أمريكا وإيران بين واقعين حقيقي ووهمي

أفنان القاسم
2018 / 5 / 24

يبكي الصائد من البرد، وهو يذبح بسكينه العصافير، وهذه هي أمريكا مع إيران اليوم وهي تنكل بها، وفي نفس الوقت تتباكى، بالعقوبات تنكل بها، وتحت ذرائع الإرهاب تبكي نفسها، وتبكي العالم

وما هذه سوى صورة وهمية بينما حقيقة الأمر هي غير ذلك

أمريكا وإيران تعيشان واقعين أحدهما حقيقي وأحدهما وهمي

الواقع الحقيقي لأمريكا ابتزاز دول المنطقة بإيران، واقع حقيقي لأمريكا يقابله واقع وهمي لإيران، ألا وهو تهديد إيران لدول المنطقة

الواقع الحقيقي لإيران احتماء دول المنطقة بأمريكا، واقع حقيقي لإيران يقابله واقع وهمي لأمريكا، ألا وهو –نعم كذلك- تهديد دول المنطقة لإيران

في حالة أمريكا يبقى لها الباب مفتوحًا على ثروات المنطقة، وفي حالة إيران يبقى لها الباب مفتوحًا على أحلامها في المنطقة، لأن هذا بمثابة عَقد مبرم بينهما دون التوقيع عليه من طرفهما، تمليه الظروف، فماذا عما تمليه الشروط؟

هناك الشرط الاقتصادي الذي هو لأمريكا غير ذي بال طالما أن مليارات النفط والغاز تبقى في صناديقها، وهذا هو الواقع الوهمي للشرط الاقتصادي كما تراه، بينما الواقع الحقيقي للشرط الاقتصادي يفرض نفسه ببنى تحتية جديدة تفرض بدورها نفسها، وبالتالي لن تبقى لأمريكا مليارات النفط والغاز في صناديقها... الشيء نفسه لإيران، الواقع الوهمي للشرط الاقتصادي كما تراه هو اقتصادها الريعي، بينما الواقع الحقيقي للشرط الاقتصادي هو اقتصادها الإنتاجي

هناك الشرط السياسي الذي هو لأمريكا شرط مبولي بخصوص كل دول الشرق الأوسط بما فيها إسرائيل، تبول على رأس هذا الرئيس أو ذاك الملك، فيكون الواقع الوهمي للشرط السياسي كما تراه، بينما الواقع الحقيقي للشرط السياسي يفرض نفسه ببنى سياسية جديدة تفرض بدورها نفسها، وبالتالي لن تبقى لأمريكا مباولها في الشرق الأوسط، كناية عن أنظمة الحكم الخاضعة لها... الشيء نفسه لإيران، الواقع الوهمي للشرط السياسي كما تراه هو واقعها التصديري (تصدير الثورة)، بينما الواقع الحقيقي للشرط السياسي هو واقعها الإيراني (الأيرنة)

لتحقيق الشرطين السياسيين والاقتصاديين للواقع الحقيقي لأمريكا ولإيران لا بد من خلق الظروف الموائمة التي تساهم في ذلك، كما حصل في شرق آسيا مع كوريا الشمالية وباقي دول المنطقة، وأعتقد أن إيران وأمريكا قد بدأتا في العمل على تحقيق ذلك بطريقة غير مباشرة انطلاقًا من واقع وهمي، ألا وهو العداء المتبادل بينهما، فكانت الخطوات "الهجومية" للمؤسسة الأمريكية المتمثلة بالمال والأمن ضد إيران، وكانت الخطوات "الدفاعية" للمؤسسة الإيرانية المتمثلة بالمرشدية والحرس الثوري ضد أمريكا، وكل هذا –على عكس ما يقوله كل المحللين السياسيين وكل وسائل الإعلام- للتوصل إلى اتفاق بين أمريكا وإيران (والباقين أوروبا وروسيا والصين و و و) حول مستقبل المنطقة من الناحيتين السياسية والاقتصادية، فما كان خروج أمريكا من الاتفاق النووي إلا للدخول في اتفاق أعمق وأعم

من السطور السابقة أريد الوصول إلى ما يلي

خلق الظروف الموائمة لتكون سياسيًا لا بد أن تمضي اقتصاديًا ببناء العراق وسوريا ولبنان واليمن والقطاع وليبيا والصحراء الغربية هناك حيث يضع الأشقاء أقدامهم بشكل أو بآخر، وهذا يعني قطع المليارات الإيرانية عن التنظيمات (التنظيمات كلها ما عدا حزب الله كما أرى) التي تدعوها أمريكا تنظيمات إرهابية انتهت أدوارها أو هي على وشك الانتهاء، وأمريكا تدعوها تنظيمات إرهابية لتسهيل مهمة توفير مليارات إيران لها، لتجديد بنياتها، لتحديثها، والدخول إلى العصر من الباب الواسع لمؤسسة قوس قزح كمؤسسة سلم وتقدم ورقي وبناء (لا حرب وتخلف وتدنٍ ودمار الصورة الكلاسيكية الصورة الوهمية الواقع الوهمي لإيران في أذهان العالم)، الآن وقد بقيت لإيران ملياراتها، ستكون قادرة على تمويل قوس قزح، لتكون قوس قزح قادرة على تشغيلها، وإعادتها إلى الإيرانيين بدلاً من تبديدها