المرجعية والانتخابات وعموم الشأن السياسي 1/4

ضياء الشكرجي
2018 / 5 / 29

قد يتصورني البعض أحمل ثمة حساسية مفرطة تجاه المرجعية، فأؤكد أني غير متحسس أبدا من المرجعية، ولو أني من حيث المبدأ أرى عدم تدخل المرجعية وعموم المؤسسة الدينية في الشأن السياسي، مع تثميني للمواقف الإيجابية، كما إني لست مقدسا لها، فإني أكن لها الاحترام فيما أرى وجوب احترامها من أجله، وأشكرها فيما أرى وجوب شكرها من أجله، وأنتقدها وأحمّلها مسؤولية أو أعاتبها فيما أرى وجوب انتقادها وتحميلها ثمة مسؤولية ومعاتبتها، وأتصور إن المزايدين بها كذبا، أو المغالين بها قناعة وصدقا، يرون قداستها فيما لا تدعيه لنفسها، على الأقل خلال ما نستوحيه من خطاباتها عبر ممثلَيْها في خطب جمعة كربلاء، الكربلائي والصافي، لاسيما في بيانها حول الانتخابات في الرابع من أيار.
أستطيع أن أجزم حسب ملاحظاتي ومتابعتي وتقديري، إن مرجعية السيستاني عام 2018 بل منذ سنين ترجع قليلا إلى ما قبل 2014، هي ليست هي نفس مرجعية السيستاني من 2003 حتى 2006، كما إن مقتدى الصدر الآن ليس مقتدى الصدرالماضي.
صحيح إن مرجعية السيستاني تنتمي إلى تقاليد مرجعية النجف غير المتفاعلة مع الإسلام السياسي وغير القائلة حسب المشهور بولاية الفقيه، لكن هذا لا ينفي مزاولتها على نحو مخفف لثمة ولاية سياسية، من موقع كونها تمثل موقع الحاكم الشرعي، الذي هو مصطلح فقهي شرعي، أكثر من كونه مصطلحا إسلامسياسويا، مثلما اعتمده الخميني.
فإننا إذن لا نستطيع أن نقول إن مرجعية النجف لم تمارس ثمة ولاية فقاهوية في الشأن السياسي، أو على الأقل هذا الذي فهم منها، ولم تصحح سوء الفهم بشكل واضح، إلا مؤخرا إلى حد ما، ذلك في بيانها المشار إليه قبل الانتخابات بستة أيام، والذي صيغ صيغة مدنية عصرية، مبتعدا عن صياغات أدبيات الإسلام السياسي، بل وحتى عن أدبيات الإسلام الفقاهئي أو التقوائي. وهذا ما سأتناوله في هذه الحلقات.
فالمرجعية هي التي اتخذت قرار انتخاب الجمعية الوطنية عام 2005، من أجل كتابة الدستور من قبل قوى سياسية خبرت المعارضة المسلحة أو معارضة المهجر، ولم تخبر السياسة، وبمقاطعة العرب السنة للانتخابات حينئذ، ولو إنهم أشركوا بخمسة عشر عضوا أضيفوا، لتكون لجنة كتابة الدستور متكونة من خمسة وخمسين بدلا من أربعين عضوا. لكن هؤلاء الخمسة عشر لم يكونوا منتخبين، كما هو الحال مع الشيعة والكرد. البعض يحسب هذه النقطة لصالح المرجعية، والبعض الآخر يراها نقطة سلبية تنتقد عليها. فذكري لها لا يجب أن يكون بالضرورة بقصد تخطيئها، بل ما يهمني هو القول إنه موقف اختلف في تقييمه، لكن المؤمنين بإلزامية الرأي السياسي للمرجع من الناحية الشرعية إيمانا منهم بذلك، أو المدعين لذلك من الإسلاميين الشيعة متاجرة منهم بمكانة وقداسة المرجعية مستغلين عواطف بسطاء الشيعة الذين يمثلون الغالبية العظمى، محولين الدين والمذهب والمرجعية والمقدسات إلى مشروع سلطة. إذ كان ربما، وأقول ربما، من الأرجح تشكيل هيئة من خبراء يكتبون دستورا موقتا، يلزمون الدولة كتابة دستور دائم بعد عدد من السنين يرونه مناسبا وكافيا لتوفر الخبرة العملية والرشد السياسي والنضج الدستوري، كأن تكون أربع سنوات أو ثماني سنوات، أو اثنتي عشرة سنة، أو أقصاها عشرين سنة. وفي الوقع كان قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية أفضل من دستور 2005 في الكثير من جوانبه، لذا كان يمكن الاستمرار بالعمل به مع تعديلات طفيفة لا تمس الجوهر. ولذا أرى من الخطأ تحميل الأمريكان سلبيات هذا الدستور، لأن قانون إدارة الدولة هو الذي كان يمثل الصيغة الموضوعة ليس حصرا ولكن إلى حد كبير من الأمريكان، وهو بكل تأكيد كان أفضل من دستور 2005، لاسيما ما يقابل المادة الثانية في دستور 2005. وهذا لا يعني تبرئة الأمريكان من الكثير مما يتحملون مسؤوليته عما آل إليه العراق ما بعد 2003.
ولكننا نقول إن المرجعية قد صرحت أخيرا بما تبنيته منذ 2003، والذي بسببه، ورغم أني كنت ما أزال يومذاك في حزب الدعوة، اعتبرت مناوئا للمرجعية.
وحيث إن موضوعنا هو الانتخابات والمرجعية، لا بد من القول إن مواقف المرجعية تطورت نوعيا منذ انتخابات الجمعية الوطنية عام 2005 حتى انتخابات 2018. فقد كانت آنئذ حاضنة وراعية لـ(الائتلاف العراقي الموحد) الذي اتخذ الشمعة شعارا له، وكان يحمل الرقم 169. ولو إني ذكرت هذا تكرارا، ووثقته في الجزء الثاني من كتابي «ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي»، إلا أني أجد من الضروري إعادة ذكره، وهو إن رعاية المرجعية لذلك الائتلاف الشيعسلاموي الأول كان من خلال تشكيل المرجعية للجنة من مهامها غربلة أسماء المرشحين، وتزكيتهم، وإقصاء من لا تراه مناسبا، حيث شملني الإقصاء في البداية بحجة أني مناوئ للمرجعية، ثم أعيد اسمي في اللحظات الأخيرة بسبب تهديدي لحزب الدعوة بأني سأرشح نفسي على قائمة أخرى، فسعى علي الأديب لإقناع اللجنة بإعادة اسمي، بعدما كان عضو اللجنة المشكلة من قبل المرجعية حسين الشهرستاني هو من كان قد أصر على حذف اسمي للسبب المذكور. ثم كانت هناك رعاية من قبل المرجعية للجنة كتابة الدستور، عبر جعل ممثلها أحمد الصافي رئيسا للجنة الأولى المعنية بباب (المبادئ العامة) التي أصبحتُ مقررها، وتقاطعتُ كثيرا مع الإصرار على إضفاء أكبر قدر ممكن من صبغة إسلامية وصبغة شيعية على الدستور، وتفصيل ذلك ورد في كتابي المذكور. وكان هناك تنسيق بين ممثلي المرجعية في لجنة كتابة الدستور والمجلس الأعلى، الذي كان متصدرا المزايدة بالمرجعية ومقدسات الدين والمذهب.
ونواصل الموضوع في الحلقات القادمة.