إضاءة

غازي الصوراني
2018 / 5 / 24

24/5/2018


(1)
سؤال وجواب للنقاش الهادىء من الاصدقاء والرفاق حول شعار " الاسلام هو الحل"!؟
والسؤال هنا : هل تتوفر لهذا الشعار أي إمكانية واقعية للتحقق في بلادنا باسم الخلافة الإسلامية أو غير ذلك من الأنظمة الدينية في اللحظة المعاصرة من القرن الحادي والعشرين ؟
وجوابي كما يلي : إننا إذ نؤكد احترامنا لتراث شعوبنا الديني ، وللمشاعر الدينية، إلا أننا نرى أن المنطلقات الدينية والتراثية في إطار حركات الإسلام السياسي، لن تكون قادرة –وليست راغبة بالطبع - على مواجهة الأزمات السياسية الاجتماعية الاقتصادية والثقافية المستعصية في بلادنا، انطلاقاً من ضرورة التمييز بين الدين والدولة ، أو من منطلق الهوية القومية العربية أو حتى الهوية الوطنية وآلياتها الديمقراطية ، لأن تيار الإسلام السياسي ( سياسيا وطبقيا) هو تيار نقيض للهوية الوطنية وللقومية العربية "لصالح هوية أكثر شمولاً لا حدود جغرافية لها ، هي الهوية الإسلامية ، يؤكد على ذلك أن هذا الشعار – الإسلام هو الحل - يعني في جوهره أن المسلم الأندونيسي والماليزي والباكستاني والأفغاني أهم من المسيحي العربي، وقد بنى أصحاب هذا التيار موقفهم على أساس عقيدي مؤداه أن القومية مقولة علمانية تناقض العقيدة والدين ، وأن أواصر الجنس والأرض واللغة والمصالح المشتركة إنما هي عوائق حيوانية سخيفة ، وأن الحضارة لم تكن يوماً عربية وإنما كانت إسلامية ، ولم تكن قومية وإنما كانت عقيدية ، بينما بنى البعض الآخر موقفهم على أساس أن النزعة القومية مصدرها الاستعمار الصليبي ، وأن نصارى الشام هم الذين روجوا لها ( يوسف القرضاوي). وقد بلغ التطرف عند بعضهم إلى حد اتهام الدعوة إلى القومية العربية ( ذات الرؤية الديمقراطية التقدمية ) بالكفر الصريح ، وفي كل الأحوال ، يبدو أن انظمة الاستبداد العربية عموما وأنظمة البترودولار الرجعية العميلة خصوصًا ، إلى جانب انتشار مظاهر الفقر والبطالة في العديد من البلدان العربية غير النفطية ، علاوة على ضعف تأثير وهشاشة القوى اليسارية .. مهد الطريق إلى انتشار حركات الإسلام السياسي عبر استغلال بساطة وعي الجماهير وعفويتها ... الأمر الذي أدى إلى تعزيز وتعميق أوضاع التخلف الاجتماعي في كل البلدان العربية ، وتزايد الهيمنة الإمبريالية والصهيونية والكومبرادورية على مقدرات شعوبنا، التي بدأت قطاعات منها تتكشف طبيعة حركات الإسلام السياسي وزيف برامجها وعدم تناقضها مع السياسات الرجعية والأمريكية، ودورها النقيض للمصالح والتطلعات والأهداف الوطنية والقومية الديمقراطية للجماهير الشعبية العربية .


(2)
عن تخلف المجتمعات العربية وتقييم دور حركات الاسلام السياسي...
منذ القرن الرابع عشر : " دخل الفكر الإسلامي - كما يقول المفكر الراحل نصر حامد أبو زيد - في مرحلة الركود بحكم الظروف الداخلية والخارجية التي أدت إلى الجمود الاجتماعي والسياسي " وتقلّصت المساحة النقدية منذ ذلك القرن " ، عندما راح الإعلان الرسمي للمذاهب يفرض بالتدريج ممارسة " أرثوذكسية " للفكر الديني بعيداً عن العلوم الدنيوية ، واستمر هذا الحال حتى نهاية القرن التاسع عشر ، وظهور ما عرف بحركة الإصلاح الديني الحديث، التي أطلقها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ، ولم تفلح -كما يقول المفكر محمد عابد الجابري- في " بلورة مشروع نهضوي تتجاوز به الإشكالية التي تطرحها في التجربة الحضارية العربية منذ اندلاع النزاع بين علي ومعاوية أو العلاقة بين الدين والسياسة " ، كما لم تفلح الاتجاهات العلمانية ، المادية والعقلانية التي ظهرت في تلك المرحلة وبداية القرن الماضي ، في بلورة مشروعها النهضوي عبر اتجاهاتها الفكرية المتعددة ، المادية والتنويرية التي عبر عنها أبرز مثقفي هذا التيار شبلي شميل ، وفرح أنطون وسلامة موسى وعلي عبد الرازق وطه حسين ولطفي السيد .
والسؤال الآن : كيف وصل العرب في العصر الحديث الى هذه الحال ، وأين يكمن الخلل ؟
يرى المفكر جورج طرابيشي، أن الخطر في هذا الزمن القُطري ، ليس تراجع فكرة الوحدة العربية بحد ذاته ، حيث أن مثل هذا التراجع قد يكون مؤقتاً ، وإنما تراجع فكرة القومية بالذات " ، أما المفكر الراحل د. هشام شرابي ، فيرى أن " ما جرى في المائة سنة الأخيرة من الحياة العربية التي سادتها " الأبوية " أفضى إلى تحديث القديم دون تغييره جذرياً " ، ويضيف د. شرابي "أن الأصولية الإسلامية لن تقوى على توفير علاج ناجح للفوضى التي تتحكم بالمجتمعات العربية ، وذلك لأنها " مثالية " ستكون حلولها بالضرورة سلطوية ومرتكزة الى عقيدة وسبل جبرية مطلقة ، وستلجأ الى فرض نظام أبوي سلطوي يقوم على أيدلوجية غيبية دينية. أما وجهة نظر المفكر الماركسي د. سمير أمين فتتلخص في أن حركات الإسلام السياسي ، "تجسد اليوم اتجاه رفضي سلبي لا يقدم بديلاً إيجابياً على مستوى التحديات العالمية ، حيث يقوم المشروع الذي تتبناه على ثلاثة أعمدة هي أولاً : إلغاء الديمقراطية وثانياً : إحلال خطاب أيديولوجي شمولي محلها ( ينتهي إلى ) خضوع شكلي لطقوس دينية لا غير وثالثاً : قبول الانفتاح الكومبرادوري الشامل على الصعيد الاقتصادي ، الأمر الذي أدى إلى تعزيز وتعميق أوضاع التخلف الاجتماعي في كل البلدان العربية ، بحيث يمكن القول بأن هناك نوع من الكسل والتعب الحضاري الذي يهيمن اليوم على الإرادة العربية ويجعلها تنام على أوساخها وتهرب من تحديات الديمقراطية والتنوير والاستنارة والعقلانية والثورة وكل قيم ومفاهيم الحقبة الحديثة، وهذا يفسر تمسكها بنوع ساذج من الدين، حيث أن هذا التمسك يريحها ويسوغ لها هذا الكسل.
لذلك علينا أن نفسر هذا الكسل وهذه الهروبية من الواقع، المرتبط بسيادة الدولة الريعية المسنودة نفطياً، لكن علينا أن نجري مزيداً من الدراسات التاريخية والاجتماعية/الطبقية والسيكولوجية لأمتنا وشعوبنا، انطلاقا من إدراكنا أن أكبر تجسيد للأفكار التي يرتعب العرب الرجعيين، وكل قوى وتيارات اليمين من مجابهتها، هو الفكر التقدمي الثوري الديمقراطي التغييري في إطار الصراع الطبقي وتحقيق أهداف الثورة الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية.