حوار مع السفسطائي الديني-5

أيمن عبد الخالق
2018 / 5 / 24


"أنا لست أذكى إنسان في العالم، ولكن كل مافي الأمر أنني لاأسمح لأحد بالتفكير نيابة عني".....البرت اينشتاين
• الفيلسوف: أرجو أن يكون مزاجك الليلة أفضل من التي قبلها، وأن يكون وضعك النفسي قد استقر؛ لكي نتمكن من أن نتحاور بموضوعية.
o السفسطائي الديني: لاأستطيع أن أقول لك أنّ الصراع النفسي في داخلي قد توقف، ولكنه أفضل بحمد الله، وتحت السيطرة، والمهم أنني أستطيع الليلة أن أنصت إليكم بنحو أفضل.
• الفيلسوف: وهذا هو المطلوب، وإن كنت أعلم أنّ الموضوعية من أصعب الأمور على قلب الإنسان، ولكن الإنسان العاقل، كما أنه يكون على استعداد لإجراء أي عملية جراحية في جسمه لإنقاذ حياته، فهو مستعد أيضا لإجراء عملية جراحية في نفسه؛ لإنقاذ مصيره وحياته الإنسانية.
o السفسطائي الديني: هذا كلام كبيروخطير...نسأل الله الثبات والتسديد...والان دعنا ندخل في الموضوع، ولتكن البداية من السؤال الذي زلزل مشاعري، ووقع على رأسي كالماء البارد، وهو "مامعنى الحق، وكيف نعرفه؟ "فهذا السؤال لم يخطر على بالي طوال حياتي، مع أنني كنت دائما أدعي أنني على الحق، وكذلك يدعي الاخرون!
• الفيلسوف: نعم صحيح...فهذه مشكلة عامة في الواقع... وهي من المسائل المعرفية التي مازالت مطروحة بقوة في الغرب، ولم يجدوا لها إلى الان جوابا تاما، أومقنعا...ولو سأل كل إنسان نفسه هذا السؤال من البداية، ماحصلت كل هذه المشاكل الفكرية، وماوقعت كل هذه الصراعات المذهبية، والتناحر الإيديولوجي بيننا.
o السفسطائي الديني: أكيد..ولكن نحن الان بعد ماتوجهنا لهذا السؤال، وأهميته، أريد أن أعرف الإجابة عليه من وجهة نظرك كفيلسوف.
• الفيلسوف: دعني أولا اذكر لك الآراء الأخرى في هذه المسألة المهمة، والتي عادة مايجيب بها رموز التيارات الفكرية المختلفة عندما يواجهون هذه المسألة، ثم اذكر لك بعدها نظر الفلاسفة العقليين في ذلك.
o السفسطائي الديني: نعم تفضل فكلي أذن صاغية.
• الفيلسوف: هناك من ذهب إلى أنّ الحق هو المشهور بين الناس داخل المجتمع، سواء كان دينيا، أو وضعيا، أو المقبول من كبرائهم من أهل العلم والخبرة الموثوقين، سواء كانوا من رجال الدين أو الفكر....وهذا ماعليه أكثر الناس.
o السفسطائي الديني: وهؤلاء أنا منهم طبعا....لأنّ تديني ـ وكما تقول ـ قد ورثته من أبواي، أو من المشايخ الذين أثق فيه، ولكن ماالمشكلة في ذلك، إذا كان ماورثته يقول أنّ الحق ماقاله الله ورسوله؟
• الفيلسوف: ليست المشكلة في نفس المحتوى الفكري لما ورثته، أو قبلته من العلماء ورجال الدين الذين تثق فيهم، فهذا بحث آخر، المشكلة في تعريف الحق بالتعصب للموروث المشهور، أو المقبول من الأكابر، لمجرد كونه مأنوسا، أو مألوفا بيننا...لأنّ كل هذه الأمور نسبية ومتغيرة، تختلف باختلاف الزمان والمكان كما قلت لك في السابق.
o السفسطائي الديني: نعم نعم ...تذكرت...وهذا الكلام، وإن كان مؤلما لي، ولكن في نفس الوقت لايمكن إنكاره، فهي أمور نسبية متغيرة، فلايمكن الاعتماد عليها بنحو مطلق، أو فرضها على الاخرين...ولكن لماذا يذهب أكثر الناس إلى هذا المذهب، مع وضوح خطئه؟!
• الفيلسوف: أولا، الكسل أو التكاسل، أو استصعاب التفكير المستقل، فيفضلون الفكر الجاهز، كالطعام الجاهز، بدلا من أن يكلفون أنفسهم، ويطبخونه بأنفسهم.....وثانيا، الخوف من مخالفة الموروث المشهور الراسخ في العقول والقلوب، أو مخالفة آراء الأكابر من أصحاب الجاه العلمي، أوالسلطة الاجتماعية، حيث سيكلفهم ذلك الكثير.
o السفسطائي الديني: نعم ... للأسف الشديد ...الظاهر أنّ هذا هو الواقع...على أي حال كمل كلامك.
• الفيلسوف: وهناك من ذهب إلى أنّ الحق هو النافع الذي يحقق مصلحة الإنسان، ويؤدي إلى نجاحه في الحياة، وهو المذهب العملي البرجماتي.
o السفسطائي الديني: وماهي المشكلة في ذلك؟
• الفيلسوف: المشكلة أولا أنه متعلق بالاعتقادات العملية التي يمكن أن تسبب النفع أو الضرر، ولاعلاقة له ببيان الحق في القضايا النظرية، ككون الأرض كروية أو تدور حول نفسها في كل يوم، أو صحة الكثير من المسائل والمعادلات الرياضية، أو الفلسفية النظرية، وثانيا، أنه لم يبين لنا معنى النجاح أو المصلحة، فهل المصلحة هي مصلحة الفرد، ولو على حساب المجتمع، كما في الرؤية الرأسمالية اليمينية، أو مصلحة المجتمع، ولو على حساب مصلحة بعض أفراده البرجوازيين مثلا، كما في الرؤية الاشتراكية اليسارية، أو هل هي مصلحة مادية كما عند الماديين، أو معنوية كما عند المتدينين...فإذا هذه النظرية ايضا كالتي قبلها نظرية نسبية متغيرة، لايمكن اعتمادها كنظرية عامة مطلقة موضوعية.
o السفسطائي الديني: نعم... الإشكال واضح...وهل هناك مذاهب أخرى في فلسفة الحقيقة؟
• الفيلسوف: في الواقع ظهرفي العصر الحديث في الغرب مذهب غريب، يدعي أنه ليس هناك حق وباطل مطلق، بل يكفي مطلق الانسجام بين اجزاء المعتقد، أو الانسجام مع طبيعة الشخص...ومن الظاهرأنها متناقضة مع نفسها، حيث إنهم يقومون بالتنظير لها في المحافل العلمية ، ويدافعون عنها كنظرية صحيحة مطلقة وواقعية!!، ويسعون لإبطال مايخالفها.... .ومن الواضح أنّ من اعتنق مثل هذه المذاهب السفسطائية، هو من باب ضيق الخناق، والعجز عن التعرف على الميزان العلمي الموضوعي الذي يكشف لنا الواقع كما هو.
o السفسطائي الديني: في الواقع هذه ورطة حقيقية، ولاأدري كيف يمكن أن نخرج منها...يعني كل هؤلاء المفكرون إما متعصبون، وإما سفسطائيون شكاكون.
• الفيلسوف: سيتبين لك في جلستنا القادمة إن شاء الله، أنّ كل من فقد الميزان العقلي الموضوعي الصحيح، أُصيب إما بالإفراط أو التفريط، ووقع في المتاهة الفكرية، ودخل في هذا النفق المظلم الذي لانهاية له.
o السفسطائي الديني: وأنا أنتظر بكل شوق ماستطرحونه من بديل واقعي للخروج من هذه المحنة.