الدكتور محمد حبش متنوراً

صالح بوزان
2018 / 5 / 27

الدكتور محمد حبش مفكر اسلامي تميز في السنوات الأخيرة بأطروحاته المغايرة. أقرأ ما يكتبه على صفحته في الفيسبوك بانتباه (لم أحصل على كتبه بعد). أعترف أننا فكرياً على طرفي نقيض. لكنني أجد في مشروعه الاسلامي الجديد ما يلفت الانتباه. خصوصاً عندما يسعى لوضع أسس لصياغة إسلام غير إسلام الأصوليين. إنه يتجه إلى صياغة تصور جديد للدين الاسلامي أقرب إلى القلب. لا يختلق في منحاه هذا شيئاً من عنده. بل يعتمد هو الآخر على القرآن وعلى أحاديث الرسول مثل الأصوليين. مما يعطينا أملاً أن ينسحب الاسلام من الصراعات السياسية والاجتماعية.
لم يكن الدكتور حبش في الماضي القريب هكذا. فالثورة السورية أثرت فينا فكرياً أيضاً. يضاف إلى ذلك أن أفكار بعض الكتاب والمفكرين ترتبط أحياناً بالمكان. كان الدكتور محمد حبش في سوريا من حاشية النظام السوري، وعضواً في مجلسه الشعبي. وهو أدرى مني الطريق إلى مجلس الشعب. وعندما أقول كان من حاشية النظام، أقصد أنه لم يكن يختلف عن الشيخ كفتارو ومروان شيخو والدكتور محمد رمضان البوطي والدكتور حسون. بمعنى آخر، كان هو أيضاً الوجه الاسلامي لتبرير استبداد النظام السوري. ورغم كرديته فهو لم يكتب شيئاً عن الكرد السوريين في تلك المرحلة(حسب اطلاعي). عندما خرج من سوريا بدأ بتغيير اتجاهه الفكر والسياسي الاسلامي. لكنني أؤمن بالتطور على صعيد الفكر والسياسة. فالمفكر الذي يقف عند حالة معينة يعتبر ميتاً فكرياً. والدكتور محمد حبش يسعى إلى تطوير فكره. وهذا من طبيعة المفكر الجاد.
مناسبة هذا الكلام هو ما كتبه على صفحته بتاريخ 2018.5.11 عندما أورد مقتطفات من خطابه في مؤتمر فيينا للسلام. يقول الدكتور أنه قال في المؤتمر " الاسلام رسالة سلام وحب، والحروب من صنع السياسة، والاسلام ينتشر في الأرض بلا حروب منذ قرون بعيدة......".
كنت أتمنى أن يقول أننا نريد أن نجعل من الاسلام رسالة سلام وحب. وأن الحروب التي ارتبطت بالإسلام كانت نتيجة الاسلام السياسي. كيف سيقنعنا أن الرسول بعد أن التجأ إلى المدينة لم يتحول إلى قائد سياسي وعسكري؟ ألم يكن شعار المسلمين "أسلم تسلم" كما كتب محمد في رسالته إلى هرقل الروم؟ هل تساءل الدكتور نفسه يوماً، وهو يقرأ التاريخ الاسلامي، لماذا غزا المسلمون بلاد فارس، في الوقت الذي لم يظهر أي تهديد من شعوبها ضد رغبة الرسول في إقامة دولة اسلامية في الجزيرة العربية؟
يقول الدكتور أن فتاوى الكراهية (يقصد الفتاوى الاسلامية التي تدعو إلى الكراهية) موجودة منذ قرون. وأنها نائمة في الكتب؟ وهي لم تصنع الحروب ولا الصراعات. أليس هذا الكلام مجرد رغبة لا تتفق مع الحقيقة؟ هل يستطيع الدكتور أن يشرح لنا لماذا صدرت هذه الفتاوى أصلاً إذا لم تكن من أجل اشعال الحروب؟ ألم تكن وراء تلك الفتاوى نزاعات سياسية واقتصادية مغمسة بالعقيدة؟ وماذا عن الفتاوى الجديدة التي تدعو إلى الكراهية علناً، والتي تصدر من شيوخ السعودية والأزهر؟ يقول الدكتور: " الظلم والقهر والقمع هو من حول الشعب السوري الطيب في مدنه المدمرة إلى شعب غاضب عنيف يحاول أن يرفع عن نفسه المظالم ويوقف هذه الحرب السوداء". أتفق معه جزئياً بهذا الاستنتاج. ولكن من حول هذا الشعب المسالم والطيب إلى عنيف وغاضب؟ هل فقط النظام السوري؟ ألم تكن الفتاوى التي سحبوها من تلك الكتب النائمة سبباً رئيسياً لوحشية داعش وجبهة النصرة والكتائب الاسلامية التكفيرية الأخرى. هل كان داعش يحارب الظلم أم أنه جلب ظلماً أكثر وحشية على الشعب السوري؟
لن ينجح رجال الدين الاسلامي في مسعاهم التنويري إذا اعتمدوا على الانتقائية من النص والتاريخ. التنوير بحد ذاته ثورة فكرية. ولا أعتقد أن الاسلاميين المتنورين الجدد، أمثال الدكتور حبش في تفكيره الراهن، قادرون القيام بهذه الثورة التنويرية. لن يتجرؤوا بوضع أسس للعقيدة الاسلامية غير التي وضعها الأصوليون. فقبل كل شيء يجب على رجل الدين المتنور قبول حرية التفكير، بما في ذلك حرية نقد الدين وحرية علنية الالحاد. والأهم من ذلك، هو مراجعة نقدية لكل التاريخ الاسلامي فكرياً وسياسياً واجتماعيا. عندئذ نستطيع القول أنه تم تحرير الاسلام من السياسة، ومن العقلية الأصولية الجامدة، ومن نوايا الطغاة الذين يوظفون الاسلام لأهدافهم. عندئذ سيتحول الاسلام على أيدي هؤلاء المتنورين إلى عنصر اجتماعي يلعب دوراً كبيراً في خلق المحبة بين الناس وبين الشعوب، وجعل العلاقة بين الانسان والاله علاقة ثنائية نزيهة لا تمر من خلال الاضرار بالناس لإرضاء الله.