البئرُ المقدسة

فاطمة ناعوت
2018 / 5 / 28



التقيتُها في سكوتلندا. السيدةَ الشقراء الجميلة ذات العينين اللامعتين. شاعرةٌ بريطانية تعيش في بقعة نائية من سكتلندا، وتكتب قصائدها حول الطبيعة الساحرة، الشرسة، الآسرة، الصاخبة، الهادئة، والغضوب. التقينا في ورشة للترجمة، ضمن مجموعة من سبعة شعراء وشاعرات من جنسيات مختلفة. أقمنا معًا، لمدة أسبوع، في قصر كلاسيكي يقفُ وحيدًا وسط الحقول التي تتواثب فيها الأرانبُ البرية وتحفر خنادق في رمالها لتختبئ داخلها من البشر لتصنع عالمها السريّ الخاص. كلٌّ منّا، نحن الشعراء السبعة، عليه أن يقرأ قصائد الشعراء الآخرين، عبر لغة وسيطة هي الإنجليزية، ثم يُترجمها إلى لغته الأم. وفي نهاية ذلك الأسبوع الشاقّ بالعمل والترجمة، الشيّق بالمتعة والمعرفة، نقرأ قصائدنا، مع ترجماتها، في أول أيام معرض أدنبره الدولي للكتاب، في انجلترا.
أعجبتني، من بين قصائدها، واحدةٌ تبكي فيها الشاعرةُ حال بئر مقدسة في ويلز اسمها "بئر القديس أندرو”. كانت الشاعرةُ حزينة حين تحولت البئرُ إلى مكان مهجور لإلقاء القمامة وأعقاب السجائر وبقايا الطعام، حين يجتمع فيها التلاميذ الهاربون من مدارسهم للتدخين والثرثرة بعيدًا عن عيون الرقباء، وفي نهاية جلساتهم، يلقون نفاياتهم في البئر. فكتبتْ هذه القصيدة، التي ترجمتُها للعربية، وأقدمها اليوم لقرائي الأعزاء.
وسوف نلاحظ كيف نجحت الشاعرةُ في اللعب على الإيقاع السمعي للكلمات، مع صوت خرير مياه البئر، لتصنع تمويهًا لغويًّا بارعًا، يخدم قضيتها ويقدم كلمات جديدة منحوتة من صوت هدير الماء، لكنها تحمل معاني ورسائلَ توضح فكرتها الشعرية والمضمونية.

بئر القديس أندرو
----
تلك هي البئرُ التي بناها راهبٌ،
سطحُها مثل ظهر حوتٍ
مُبطّن بألواح البلاط،
وعتبةُ بابه
مثل راية علم.

فوق بقعة
تُطلُّ على الأمواج المتكسرة
تبزغُ ربوةٌ مُعشوشبةٌ
بقمة مستديرة،

درجاتٌ حجريةٌ
حلزونيةٌ
تقود إلى الأسفل
والماء
بطيئًا
ينسربُ
في مسامّ التلّ،

الماءُ يرشحُ من الطين المترسِّب
في هدير موجةٍ
تتشاسعُ
تُبشّرُ بالشفاء
والتجدد.

تفورُ المياهُ
حتى يغصََّ فمُّ البئر بأكوام النفايات:
معلبات آرنبرو،
قناني بلاستيكية،
بقايا فطائر متآكلة.

مَن الذي يأتي إلى هنا؟
إلى هذي البئر المقدسة؟
تلاميذُ ثلاثةٌ
يجيئون إلى هنا
للتدخين
أو
للثرثرة.

كيف عرفوا أنها مجردُ ضريح آخر
يلجأ إليها الهاربون من مدارسهم
كمكان للتدخين؟


"شكرا أن جعلتِمونا نعرف ما هي."
ثلاثتهم
في معاطفَ سوداءَ طويلةٍ
كأنما الطائفةُ الجديدة للقديس كاينتش
تتأسسُ
جوار البئر.

حيث يقطر الماء مرةً
أو مرتين
في الصومعة الصغيرة.

ديست
ديست
ديست
ديست.2

الآن
ينبغي أن تنظّف البئرُ
وتُغسل.

بين الجداران المخضوضرة
كريهة الرائحة بالدخان
تقبع كومة معطوبة
من أحلامنا.

رغم ذلك
وعلى نحو ما
سوف يتدفقُ نحونا الماءُ العذبُ
من جديد
قطرتان في كل مرة،
ريس-بكت،
ريس-بكت.3

***