناء صياغة بيان الفريق، الذي قرأه مالينوفسكي، في 07 دجنبر 1912، توصل النواب إلى تسوية بشأن المسودات التي أرسلها كل من لينين ودان من الخارج. وخلافا لادعاء المؤرخين السوفييت بأن البلاشفة أجبروا المناشفة على إدراج شعاراتهم في البيان، فإن قراءة متأنية للنص تكشف أن الوثيقة أقصتهم، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن المناشفة خافوا من أن يؤدي تبنيها إلى صدور تهم جنائية ضدهم. وبدلا من ذلك أشار البيان إلى "تمثيلية شعبية سيادية" وحق الاقتراع العام، لكنه استجاب لمطالب البلاشفة باستبعاد دعوة المناشفة من أجل حرية التحالف والاستقلال الذاتي الثقافي القومي.»[1]

سعى النواب المناشفة، بالاعتماد على الشعارات البرلمانية البرجوازية، إلى تحرير أنفسهم من رقابة الحزب والحصول على وضع "مستقل"، لكنهم بذلك كشفوا فقط عن خضوعهم السافر للقواعد البرلمانية البرجوازية وقواعد الكاديت والاكتوبريين. وفي اجتماع للفريق عقد في 22 نوفمبر 1907 ، تبنى المناشفة القرار التالي:


«إن الفريق البرلماني الاشتراكي الديموقراطي مجموعة مستقلة، ومع ضرورة أخذها لرأي الحزب بعين الاعتبار، يجب عليها أن تقوم في كل حالة محددة من عمل دوما بحل القضايا بشكل مستقل.»[2]

استقبلت هيئة تحرير الجريدة البلشفية "بروليتاري" دفقا مستمرا من رسائل الاحتجاج من طرف العمال الاشتراكيين الديمقراطيين. وأصبحت ضرورة وضع النواب تحت الرقابة الحازمة للحزب مسألة ملحة. دعا لينين إلى أنه يجب أن يوضع أعضاء الفريق البرلماني تحت الرقابة مثلهم مثل أي عضو في أي من الهيئات القيادية الأخرى (اللجنة التنفيذية واللجنة المركزية، الخ). يجب أن يتم العمل البرلماني بطريقة يصير فيها من حق أي عامل عضو في الحزب أن يشارك في العمل البرلماني العام للحزب.

بالتوازي مع نضاله ضد النزعة التوفيقية لهيئة برافدا، شن لينين نضالا شرسا ضد النزعة التوفيقية التي لا تقل ضررا للمجموعة البلشفية داخل الدوما. وفي بداية يناير 1912، كتب: «من الضروري أن تعملوا بدون قيد أو شرط على نشر رسالة عمال باكو التي بعثناها إليكم» (طالبت الرسالة بضرورة قيام المجموعة البلشفية في الدوما بالقطيعة مع التصفويين). كان التصفويون يشنون، من خلال جريدتهم لوش، حملة ديماغوجية من أجل "الوحدة". وقد ظهرت أسماء لأربعة نواب بلاشفة في قائمة المتعاونين مع لوش. كان لينين غاضبا. وكتب: «متى سيستقيل (النواب) الأربعة من لوش؟» «هل علينا الانتظار لفترة أطول؟... حتى من باكو البعيدة هناك 20 عاملا يحتجون.»[3]

وفي شتنبر كتب:


«إن جوهر المشكلة اليوم هو أن التصفويين يعملون، تحت غطاء الصراخ حول الوحدة، على تجاهل إرادة أغلبية العمال الواعين في سان بيترسبورغ، ويحاولون أن يفرضوا على غالبية العمال مرشحين منشقين من الأقلية المثقفة، أي بالتحديد المثقفين التصفويين.

يرافق جميع الانتخابات في بلد برجوازي تفش كثيف للوعود الزائفة والأكاذيب. إن المبدأ الأساسي للحزب الاشتراكي الديمقراطي هو عدم الثقة بالكلمات بل الانتقال إلى صميم الموضوع.

إن عبارات التصفويين حول الوحدة في صحيفتهم لوش هي مجموعة من الأكاذيب. في الواقع، لقد تم تحقيق الوحدة بالفعل في سان بيترسبورغ من طرف غالبية العمال الواعين ضد التصفويين. لقد تم تحقيقها من خلال مظاهرة يوم فاتح ماي، ومن خلال الدعم المقدم إلى برافدا من طرف 550 مجموعة من العمال مقابل 16 مجموعة للتصفويين.»[4]

وبفضل انتقادات لينين اللاذعة، بدأ النواب البلاشفة في لعب دور أكثر نشاطا في شؤون الدوما والنأي بأنفسهم عن "السيبيريين" المناشفة.

بسبب الافتقار العام للحرية من أجل القيام بالتحريض والدعاية بين العمال و الفلاحين، اكتسب العمل داخل الدوما أهمية بالغة. كانت هناك بالطبع قيود شديدة. كانت لدى النواب من الناحية النظرية "حصانة برلمانية"، لكن في الواقع كان يمكن اعتقالهم في أي لحظة. بل وحتى داخل مجلس الدوما، واجه الاشتراكيون الديمقراطيون جميع أنواع العقبات.

ومع ذلك فقد تمكنوا من نقاش جميع القضايا الهامة التي تتطلب استجابة ملموسة من ممثلي العمال البرلمانيين، مثل: ميزانية الدولة وحقوق الجنود والإعانات الموجهة للكنيسة وأوضاع العمال، وفوق كل شيء مسألة الأرض. وهو ما وفر مجالا واسعا لتطوير التحريض والدعاية الجماهيريين. ما لم يكن من الممكن قوله داخل مجلس الدوما كان يقال خارجه في منشورات الحزب غير القانونية. لقد تم الجمع بين العمل الشرعي والعمل غير الشرعي. وكانت تلك هي الطريقة الوحيدة للحفاظ على المبادئ الثورية للحزب، مع الحفاظ على روابط وثيقة مع الجماهير. كانت الخطابات التحريضية الجيدة التي يقوم بها النواب الاشتراكيون الديمقراطيون تطبع وتوزع على العمال. من بين الأمثلة على ذلك خطاب سيركوف ضد الإعانات الموجهة للكنسية، والذي أشاد به لينين، وانتهى بالكلمات التالية:


«إن رجال الدين هم أعداء الشعب مثلهم مثل رجال البوليس... لا لتخصيص ولو فلس واحد من أموال الشعب لأعداء الشعب الدمويين هؤلاء، لهؤلاء المشوهين للوعي الشعبي.»[5]

كان لينين مسرورا بهذا الخطاب بشكل خاص لأنه فجر تماما أسطورة بناة الله بأن "الدين شأن شخصي". وخلال نقاش ميزانية 1909، فضح الفريق الاشتراكي الديمقراطي وجود احتيال بتخصيص مبلغ باهظ من أموال العمال لتسديد ديون القيصر. في كل تلك المسائل عمل الثوريون داخل الدوما على فضح كبار الملاكين العقاريين والرأسماليين والأوتوقراطيين، وانطلقوا من المشاكل الملموسة التي كانت تأثر بشكل مباشر على حياة الجماهير، وعملوا في نفس الوقت على فضح محدودية مجلس الدوما نفسه:

قال بولوفسكي في معرض تلخيصه لجدل حول أجور العمال: «إن البروليتاريا لا تتوقع بالطبع حلا للمسألة العمالية من مجلس الدوما الثالث.»[6]

أتاح العمل في مجلس الدوما للحزب أن يتوجه إلى الفلاحين بطريقة لا يسمح بها نشاط الدعاية والتحريض العادي. ومن خلال مشاركتهم في النقاشات البرلمانية حول مسألة الأرض، واقتراحهم لاتفاقات مع ممثلي البرجوازية الصغيرة الثورية، الترودوفيك، ومطالبتهم بالحل الأكثر جذرية لمسألة الأرض، وجه الاشتراكيون الديمقراطيون ضربة قوية للاستبداد.

وإجمالا، طرح أعضاء الفريق الاشتراكي الديمقراطي حوالي 50 سؤالا حول جميع القضايا. كما طرحوا مشاريع قوانينهم الخاصة، معبرين بشكل ملموس ومختصر عن مختلف المطالب المأخوذة من برنامج الحزب. شكل كل هذا إضافة قيمة لعمل الحزب. لكن نشاط النواب خارج مجلس الدوما كان أكثر أهمية من خطاباتهم داخله. وهناك حدث صراع مفتوح مع التصفويين، الذين استخدموا أغلبيتهم لمعارضة مثل ذلك النشاط. وفي دجنبر 1907، أصدروا توصية تنص على أن النواب الاشتراكيين الديمقراطيين ليسوا "مضطرين" للمشاركة في أي نشاط خارج البرلمان، وأن يترك لكل فرد حق قبول القيام به أو عدم القبول. كان النواب البلاشفة يزورون المصانع بانتظام في دوائرهم الانتخابية، ويتعرفون بأنفسهم مباشرة على مشاكل العمال، ويكتبون في الصحافة الحزبية، بل ويحضرون الاجتماعات العمالية غير الشرعية. وكانوا يعطون تقارير عن أنشطتهم في اجتماعات الناخبين. وهكذا كان النشاط داخل الدوما عملية ذات اتجاهين، كان حوارا نشطا مع الجماهير، يتم الجمع فيه بين الأساليب القانونية وغير القانونية للحفاظ على علاقة ثابتة بين أعضاء البرلمان وبين الطبقة العاملة.

كما حافظ النواب الاشتراكيون على مراسلات مكثفة مع 54 منطقة في روسيا، حيث كانوا يردون بشكل رئيسي على رسائل يبعثها العمال والفلاحون، لكن أيضا السجناء السياسيون والمنفيون والمثقفون. وبهذه الطريقة كان يمكن لصوت المضطهَدين والمستغَلين أن يجد في النهاية صدى له في "قدس أقداس" البرلمان. وقد أولى النواب البلاشفة اهتماما خاصا لظروف عيش وعمل الجماهير التي كانت قد شهدت تدهورا رهيبا في فترة الردة الرجعية. يسوق باداييف بأحد الأمثلة على ذلك:


«كانت أحواض بناء السفن في بحر البلطيق تحت سيطرة وزير القوات البحرية. كانت ظروف العمل هناك غير محتملة كما هو الحال في المصانع الأخرى التابعة للجيش. كان العمال العاديون يحصلون على ما بين 12 إلى 18 كوبيك في الساعة، وكان العمل الإضافي معتادًا وكان يعني أن ساعات العمل قد تضاعفت. كانت أوراش العمل غير صحية للغاية، كانت رطبة وتعرف تيارات هوائية قوية وكثافة الأدخنة، وكانت في الشتاء شديدة البرودة. كان على الرجال أن يعملوا في مواقع سيئة وضيقة. كانت سبع أو ثمان سنوات من العمل هناك كافية لتحول الرجل إلى حطام بشكل كامل.»[7]

كان النواب يتوصلون بعدد كبير من الرسائل من العمال. غالبا ما كانت تلك الرسائل تعبر عن يأس الجماهير، مثل تلك التي جاءت من عند مجموعة من العمال في جبال الأورال، والتي نُشرت في جريدة نوفي دين، في 07 شتنبر 1909، والتي كانت فكرتها الأساسية هي: "لا يمكننا الاستمرار في العيش هكذا". وقد كشفت هذه الرسائل عن وجود تيار عميق من الاستياء الذي كان يتراكم في أعماق المجتمع والذي وجد تعبيرا عنه في الفريق البرلماني. كان الاشتراكيون الديمقراطيون الثوريون في ذلك البرلمان الرجعي يطمحون إلى أن يصبحوا "منبرا للشعب"، وبالفعل نجحوا في ذلك إلى حد كبير رغم كل المشاكل والإخفاقات.

هوامش:


1: R. McKean, St. Petersburg Between the Revolutions, 140–41.

2: Istoriya KPSS, vol. 2, 312.

3: Trotsky, Stalin, 148.

4: LCW, Workers’ Unity and the Elections, vol. 36, 191–92.

5: Istoriya KPSS, vol. 2, 314

6: Istoriya KPSS, vol. 2, 314

7: Badayev, Bolsheviks in the Tsarist Duma, 101.