4 - الانتخابات ومقتدى الصدر

ضياء الشكرجي
2018 / 5 / 23

مقتدى الصدر استطاع بائتلافه الانتخابي الجديد (سائرون) أن يتصدر كل القوائم، رغم أنه لم تحصل أي قائمة ما حصلت عليه كل من (الوطنية بقيادة علاوي بـ91 مقعدا) و(دولة القانون بقيادة المالكي بـ89 مقعدا) في انتخابات 2010. لكنه تجاوز آخر ما كان قد حصل عليه الصدريون في الانتخابات السابقة، والذين لم يتجاوز عدد مقاعدهم كأقصى حد أربعين مقعدا. ولكوني لا أحتمل ازدياد عدد الصدريين، أرجح أن الصدر استطاع بطروحاته للأربع سنوات الماضية أن يكسب شريحة إضافية من الناخبين، على الأرجح من الشيعة، ولكن من الناقمين على أحزاب الإسلام السياسي الشيعية. صحيح إن هذا الجمهور لا ينتمي إلى الوسط العلماني، أو الوسط الشعبي المؤيد للعلمانيين، ولكنهم كما يبدو قد تفاعلوا مع طروحات مقتدى الصدر ومواقفه في إعلانه لمحاربة الفساد والفاسدين، وابتعاده عن إيران ورفضه لتدخلها في الشأن العراقي، واقترابه من المدنيين - حتى لا أقول العلمانيين - وتنسيقه معهم، حتى بلغ مرتبة تشكيل التحالف الانتخابي.
وقد أصبح مقتدى الصدر هو كعبة العملية السياسية التي تطوف حولها التفاهمات والتفاوضات بشأن الائتلافات القادمة، وتشكيل الحكومة الائتلافية المقبلة. فاللقاءات والاتصالات والتفاهم معه جرت من كل السياسيين المؤثرين؛ العبادي، الحكيم، العامري، علاوي، البرزاني، النجيفي و...
لكن دعونا نقيّم مقتدى الصدر وتحولاته، ابتداءً من ماضيه بعد 2003، ومرورا بموجة القتل الطائفي، وانتهاءً بمواقفه الأخيرة، ثم فوزه في الانتخابات.
بدأ مقتدى الصدر والصدريون بعد سقوط الديكتاتور من أشد قوى الإسلام السياسي الشيعية تطرفا، وعندما دخلتُ العراق في أيار 2003، ورأيتُ پوسترات لحزب الدعوة تشير إلى أن الدعوة والتيار الصدري يمثلان خطا فكريا واحدا، وأسموه بخط الصدرَيْن، وحيث كنت أظن حزب الدعوة أكثر الأحزاب الإسلامية الشيعية اعتدالا، وأبعدها عن إيران، وأقلها مزايدة بالرموز الدينية والمرجعية، وأكثرها واقعية في التعاطي مع (الاحتلال)، وأقربها إلى الديمقراطية والدولة الوطنية، انتقدت الحزب بشدة على هذا التوجه، وحذرت من اقتران حزب الدعوة بمقتدى الصدر وبالصدريين، وبسبب انتقاداتي للتيار الصدري آنذاك، وكنتُ ما أزال أظهر بالعمامة، هاجمني أحد خطباء الجمعة الصدريين في الكاظمية، حيث نعتني بـ«الشيخ المجاهد في سبيل الدنيا ضياء الشكرجي». ولكني لم أكن أظن أن حزب الدعوة، لاسيما أثناء العهد المالكي، والآن بما يمثله جناح المالكي في الحزب، سيتحول إلى أسوأ أحزاب الإسلام السياسي الشيعية، ويتحول الصدر إلى داعية إلى الدولة المدنية النابذة للمحاصصة وغير المتخندقة طائفيا والأقرب إلى العلمانيين. نعم كان هذه التيار يمثل أقصى التطرف، ولم ننس مقتل عبد المجيد الخوئي بتلك الطريقة البشعة في اليوم التالي لسقوط صدام. كما لا ننسى القتل الطائفي في 2005 و2006، حتى كانت صولة الفرسان على يد المالكي، الذي اكتسب من خلالها شعبية قبل أن نكتشف أنه مشروع ديكتاتور مستبد طائفي، ولكن بالتستر بالدستور والآليات الديمقراطية، أو التي تبدو هكذا.
لكن علينا أن نقر أن مقتدى الصدر لم يركب موجة المدنية كما فعل آخرون، كعمار الحكيم، بل إن تحولاته الأخيرة، تبدو لي على الأرجح صادقة وحقيقية. لكن تبقى لدينا مشكلة، فمقتدى الصدر يبقى رجل دين، ونحن كعلمانيين ديمقراطيين يفترض أننا لا ننسجم مع إقحام رجال الدين أنفسهم في السياسة، إلا إذا تخلوا عن دورهم كرجال دين، وتحولوا شكلا ومضمونا وخطابا ومواقف إلى رجال سياسة. ولكن الإشكال الأكبر إن مقتدى الصدر متفرد بقراراته، فوحده الذي يقرر عن التيار الصدري، ووحده الذي كان يقرر عن كتلة الأحرار البرلمانية، ووحده يقرر اليوم عن (سائرون). ولا أحد يستطيع أن يتنبأ بالقرار الذي سيتخذه الصدر، وإن كانت هناك مرجحات، نأمل أن تتحقق، لأنها تصب فيما هو أكثر نفعا، أو على الأقل ما هو أقل ضررا. ولكن تبقى الأبواب أمام كل المفاجآت من الصدر مشرعة. ولكن حتى لو افترضنا أن الصدر لن يتخذ قرارا إلا بما نرجحه نحن كعلمانيين ديمقراطيين، تبقى المشكلة أننا نرى تفرد شخص ما بالقرارات السياسية، هو خلاف المبادئ والتقاليد الديمقراطية، بل ويختزن ثمة خطورة، لاسيما عندما يتعلق الأمر بتلك القرارات الكبرى والمصيرية.
أرجع وأؤكد ما ذكرته في مقالتي السابقة، بأن التنسيق الميداني في الحراك الشعبي وفي حدود المشتركات، لم يكن خطأ أبدا، بل كان ضروريا ومهما للمرحلة، لكن هناك فرق كبير بين التنسيق والالتقاء على المشتركات بين أطراف مختلفة جوهريا في الفكر السياسي، وبين التحالف بينها. وأتصور إن عدم الدخول في تحالف مع الصدر كان يمكن أن يجري بالتفاهم معه، بحيث لا يفهمه موقفا عدائيا، خاصة إذا ما كان قد جرى تثبيت ثمة ثوابت بين العلمانيين، ولا أقول الشيوعيين حصرا، والصدريين لمرحلة ما بعد الانتخابات.