إنجيل محمد

أمجد سيجري
2018 / 5 / 23

آل عمران : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ‏( 3 ‏)

يتسائل الكثيرون حول ذكر إنجيل واحد في القرآن مع العلم للقاصي والداني ان هناك اناجيل قانونية أربعة فما المقصود في الإنجيل الواحد المذكور والذي اعتبره القرآن الإنجيل الصحيح المنزل من عند الله وأن أي انجيل يخالف هذا المذكور هو محرف وافتراء على وحي الله المنزل على نبيه عيسى المسيح .

الإنجيل العبراني هو الإنجيل الذي استخدمه المسيحيون الذين تمسكوا بالناموس اليهودي ، كالناصريين [1]والابيونيين‏[2] الذين خرجوا عن الكنيسة في النصف اﻷول من القرن الثاني واعتبروا مهرطقين . لكن نجد بعض الإختلافات بين كل من إنجيل الناصريين وانجيل العبرانيين وانجيل اﻷبيونيين، لكن ما يجمعها جميعاً أنها قريبة الشبه من إنجيل متى ، بل هي إنجيل متى مع حذف اﻹصحاحين اﻷول والثاني ، وإضافة عبارات تفسيرية ونصوص تﻼئم أفكارهم الغنوسية اليهودية لم يبق لنا من نصوص هذا اﻻنجيل إﻻ الشئ القليل في بعض كتابات اﻵباء والمؤرخين التي ذكر فيها هذا الإنجيل نذكر :

- أوسابيوس 340 م الملقب بأبي التاريخ الكنسي وهيرودس المسيحية قال عن هجسيب وهو من أوائل القرن الثاني أنه كان ينقل أشياء من اﻻنجيل حسب العبرانيين اﻻنجيل اﻵرامي الذي هو بالحرف العبراني.
-يشهد أوسابيوس نفسه على أن اﻻنجيل حسب العبرانيين هو اﻷصح في نظر العبرانيين الذين أمنوا بالمسيح ويقول عن اﻻبيونيين أنهم كانوا يستخدمون فقط اﻻنجيل المسمى بحسب العبرانيين وقلما يكترثون بغيره.
-يقول عن عقيدة الابيونيين : أنهم كانوا يحفظون السبت وسائر العادات اليهودية ويغارون على إقامة أحكام التوراة ويعتبرون أن الخﻼص يقوم ﻻ على اﻻيمان بالمسيح وحده بل على إقامة شريعة موسى أيضا ويقول في مكان آخر أن المسيح ذكر الشقاق الذي ستتعرض له النفوس في العائﻼت كما نجده في اﻻنجيل بحسب العبرانيين.

-أبيفان 403 م أسقف قبرص يستفيض في الكﻼم عن اﻻبيونيين وانجيلهم العبراني أنهم يأخذون انجيل متى ويعتمدون عليه وحده دون سواه ويسمونه اﻻنجيل حسب العبرانيين وانجيل متى هذا الذي بحوزتهم ليس كامﻼ بل هو محرف وناقص.
-كﻼم أبيفان هذا تردد لكﻼم القديس إيريناوس أسقف ليون 208 م الذي يقول أن اﻻبيونيين يستخدمون انجيل متى وحده ولكنهم ﻻ يعتقدون اﻻعتقاد الصحيح في الرب.
-يذكر القديس جيروم 420 م هذا اﻻنجيل ضمن جملة كتب في تفسيره ﻷشعياء وحزقيال وتفسيره ﻷفسس ومتى وفي حواره مع البﻼجيين ويقول:
1-في اﻹنجيل الذي استخدمهُ اﻷبيونيون والناصريون , والذي ترجمتُهُ حديثاً من العبرية إلى اليونانية , والذي يعتقد مُعظم الناس انه النُسخة اﻷصلية ﻹنجيل متى.
2-في اﻹنجيل حسب العبرانيين , والذي كُتِب حقيقة بالكلدانية أو السريانية ولكن في حروف عِبريّة , والتي مازال يستخدِمُها الناصريون حتى اليوم , والذي هو اﻹنجيل حسب الرُسُل , او حسب ما يعتقد اﻷغلبية أنه اﻹنجيل حسب متى , اﻹنجيل الذي يُمكِن أن نجِده في مكتبة قيصرية.

ويبدو أن هذا اﻻنجيل كان واسع اﻻنتشار وبشهادات اﻵباء الذين نقلنا عنهم ولقد كان بين يدي أغناطيوس اﻷنطاكي في أنطاكيا وأوريجين وأكليمنضوس في اﻷسكندرية وجيروم في حلب وإيريناوس في اسيا الصغرى والجزيرة العربية أيضا ويبدو أيضا أنه قد ترجم للغات متعددة لكنه وضع في اﻷصل باللغة اﻵرامية ثم نقل إلى اليونانية والﻼتينية و إلى العربية على يد ورقة بن نوفل .
كما اسلفنا ان من أخذ بالأنجيل العبراني هم النصارى والأبيونيين لكن بتعريف بسيط لهم نجد مايلي:

1-النصارى هرطقة نشأت فى الشام وإنتشر أتباعها في الجزيرة العربية حتى اليمن جنوبا وكانت أسمائهم مقترنة بأسماء أماكن تجمعهم فيقال مثﻼً : نصارى الشام - نصارى مكة - نصارى اليمن ... ألخ والنصارى كانوا طائفة قليلة العدد بالنسبة للمسيحيين الذين كان يتكون منهم إمبراطوريات العالم القديم وهى اﻹمبراطورية البيزنطية الشرقية والرومانية الغربية و اجزاء من الإمبراطورية الفارسية كانت تدين بالمسيحية.
( كانت مسيحية نسطورية )وبالرغم من المﻼيين المسيحيين فى عصر محمد رسول اﻹسﻼم إﻻ أن القرآن لم يذكر إﻻ إسم الطائفة النصرانية والتي اعتبرها هم النصارى الحق وانجيلهم العبراني هو الإنجيل الحق.
بعودة بسيطة لكتب التراث نجد، مايلي :
1-قال اليعقوبي في تاريخه : و أما من تنصر من أحياء العرب فقوم من قريش من بني أسد بن عبد العزي . منهم عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزي و ورقة بن نوفل بن أسد .
‏( تاريخ اليعقوبي -1 157 ‏)
-كما أشار أيضا إلى تدين قبيلة قريش كلها في قوله وكانت العرب في أديانهم على صنفين :
ألحمس و الحلة فأما الحمس فقريش كلها. ‏(المرجع نفسه- 1/256 ابن هشام 184/1) -الحمس : هو التشدد حتى التزهد والتأله وأوضح معنى هذا التدين قائﻼ : كانت قريش و عامة ولدمعد بن عدنان على بعض دين إبراهيم يحجون البيت ويقيمون المناسك ويقرون الضيت و يعظمون اﻷشهر الحرم وينكرون الفواحش والتقاطع والتظالم و يعاقبون على الجرائم فلم يزالوا على ذلك ما كانوا وﻻة البيت.
‏( تاريخ اليعقوبي -1 /154 ‏)

-كما يؤكد اﻷزرقي في آثار مكة نصرانية قريش وتدينها في قوله وجعلوا في دعائمها صور اﻷنبياء وصور الشجر وصور المﻼئكة . فكان فيها صورة إبراهيم الخليل وصورة عيسى ابن مريم أمه وصور المﻼئكة .

-لما كان يوم فتح مكة دخل رسول الله البيت وأرسل الفضل بن العباس بن عبد المطلب فجاء بماء زمزم ثم أمر بثوب فبل بالماء و أمر بطمس تلك الصور فطمست وقال ووضع كفيه على صورة عيس ابن مريم و أمه عليهما السﻼم وقال: أمحوا جميع الصور إﻻ ما تحت يدي فرفع يديه عن صورة بن مريم وأمه.
‏( أخبار مكة وما جاء فيها من آثار لﻸزرقي -1 165 ‏)
- يقول ابن قتيبة : أن النصرانية كانت في ربيعة وغسان وبعض قضاعة.
‏( المعارف ﻷبن قتيبة الدينوري ص 621 ‏)
- ويقول اليعقوبي في تنصر تميم وربيعة وبني تغلب وطيء ومذحج وبهراء وسليخ وتنوخ ولخم ‏( تاريخ اليعقوبي -1 257 ‏)
- يشهد الجاحظ بقوله : كانت النصرانية قد وجدت سبيلها بين تغلب وشيبان وعبد القيس وقضاعة وسليخ والعباد وتنوخ ولخم وعاملة وجزام وكثير بن بلحارث بن كعب .
‏( كتاب الحيوان للجاحظ -7 216 ‏)
2- من النصارى الى الأبيونية :
الأبيونيين وهي فئة من اليهود المتنصرين التحقوا بالمسيح ورأوا فيه نبيا عظيما من اﻷنبياء ﻻ يعترفون بألوهيته بل يقولون أنه رجل كسائر الرجال جاءه الوحي بعد معموديته على يد يوحنا المعمدان أو بالأحرى أن المسيح المبدأ اﻷزلي دخل يسوع يوم عماده وفارقه يوم استشهاده تقوم رسالته على التعليم والتبشير دون الفداء والخﻼص ويقبل اﻻبيونيون انجيل متى وحده ويسمونه اﻻنجيل حسب العبرانيين وهو نفسه انجيل متى اﻵرامي ولكنه ناقص ومحرف ومزيف كما يشهد ابيفانوس.
يقول جواد علي :
عقيدة اﻷبيونيين بقوله عنهم يعتقدون بوجود الله الواحد خالق الكون وينكرون رأى بولس الرسول في المسيح ويحافظون على حرمة السبت ويوم الرب ويعتقد أكثرهم أن المسيح بشر مثلنا امتاز على غيره بالنبوة وبأنه رسول الله وهو نبي كبقية من سبقه من اﻷنبياء المرسلين ... وبعضهم أنكر الصلب المعروف وذهبوا إلى أن من صلب كان غير المسيح وقد شبه على من صلبه وظن أنه المسيح حقا ورجعوا إلى انجيل متى بالعبرانية .
كانت التعاليم الابيونية ظاهرةً جداً في مكة من خلال :
1- الصيام شهرا كامﻼ في السنة وعلى إطعام الجياع والرأفة بالمساكين وعلى التخلي عن الناس واﻻنقطاع إلى الله والتفكر فيه
(اﻷصفهاني في اﻷغاني 3 - 113)
2-ويقوم أيضا على اعتزال عبادة اﻷوثان واﻻمتناع عن أكل الذبائح المقربة إليهم وقراءة الكتب المقدسة والتأمل في قصصها .
(طبقات ابن سعد 1 - 85)
3-اﻷخذ بالختان والحج إلى البيت والغسل من الجنابة وتحريم الخمرة وما اهل لغير الله .
(لسان العرب 10 - 402 الكشاف 1 - 178 الطبرسي 1 - 467 تفسير الرازي 13 - 57 و 14 - 10 و 17 - 171 تفسير الطبري 3 - 104 تاج العروس 6 - 77 لفظة حنف القرطبي 4 - 109 القاموس 3 - 130 ابن خلدون 2 - 707 وغيرهم)
فقد دعيَّ هؤلاء الابيونيين بالأحناف ونجد جلياً قصة كل من ورقة بن نوفل وزيد بن نفيل وعبيد الله ابن جحش وعبد المطلب وعثمان بن الحويرث وفي تحنثهم في وتعبدهم في غار حراء وقيل ابو بكر أيضاً وخديجة كانوا منهم. .

فيما سبق نجد أن الرسول محمد خرج من مجتمع نصراني - ابيوني في الجزيرة العربية ويبدو أنه قد تأثر بهذا المحيط حتى اعتقد أن الإنجيل العبراني المعمول به من قبل هذه الملل هو الإنجيل الوحيد و الصحيح والباقي كله محرف وباطل.

المراجع :
1- Jerome, Commentary on Matthew
2- Jerome, Against the Pelagians,
3- Eusebius, Theophania
4- قس ونبي - ابو موسى الحريري .
5- موسوعة اقباط مصر .
6-جواد علي - المفصل في تاريخ العرب قبل اﻹسﻼم جزء6