صلاح الدين المجرم المقدس (2)

أمجد سيجري
2018 / 5 / 28

اولاً: الي أمنك لاتخون و لو كنت خوان :
هذا المثل العامي ينطبق تماماً على صلاح الدين ومن هذه النقطة ابدأ مقالتي هذه
تروي كتب التاريخ خياناته لاولي النعمة والغدر بهم يبررها البعض بالسياسة لكن لا يمكن وصفها الا بأقذر انواع السياسة والانتهازية.

-خيانة العاضد : ازدياد خطر الصليبين على مصر فرأى الخليفة الفاطمي ‏( العاضد ‏) ، أن ﻻ قدرة لمصر على الوقوف في وجه الصليبيين، حيث كان الصليبين متفوقيين عدداً وتنظيماً على القوى المصرية، فتجلّت هنا وطنيته للعاضدد على أبرز اشكالها فتجاوز جميع مشاكله مع اخوته في الدين ورفض الخضوع والصلح مع الصليبيين ورأى أن يطلب العون من أقرب القوى المسلمة اليه في الشام فراسل نور الدين الزنكي ولم يراسله بخطاب الملوك بل راسله رسالة استجداء كان بغناً عنها لو عقد الصلح مع الصليبيين ولم يكتفي برسالة الاستجداء بل بذل له ثلث اراضي مصر لتكون تحت حكمه فلبى ندائه نور الدين وارسل له الدعم لمواجهة الفرنجة بقيادة اسد الدين شيركوه وابن اخيه صلاح الدين يوسف بن ايوب وعين العاضد اسد الدين شيركوه وزيراً وخلفه في الوزارة ابن اخيه صلاح الدينوفي هذا يقول يقول المؤرخ السني " المقدسي، " ، المعروف بـ " أبي شامة : " أرسل الخليفة العاضد إلى صﻼح الدين يأمره بالحضور فى قصره ليخلع عليه الوزارة، ويولّيه بعد عمّه، فشكر نعمة ربّه، فتاب عن الخمر، وأعرض عن أسباب اللهو "!!!!!

احب العاضد صلاح الدين حباً جماً ورفعه لمستويات عليا واعطاه صلاحيات حتى صار الأمر الناهي في مصر يذكر لنا المؤرخون طبيعة العلاقة بينمها :
1- ويقول يحيى بن أبي طي الحلبي: ‏" وبلغ من محبته له، أنه كان يدخل إلى القصر راكباً، فإذا حصل عنده أقام معه في قصره اليوم والعشرة، ﻻ يُعلَمُ أين مقرّه ... وحكّمه في ماله وبﻼده، فحسده من كان معه بالديار المصرية من اﻷمراء الشامية، ثم إنهم فارقوه وصاروا إلى الشام ‏"
2- ويقول صاحب كتاب ‏( الروضتين ‏) : ‏" إن العاضد أحب صﻼح الدين محبة عظيمة ‏) ، ويقول عنه في مكان آخر، أنه لما تولى صﻼح الدين الوزارة، مال إليه العاضد وحكّمه في ماله وبﻼده" ‏
3- لمقريزي : ‏( وكان صﻼح الدين يقول ما رأيت أكرم من العاضد، أرسل إليّ مدة إقامة الفرنج على دمياط ألف ألف دينار، سوى ما أرسله إليّ من الثياب وغيرها ‏) ‏
اذاً مع كل هذه المحبة والكرم التي نالها صلاح الدين من العاضد الذي طغت وطنيته على مصالحه ومصالح عائلته والذي وضع مقدرات دولته في يد اخوته في الدين مع اختلاف المذهب فبعد انقضاء سنتين فقط على وصول شيركوه وصﻼح الدين إلى مصر، كافأوا العاضد بالقضاء عليه وعلى دولته، ولم تدخل سنة 567 هـ حتى خطبت المساجد في القاهرة للخليفة العباسي بناءً على طلب نور الدين الزنكي والعاضد مازال حياً وهنا نرى ان تلبية نور الدين الزنكي للعاضد ليست لحمية الاسلام وانما هي مطامع سياسية في دولة الفاطميين مصبوغة بالأحقاد الطائفية.

2-خيانتة لنور الدين واستقوائه عليه بالصليبيين :
حتى ولي نعمته نور الدين لم يسلم من خباثته وشروره وشيطنته وطموحه بالسلطة
يروي ابن العديم :
"واتفق نور الدين وصﻼح الدين على أن يصل كل منهما من جهة، وتواعدا على يوم معلوم أن يتفقا على قتال اﻹفرنج، وأيهما سبق أقام لﻶخر منتظراً أن يقدم عليه، فسبق صﻼح الدين ووصل الكرك فحصره، وسار نور الدين فوصل الرقيم، وبينه وبين الكرك مرحلتان، فخاف صﻼح الدين واتفق رأيه ورأي أهله على العودة إلى مصر ‏.
اذاً ترك نور الدين الدين في ارض المعركة وهرب عائداً الى مصر لكن لماذا؟
السبب بسيط كان خوفاً على سلطانه في مصر وأن يظل تابعاً لنور الدين الزنكي لذلك قرر العودة ولم يكتفي بذلك بل تحامى بالصليبين ضد ولي نعمته نور الدين ولم تخفى على نور الدين هذه النوايا الخبيثة والشيطانية فجهز للسير اليه وتأديبه لكن الموت حال بينه وبين ذلك يروي أبي شامة إذ يقول : ‏( وكان نور الدين قد شرع بتجهيز السير إلى مصر، ﻷخذها من صﻼح الدين، ﻷنه رأى منه فتوراً في غزو الفرنج من ناحيته، فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر، يطلب العساكر ليتركها بالشام لمنعه من الفرنج، ليسير هو بعساكره إلى مصر، فإنه - صﻼح الدين - كان يعتقد أن نور الدين متى زال عن طريقه الفرنج أخذ البﻼد منه، فكان يحتمي بهم عليه، وﻻ يؤثر استئصالهم ‏).
ولقد كان ابن نور الدين هذا مقيماً في حلب، وكان صغير السن محاطاً برعاية الحلبيين باعتباره ملكهم المقبل بعد أبيه، فكان أول ما فعله صﻼح الدين بعد وفاة نور الدين ان استولى على الشام وبعدها قصد حلب للقضاء على ابن نور الدين ولم تشفع له افضال اييه مع صلاح الدين فقد واعتقله وعاد به إلى دمشق، ولزيادة التشفي بنور الدين وولده، تزوج زوجة نور الدين، ودخل بها وبات عندها ليلة واحدة، وخرج بعد يومين إلى مصر، لقد شفت الليلة غيظه، وانتقم من نور الدين انتقام اﻷنذال .

ثانياً : جرائم ضد الانسانية

1- ما أن قويت سلطة صﻼح الدين على الخليفة الفاطمي العاضد، واستتبّ له اﻷمر في مصر بعد التآمر عليه وقطع الخطبة له وإقامتها لبني العباس، حتى أقدم صﻼح الدين على جريمة لم يسبق لحاكم أن أقدم على مثلها أبداً، حتى في أشد العصور طغياناً وهمجيةً وظلماً فقد احتجز جميع رجال اﻷسرة الفاطمية في مكان، واحتجز جميع نسائها في مكان آخر، ومنع الفريقين من الزواج لئﻼ يتناسلوا ... ‏ ثم أعمل النهب والسلب في دورهم وقصورهم وممتلكاتهم.
( راجع الهوامش )

2- ثم عمد صﻼح الدين إلى محاربة المذهب الجعفري (هو المذهب الفقهي في الشريعة الاسلامية للإسماعيلين ) فأبطله وحرّم تدريسه ومنع الناس من العمل به، ومال على أشياعه وأتباعه فأوقع فيهم القتل والحرق والتشريد والاهانة والمذلة. يقول المقريزي واستمر الحال حتى قدمت عساكر شيركوه ووصول صﻼح الدين إلى مصر عام 564 ه فصرف قضاة مصر الشيعة كلهم وفرض المذهب الشافعي واختفى مذهب الشيعة اﻹسماعيلية اﻹمامية حتى فقد من أرض مصر كلها . كما حمل صﻼح الدين الكافة على عقيدة اﻷشعري في مصر وبﻼد الشام ومنها إلى أرض الحجاز واليمن وبﻼد المغرب حتى أصبح اﻻعتقاد السائد بسائر هذه البﻼد بحيث أن من خالفه ضرب عنقه .!!!! . ‏( خطط المقريزي )

3-بدأت المعارضة لصلاح الدين ، بأن قتل الأخير " مؤتمن الخﻼفة " السوداني ، مع العلم أن وصف " سوداني " كان يُطلق وقتها على كل أصحاب البشرة السمراء من النوبة جنوبا، وكما كان متوقعا أثارت هذه الخطوة السودانيين والنوبيين وجعلتهم
بحالة ثورة وهياج، فشكلوا جيشا ضخما ضم 50 ألف مقاتل للثأر لمؤتمن الخﻼفة، اشتبك معهم يوسف بن أيوب بقواته، واستمرت المعركة أياما دون حسم، حتى أرسل القائد الكردى رجاله فأحرقوا مقر السودان بـ " المنصورة " ، وسبوا نساءهم وذبحوا أطفالهم، ففر جيش السودان عندما وصله الخبر هلعا على أهله، وتتبعهم يوسف بن أيوب وأبادهم تماما .فنرى عجباً ثورة جيش ضد جيش ماذنب الاطفال والنساء وبعد الانتصار ابادة وحشة.

4-قام صلاح الدين بعد ذلك بعدد من المجازر بأهل حلب، كما أضرم الحرائق و استهدف فيها منابر العلم ودور الكتب، كما قام بعدد من اﻹعدامات بحق العلماء والحكماء، مما مﻸ بطون كتب التاريخ، وكان على رأسهم جميعاً، الفيلسوف اﻹشراقي العظيم، شهاب الدين بن يحيى السهروردي‏ ، الذي قُتل عام 1191 م خنقاً بوتر، وقيل بالسيف، وقيل سوى ذلك، وكان الفيلسوف السهروردي من أكبر علماء عصره .
كما حاصر القلاع الأسماعيلية النزارية على رأسها قلعة مصياف التي بقت عصية عليه ومن شدة غيطه نتيجة الفشل الزريع في احتلال تلك القلاع قتل وشرد نساء واطفال هذه الطائفة من القاطنيين حول تلك القلاع.
5- الازيدين والمندائيين الذين يستوطنون مناطق محيطة بموطنه الأصلي فى " تكريت " ،لم يسلمو من بطشه فقضى اعداد كبيره على يده قتلاً وزبحاً وسبياً وتنكيلا ً والطائفتان المذكورتان يعتبرونه مجرم حرب حتى اللحظة، ويحتفظون له بعداء ضخم جدا، رغم أنهما من الطوائف المسالمة التى ﻻ تعادي المنطقة وﻻ أهلها وﻻ دين اﻷغلبية فيها، كما أنهم لم يتحالفوا مع الصليبيين كما تحالف هو نفسه.

ثالثاً : علاقته باليهود وراي اليهود به

في الوقت الذي اضطهد فيه يوسف بن أيوب الشيعة ونكّل بهم، اضطهد بعض اﻻتجاهات السنية التى لم تكن على مذهبه اﻷشعرى، أو لم تكن " قادرية " كما كان فى بعض فتراته، ومنهم الفقيه والمُحدّث واﻷديب السني عمارة اليمنى، الذى قتله " صﻼح الدين " وصلبه على باب بيته وهو بجبته وعمامته، والغريب ان صلاح الدين كان حنونا ورقيقا مع اليهود بشكل مبالغ فيه، لدرجة أن طبيبه الخاص كان موسى بن ميمون، الذى يراه اليهود والصهاينة تحديدا أهم يهودي بعد النبى موسى حاى اليوم.
تقول الموسوعة اليهودية : " استخدم ابن ميمون نفوذه فى بﻼط صﻼح الدين لحماية يهود مصر، ولمّا فتح صﻼح الدين فلسطين أقنعه ابن ميمون بأن يسمح لليهود باﻹقامة فيها من جديد وابتناء كُنُسٍ ومدارس لهم ."
والاجمل من هذا كله أن الصليبيين أنفسهم لم يسمحوا للهيود بدخول بيت المقدس كما فعل صلاح الدين.
وتضيف الموسوعة اليهودية عن تقييمها للقائد الكردي ورأى اليهود فيه، قائلة : " كان موقف صﻼح الدين من اليهود شديد التسامح " ، لكن الغريب جداً أنه كان دمويا جدا مع الشيعة والسنة المخالفين له عقائدياً ، فبحسب المصادر السنية القريبة منه والمؤيدة له، وقتل منهم آﻻفاً منهم.

رابعاً : القضاء على المدنية والتعددية
كانت الدولة الفاطمية على امتداد، حكمها مدنية بامتياز باستثناء فترة حكم الحاكم فقد كانت مليئة بالتناقضات فالدولة الفاطمية اختارت صلاح الدين وزيرا وهو سني المذهب، بعد عمه الذى كان وزيرا وسني المذهب أيضا، وكانت دولة متسامحة مع السودان، الذين تصفهم كثير من كتب التاريخ العربية بـ " الزنوج " ، بينما تسامحت معهم الدولة الفاطمية، فوصلوا لمناصب قيادة الجيش والدرك و " مؤتمن الخﻼفة " ، كما كان الفاطميون متسامحين مع النساء والمذاهب السنية قبل الشيعية، وكانت لفقهاء الشافعية والمالكية رواقات فى اﻷزهر ومدارس خارجه، ولم يتعرض لهم أحد، وبدﻻ من زيادة حالة التسامح التى كانت قائمة، وظف يوسف بن أيوب سيفه فى القضاء عليها تماما، والتأسيس لدولة المذهب الواحد والرأى الواحد والحاكم الواحد واﻷسرة الواحدة، وبالتبعية كان المصريون يكرهونه، وهو نفسه يسجل هذا اﻷمر فى رسالة لنور الدين الزنكي يقول فيها : " إن تأخرت عن دمياط ملكها اﻹفرنج، وإن سرت إليها خلفني المصريون فى أهلها بالشر، وخرجوا من طاعتي وساروا فى أثري والفرنج أمامي فﻼ يبقى لنا باقية " ، وهذه الرسالة أوردها ابن اﻷثير والعماد والأصفهاني وغيرهما، وفيها اعتراف صريح بأن المصريين ﻻ يحبونه وﻻ يطيقون حكمه، والمفارقة أن هذا اﻷمر كان بعد 6 سنوات من الحكم، أى أنه نجح فى زيادة عداء المصريين له بعد القضاء على الشيعة، ولم ينجح فى استمالتهم أو الفوز بمودتهم .
كما قسم صلاح الدين الدولة التي ادعى توحيدها الى امارات قسمها بين افراد عائلته لتصبح بعد وفاته إمارات متناحرة متحالفة مع الصليبيين على بعضهم وبذلك بغباء شديد قضى على دولته التي بناها بالغدر والدم .

يتبع.....( العلاقات مع الصليبين وحقيقة معركة خطين )

المراجع :
1-(الروضتين في أخبار الدولتين ‏) ، القسم الثاني من الجزء اﻷول ص 391 وما بعدها من طبعة 1962 ، لعبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي، المعروف بأبي شامة
2- صﻼح الدين اﻷيوبي بين العباسيين والفاطميين والصليبيين - السيد حسن الأمين
3- خطط المقريزي - المقريزي .‏
4- ابن العديم -زبدة الحلب في تاريخ حلب ج3 ‏
5- ياقوت الحموي في : ‏( معجم اﻷدباء ‏).

هوامش :

- يروي المقريزي كيف قابل صلاح الدين كرم العاضد معه : استبدّ باﻷمور، ومنع العاضد من التصرف، ثم يقول : وصﻼح الدين يوالي الطلب منه كل يوم ليضعفه، فأتى على المال والخيل والرقيق، حتى لم يبق عند العاضد غير فرس واحد، فطلبه منه وألجأه إلى إرساله، وأبطل ركوبه من ذلك الوقت، وصار ﻻ يخرج من القصر البتة ‏)
- ويحدّد المقريزي في خططه عدد الذين سجنهم صلاح الدين من الفاطمين بعشرة آﻻف شريف وشريفة ‏( ج 1 ص 497 ‏) ، وقال ابن عبد الظاهر أن حبسهم على هذا الشكل استمرّ حتى انقرضت الدولة اﻷيوبية ومُلكُ اﻷتراك إلى أن تسلطن الظاهر ركن الدين بيبرس .. البندقداري، فلما كان في سنة 660 هـ أشهد على من بقي منهم بطردهم، بعد أن أصبحوا كما يقول المقريزي ‏ كهوﻻً مرضى ﻻ أمل منهم وﻻ بشفائهم ‏ .