المرأة والمثقف في رواية -من يتذكر تاي- ياسين رفاعية

رائد الحواري
2018 / 5 / 22

المرأة والمثقف في رواية
"من يتذكر تاي"
ياسين رفاعية
الحديث عن علاقة المثقف بالمرأة مسألة في غالية الأهمية، والمثير في هذه العلاقة أن الراوي لا يتحدث عن العلاقة/الحاجة الجسدية، بل عن الحاجة العاطفية/الروحية، وإذا ما علمنا أن الحديث لا يدور عن المثقف العادي، بل المثقف الثوري/المناضل، يمكننا تأكيد أهمية وضرورة التعرف على ما جاء في رواية "من يتذكر تاي" التي تتناول أحداث واقعية وليست متخيلة.
زمن الأحداث هو ما بين عام 1967 وعام 1973، أي بعد هزيمة عام 1967، ومكان الأحداث مدينة بيروت، مدينة التحرر العربي، المدينة المنفتحة على الجميع دون استثناء، فلم تفرق بين رجل وامرأة، أو بين فلسطيني وسوري، أو بين لبناني ومصري، فهي مدينة عصرية بكل معنى الكلمة، وهذا ما جعلها تدفع ثمن تمردها وتحررها باهضا فيما بعد، في الحرب الأهلية، التي حولتها إلى خراب، ثم إلى صحراء، (يغزوا) أهلها بعضهم بعضا، ويقتل بعضهم بعضا، فأمست مدينة أشباح، ولم تعد تلك المدينة التي احتضنت كل المتمردين والثوريين والمتنورين في المنطقة العربية، فذهب رجالها ونسائها أما إلى تحت التراب، أو غادروها إلى مدن أخرى لعلهم يجدوا فيها ما فقدوه في مدينتهم، المدينة الأم التي احتضنتهم وحمتهم في زمن القهر والهزائم.
الشخصية المحورية هي ساقية البار "تاي/عائشة" التي تتمتع بثقافة غير عادية ورؤية فلسفية شاملة للحياة، وتمتاز بجمال أخاذ، واسلوب إنساني في التعامل، بحيث تصبح مكان اهتمام كل المحيطين بها، وهم من خيرة السوريين واللبنانيين والفلسطينيين، وإذا ما علمنا أنهم من رجال الثورة الفلسطينية المؤثرين ومن المؤسسين في تشكيل الفكر والنهج الثوري الفلسطيني والعربي، وممن دفعوا حياتهم ثمنا لموقفهم ونهجهم الثوري، يمكننا التأكد أننا امام امرأة غير عادية، ـ رغم أنها ساقية بار، ورغم ما يوحي ذلك للوهلة الأولى، أننا امام مجرد (فتاة لعوب) تخدم الزبائن وتقدم لهم ـ جمالها ـ مجانا ليشربوا أكثر ويدفعوا أكثر، لكن حقيقة "تاي" لم تكن بهذه الصورة، بل كانت شيء آخر، شيء مغاير تماما، وليس أدل على ذلك الشيء ألا جعل أسم الرواية "من يتذكر تاي" .
"معين بسيسو"
أكثر شخصية فلسطينية يتحدث عنها الراوي هي شخصية الشاعر "معين بسيسو" الشاعر الحساس، مرهف المشاعر، يحدثنا الراوي عن رهافة مشاعر "معين" من خلال هذا المشهد: "... ولمحت زوجة معين على وجه جارتها ما يشبه خيبة الأمل، إذ قالت للزوجة إنها لم تطلب من زوجها سوى شيئا واحدا هو أن يذبح لها الديك، ثن أردفت وهي تبتسم: ألا يصفون زوجك بأنه شاعر المقاومة؟ فعلقت تاي ضاحكة: ولو يا صديقي ... ألم تجرؤ على ذبح ديك المرأة؟ ماذا لو اضطررت أن تقاتل بالسلاح؟ فقال لها: لم تكن وظيفتي أن أقاتل بالسلاح، بل أقاتل بالكلمة" ص19، فمثل هذه المشاعر لا يمكن أن تكون إلا عند شاعر، يخدش مشاعره أي شيء، فما بالنا أن كانت هزيمة أمة، وتشريد شعب بكامله؟.
يقدم لنا الراوي "معين" الإنسان الذي لا يحفل ولا يقبل بموت أي إنسان، حتى لو كان عدوه، فيعمل بكل جهده لكي ينقذه من الموت: "... مجموعة من الجنود الاستراليين المخمورين وفي أيديهم زجاجات الويسكي... فسقط أحد وفر الباقون، كان الجندي قد سقط قريبا مني، ولا أدري ذلك الشعور العاصف الذي انتابني وأنا أراه ملقى وسط الشارع وهو ينزف، ... ترك كل شيء، ربما زوجته وأولاده، ربما أمه وإخوته وحبيبته ليسقط هنا مخمورا دون قضية ودون هدف.... والذي طعنه بالسكين غزاويا، يعني ذلك بالنسبة لي أنه عدو ولو لم يكن عدوا لما طعنه رجل من أهلي... من غزة.. اضطرب، كانت عينا الجندي تتوسلان، فقررت مساعدته" ص40و41، من هنا يمكننا أن نكون فكرة عن شخصية "معين" الإنسان الذي يتأثر وينحاز للإنسان حتى لو كان عدوه، فما بالنا بقريبه، بابن شعبه؟.
... إذن الهزيمة هي مرض "معين" وفعلت به ما لم يفعله السجن أو المنفى: "...الآن لقد فقدنا كل شيء، وستنتشر الخيانات في طول الوطن وعرضه، من القمة إلى القاعدة، ولن نعود إلى فلسطين" ص20، لهذا نجده بحاجة ماسة إلى من يخفف عنه من شدة وقع الهزيمة وأثرها عليه، فكانت "تاي" هي التي يحتاجها: "... حتى أن الشاعر الفلسطيني معين بسيسو وجد فيها ملجأ لأحزانه وخيبته الوطنية، فكان في كل مرة يحمل معه قصيدة جديدة، يحاول قراءتها بصوت مسموع، فتطلب منه التريث، وتأخذ القصيدة تقرأها في البداية بصمت، ثم تعود وتقرأها همسا خافتا للقربين منها، فيصبح للقصيدة بصوتها ذي البحة الجميلة طعما آخر، ثم تلتفت نحو الشاعر لتمتدح قصيدته، فإذا به يبكي بدموع صامتة، كأنه وحده سبب هزيمة حزرين" ص10، "تأي"، هنا، ليست امرأة عادية، لهذا نجد فيها شيء من صفات الأم، وصفات المعلمة، التي تهتم ليكون ابنها/طالبها متفوقا، كما انها تهتم لتزيل ما حل به من ألم وضيق، لهذا كانت هي من يقرأ القصيدة، ومن ثم تقوم بمديحها، لكي يأخذ الابن/الطالب معنوية تساعده على الخروج من حالة الانكسار التي يعاني منها، وهذا ما كان، إذ نجد "تأي" تعطي "معين" طاقة تقدمه من ذاته كإنسان أولا وكشاعر ثانيا، فنجده بهذه الحيوية: "...فإذا بالشاعر معين وقد حمل تحت إبطه دستة من الأوراق. تقدم من تايم حييا ثن قبل يدها. لمحت إلى أن الشاعر بدا لها مرتاحا فسألته: ماذا تحمل في هذا الأوراق .. هل هي قصيدة جديدة؟ ابتسم تلك الابتسامة الغامضة التي عرفناها عنه. فلا هي تنبئ عن فرح ولا حز. قال نعم قصيدة." ص 55.
قلنا في موضع غير هذا أن الادوات/العناصر التي تخفف عن الإنسان هي المرأة، والكتابة، الطبيعة، الثورة، يحدثنا الراوي عن حالة "معين" فيقول: "... وكنت أظن دائما أنه لولا الشعر لأنتحر من زمان، فقد كانت فكرة الانتحار تراوده، ولكن كتابة القصيدة، كانت كافية له للابتعاد عن هذه الفكرة، فيشعل الأمل من جديد، كانت ريتا هي شعلة الأمل، فيرى فيها، في نشاطها الذي لا يفتر مستقبل فلسطين" ص67، نجد المرأة والكتابية هما من انقذ "معين" من تنفيذ فكرة الانتحار، وهذا يؤكد على حيوية الدور الذي تقدمه المرأة للرجل، وعلى أهمية فعل الكتابة بالنسبة للأديب.
"غسان كنفاني"
لم يكتب عن حياة "غسان" العادية ألا القليل، وها هو الروائي يضيف شيء عن تلك الحياة (القصيرة) التي كانت مترعة بالحيوية والنشاط، حتى يبدو لنا وكأن "غسان" ـ في الا شعور ـ كان يعرف ان حياته ستكون قصيرة، لهذا كانت حياته تتسم بالحيوية وبالعمل، وهما اسمة البارزة فيها.
"غسان" على النقيض من شخصية "معين" الذي فعلت به الهزيمة ما فعلت، فحولته من الأمل والعطاء إلى اليأس والحزن العميق، يقدمه لنا الراوي بصورة الرجل المتماسك والفاعل: "...وكان غسان كنفاني هو الآخر الذي أحبته تاي مثل الشغف الطاهر. كانت معجبه به إعجابا شديدا، وها هو، داخل علينا، متوترا كعادته، ويحمل حقن مرض السكر في جيوبه، ليس فقط السكر، بل ما هو أقسى وأوجع مرض النقرس، يدخل متأخرا، بعد ان أنهى عمله في الجريدة، فيتغير الجو من أشخاص حالمين وشبه سكارى إلى نشطين ومصغين للاستماع إلى هذا ارجل الذي لم يفقد أمله بعد، ...ناقل إليهم آخر أخبار المقاومة التي كانت برأيه هي الحل الوحيد لاسترجاع الأرض، ... حتى التفت نحو معين قائلا: إي أخوي، لا تخف. وحق كل قصائدك سنحرر فلسطين من الماء إلى الماء، إنني أرى العلم الفلسطيني يرفرف فوق القرى والمدن الفلسطينية كلها، لا أحلم والله، وسأرى ذلك اليوم عندما أتأبط ذراعك ونرحل إلى غزة والقدس، غزة العرب وجوهرة فلسطين التي ولدت فيها، أعدك أن نزورها معا، قريبا جدا والله" ص38، هذه الحيوية وهذا الأمل يؤكد على أن صاحبه يحمل أملا وإحساسا بأن النصر سيأتي ويكون قريبا جدا.
لكن من أين له هذه الثقة وهذا الأمل؟ ومن أين يأتيه؟ أو ما هي الطرق التي تجعله بهذه الحيوية والثقة؟
تركيز الراوي على العلاقة ما بين "غسان ومعين" يشير إلى أن "غسان" كان حريص على تقديم كل ما يلزم "لمعين" لكي يخرجه من حالة البؤس التي يمر بها، فقدم له الأمل بالمولود الجديد "المقاومة" التي ستعيد كل شيء إلى مجاريه وتحقق النصر، فالعلاقة بينهما تؤكد على أن "غسان" كان يهتم بالمبدعين الفلسطينيين ويأخذ بيدهم إلى ما يخدم المشروع الوطني الفلسطيني، فهو بحاجة لهم كما هم بحاج له ـ الآن ـ وقت ضعفهم وفقدانهم الأمل، من هنا نجده يركز على "معين".
رغم هذه الحيوية التي يتمتع بها "غسان" إلا أنه كان مرهف المشاعر والاحساس، لهذه بعد ان قص "معين" حكايته مع لجندي الاسترالي، نجده بهذه الحال: "...يرفع غسان رأسه لنرى وجهه قد اغتسل بدموعه، ...يذهب إلى لحمام يغسل وجهه ثم يعود إلينا وقد ابتل بالماء من رأسه إلى صدره وملابسه فمد يده إلى جيبه الداخلية وأخرج حقنة خضها مرارا ثم غرسها أسفل بطنه بألم، لعنة الله على السكر، هذا ثم استعاد وعيه" ص41، فإنسانية "غسان" مهمة كما هو الحال بالنسبة لحيويته ولإيمانه، فهو لم يكن (سوبر مان) لا يتأثر بمن حوله، بل إنسان، لكنه إنسان يتميز بحيويته وإيمانه بالحق وبالنصر.
ورغم العمل الكثير والكبير الذي يقوم به: "...كان كتلة من النشاط لا تفتر، مشغولا على الدوام إلى جانب العمل ورئيسا لتحرير جريدة "الهدف" و"المحرر" وكتابة صفحة في ملحق الأنوار.. وبكتابة القصص والروايات...حتى كنا نقول له: أنت عشرة رجال برجل واحد...كان يردد ليس معي وقت وعلي إنجاز أشياء كثيرة للقضية والأسرة والأهل والحب الذي يسندني من أن أنهار، فلا كان يبدو لنا على عجلة من أمره، أن حبيبته فلسطين فوق كل الحبيبات" ص43، وهذا ما يجعلنا نقول أن غسان ـ في الا شعور ـ كان يعرف أنه لن يبقى في الحياة لفترة طويلة، لهذا كان يريد أن ينهي كل شيء وبسرعة وقبل أن تأتي نهاية حياته.
ورغم هذه الكم من الاعمال إلا أنه كان يؤديها على أكمل وجه: "...إذ كان استلم مهام كثيرة كان يؤديها بنجاح كبير، ولم يكن ينام إلا بضع ساعات متقطعة بين النهار والليل" ص204، فالأمر هنا، ليس متعلق بكمية الأعمال التي يقوم بها فحسب، بل بنوعيتها أيضا، فهو متقن لأعماله. وهذه ميزة ثانية تحسب له.
"غادة السمان وغسان"
ميل الرجل للمرأة وميل المرأة للرجل مسألة طبيعية، وهذا الميل لا يكون دوافعه الجنس أو العلاقة الجسدية، بل شيء آخر، يتمثل في الميل نحو الجمال أو الحب للجمال، أو إلى كون هذا الرجل أو المرأة يحمل أشياء وصفات معينه، تجعله/ا يميل إليها، يفصل لنا الراوي هذه العلاقة بين "غسان وغادة" بهذا المقطع: "فكلنا صرنا نعرف قصة حب غسان لتلك الأديبة السورية التي أصبحت مشهورة على مستوى الوطن العربي ... وبدا لنا دائما مناضلا على جدي الشفرة القاطعة حب فلسطين وحب المرأة التي ملأت شغاف قلبه. لم ينجرح يوما في الحديث عنها بما يشبه التبتل والصلاة, إنها الحبيبة السمراء التي تخفف عنه وطأة الواقع الرديء... فيقول إنه عندما كان يشبك أصابعه بأصابعها، يتصور أنها جزء من انتصار هذا الحلم، والجب هو شيء من الصمود والأمل، فما من عظيمـ كما كان يردد ضاحكا ـ إلا ووراءه امرأة" ص42، نحن نعلم أن "غسان" كان متزوج، وكان على علاقة طيبة بزوجته، فكيف يمكن أن نفسر علاقته ب"غادة"؟، وهل هي ناتجة عن حاجته لجسد امرأة؟ أم أن هناك حاجة أخرى وجدها في "غادة" ؟: "قال لي غسان ذات يوم، أنه لم يشته الأديبة الكبيرة أبدا، كان قد اعترف لها بهذه الحالة لأن الموضوع الجنسي مكتف عنده في البيت مع زوجته، وقال لو طلبت منه الذهاب إلى غرفة النوم لرفض، وأن ثلاث سنوات من الحب لم يكن فيها سوى الملامسة البريئة وقبلة الخد لا أكثر، فإذا كان رفض الجنس من اجل بقاء الحب فليكن" ص121و122، مثل هذه الحالات من الحب لا تكون إلا عند الأدباء، فلهم فلسفتهم الخاصة بالحب، ولهم طريقتهم المميزة في التعامل مع الجمال، فما جاء على لسان "غسان" يؤكد على أن ليس كل علاقة بين رجل وامرأة دوافها الجنس أو الحاجة الجسدية، بل هناك حاجة عاطفية وروحية أو حاجات ـ في العقل الباطن ـ لا يمكن أن تفسر عقليا، لهذا يجب احترام تلك العلاقة وعدم أخذها إلى عالم الجسد والشهوة.
"كمال ناصر"
الجميل في الرواية أنها تحدثنا عن العالم الداخلي "لأبطال عظماء" لا يجب أن يتحدث عنهم إلا في مجال الثورة والمقاومة، فهناك إنسان داخل كل هذه الشخصيات العظيمة، وهو الذي نجهله، أو لا نعرف عنه إلا القليل، الراوي يريدنا أن نعلم أن هؤلاء القادة كانوا قبل أن يكونوا قادة هو بشر، لهم مشاعر، ويحسون كما نحس، ولهم همومهم الشخصية كما لنا، وكانت المرأة تؤثر فيهم أكثر ما تؤثر فينا: "صاح كمال: لا تستدرجوني أرجوكم... تكهرب كمال واصفر وجهه وانتقل بسرعة من جو السخرية والضحك إلى جو آخر من الوجوم والتحفظ، فقال مخاطبا غسان: ... أتذكر ... أنا الذي عرفتك على حبيبتك الكاتبة الكبيرة .. هل تنكر؟ أجاب غسان: ليتك لم تفعل ... أنت بيدك قدتني إلى المقصلة... وها أنا الآن أعاني من ثلاثة أمراض أخطرها "الحب" ص14، الحب كان السمة الأكثر أهمية عند هؤلاء القادة، فكلهم كان يرتبك أو ينفعل أو يتأثر عندما يتم الحديث عن تجربته، ف"كمال ناصر" يتهرب عندما يتم الحديث عن تجربته مع المرأة، فلا يريد ان يتذكر ذلك الألم الذي لا ينسى،: "ثم أعلن ميشيل جحا اسم حبيبة كمال ناصر "ريما ناصر" ابنة خاله موسى حنا ناصر، وقال كانت زميلتي في الجامعة الامريكية في بيروت، وقد تخرجنا سنة 1955، وكان كمال متيما بها، أحبها حتى الجنون، لكنها ويا للأسف/ قالت إلى سواه، وتزوجت من طبيب من بلدتها بيرزيت في فلسطين، لكن كمال كان حبه لها فوق طاقته.
وقف كمال هو يصيح: كفى كفى... أرجوكم" ص150، بهذا الشكل كان الخجل والاضطراب يصيب "كمال" عندما يتم الحديث عن تجربته مع المرأة.
"فوزي القاوقجي"
مقابل تخاذل النظام الرسمي العربي هناك قادة عسكريون لم يتوانوا عن القيام بواجبهم العسكري تجاه وطنهم وشعبهم: "لو ترك الأمر لفوزي القاوقجي ورجاله الرائعين لحرر كل فلسطين في أشهر معدودات، ... لكن الأمر اختلف بتلك المؤامرة المرسومة بدقة، جيوش عربية لكنها جيوش بدون قضية وبدون سلاح" ص62. الراوي على لسان "معين" يحمل مسؤولية ما جرى في حرب 1948 و حرب 1967 إلى النظام الرسمي العربي، مبرئا ساحة الجنود من تلك الهزيمة.

"تاي"
ما سبق يجعلنا نتوقف عند هذه المرأة التي استطاعت أن تجعل كل هؤلاء الثوريين يلتفوا حولها ويحيطونها بمحبتهم، فلها صفات مميزة تتمثل في سلوكها مع الآخرين، وفيما تقوله، ولها فلسفتها الخصة في العديد من المسائل: " لا أحب قراءة المخطوطات، احب قراءتها في كتاب أنيق، على ورق أبيض مصقول، فراءتها في كتاب هي صورة عن الكاتب، وأحب أول نسخة كأنها خرجت للتو من المطبعة ورائحة الحبر تفوح من جسدها، نظيفة، متألقة" ص14، بهذه الرؤية يمكننا القول أن "تاي" لها نظرتها الخاصة في الكتاب، فهي تعتبره ليس جمادا، بل كائن حي، يشع نظارة وحيوية، ولهذا تريده أن يكون بكامل أناقته، فرغم أهمية المعلومة التي تحويها ـ المخطوطة ـ إلا أن للكتاب وقع خاص على القارئ.
ومن رؤيتها للكاتب والكاتب هذا القول: "... لكن كتاب الرواية كلما كتبوا رواية أو قصة يموتون موته صغيرة، وتتجمع الأوراق بين أيديهم ليموتوا موتتهم الكبرى" ص130، ومثل هذه النظرة فيها شيء من الفكر الصوفي، الذي تمتاز به "تاي".
لهذا هي تتماهى مع الجمال وتنصهر فيه بحيث تطلق لجسدها ولروحها يحلقا متماهيان في عالم الروح: "لا شيء يجعلنا نذوب مثل أغنية حب بصوت جميل، ذلك المطرب الذي غادرنا، جعلني لا اسيطر على نفسي، اسيطر على نفسي، فوقفت ورقصت، مع أن ذلك قد يضر بجملي، لم استطع، سحر الغناء وسحر الموسيقى جعلاني أرقص وأنا جالسة على الكرسي، الكرسي نفسه طردني كي أرقص واقفة وأن أدور حول نفسي وقد نسيت كل شيء.. بل نسيت أنك هنا، ومن حولي، وتشجعت أكثر عندما رأيت عيونكم شاخصة نحوى" ص142، تناول الأثر الذي تتركه الموسيقى والغناء على الإنسان، ثم توحده وانصهاره معها، وجعل "الكرسي" يطرد جالسه ليتحرر من حالة السكون ويندمج في الغناء، ثم أخذ طاقة من الحضور الذي امتعهم الغناء والرقص، كل هذا يؤكد النظرة الصوفية عند "تاي" التي تنظر إلى الحياة بمنظور كلي.
"تاي" كالينبوع الذي يتدفق ليروي الجميع، وتريد من الجميع أن يشاركوها فرحة الحياة، وهذا ما قالته "لطارق" زوجها: "تعال يا حبيبي... أدخل معي في هذه اللحظة النورانية التي عبر عنها كل هؤلاء الرفاق أجمل تعبير، أنني أخجل أن استأثر وحدي بهذه الغبطة" ص146، بهذا العطاء تميزت "تاي".
ونجدها صاحبة مواقف سياسية ناضجة وعميقة، تعبر عن فهمها لحقيقة الصراع الدائر بين المحتلين الصهاينة وبين العرب: "... لا أوافق على زرع هذا الكيان الغريب عنا في قلب الوطن العربي، قد يهزمنا مرة أخرى ورابعة وخامسة، ثم لا بد، ذات يوم أن ننتصر عليه" ص15.
ونجدها تتحدث عن الزمن بصورة فلسفية: " الزمن لا يرى ولا يرحم، إنه يحفر تجاعيده على أيدنا ووجوهنا، متلاعبا متحكما بمصيرنا" ص17.
كما انها تحمل رؤية صوفية خاصة بها: "..."رب زدني بك حيرة" كما صرخ الحلاج، هذا التحرر بالخالق هو صلب التصوف وفلسفته،... ونقلت لنا ونحن مشدودين لها مسحورين بها، وننصت لها كأننا في محراب وليس في بار، وليس في بار... التصوف هو معرفة كنه الوجود... هذا صحيح.. ولكن لو عرفنا أنفسنا في هذا الموضوع المربك نصبح كمن دخل منزلا، ما ان نفتح بابا، حتى نجد بابا آخر مغلقا، ... متاهات العقل لم يتوصل العقل البشري إلى حل أسرارها، كتب الفلسفة، وكتب الرسائل السماوية والأديان الأخرى كلها لم تجد حلا، مثل معضلة الموت" ص24و25، جعل المسمعين ـ هم من المثقفين ـ يشعرون بأنهم في محراب وليس في بار يشير إلى الطاقة الروحية التي تمتلكها "تاي" وإلى قدرتها على جذب الآخرين إلى ما تقوله، كما اننا نجدها عالمة بالأسس التي قامت عليها الصوفية، وكأنها واحده منهم.
وما يؤكد أنها تحمل شيء من الثقافة الصوفية هذا القول: " من قال لك أن الحمير لا تحب، كل المخلوقات التي خلقها الله تحب، حتى النباتات، حتى العصافير في الغابات، حتى الأشجار تحب، سبحان الله" ص99.

ونجد لها افكار عن الموت والحياة: "الحياة هي الموت والموت هو الحياة، كلاهما ضروري للإنسان، فمن الصعب على المرء أن يتقدم في العمر ثم يرى نفسه بهذه الحالة المزرية" ص29، روية علمية ودينية عن علاقة الحياة بالموت.
وفي هذا السياق نجدها تتحدث عن الشيخوخة فتقول: " عندما تداهمنا الشيخوخة نترنح، وعندما ننتبه، فإذا بنا نرتعش كورقة، وتصبح الشيخوخة عبئا حقيقيا، كأننا أخذنا أنفسنا إلى آخر أطوار الحياة... أحيانا تشيخ وأنت في ذروة الشباب، الشيخوخة تولد معنا، أحيانا تتقدمنا وطورا تتأخر" ص96، نظرة فلسفة بأطوار الحياة البشرية.

ونجدها تقرأ في القرآن الكريم الآية القرآنية في سورة النساء: "وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36" ص32، وما يفهم من هذه الآية أن هناك اهتمام بالعلاقة الإنسانية مع الآخرين، بحيث نقدم لهم المساعدة، المادية والروحية لتكون حياتهم سوية وطبيعية.
ونجدها تقرأ في العهد القديم: "... دور يمضي ودور يجيء، والأرض قائمة إلى الأبد، ...كل الأنهار تجري إلى البحر والبحر ليس بملآن، ... العين لا تشبع من النظر والأذن لا تمتلئ بمن السمع" ص33، مثل هذه الثقافة المتعددة يجعلنا نتأكد أننا أمام امرأة تمتلك ثقافة عالية، ومنفتحة على الآخر.
وتقدم لنا نظرة رائعة حول علاقة الرجل بالمرأة فتقول: "... لماذا الرجال معقدون إلى هذا الحد، ، يظنون أنهم يحبون زوجاتهم، فيما أي امرأة عابرة تدفعهم إلى الخيانة" ص34. هذا نظرة المرأة الخبيرة بالرجال، فلا ننسى أنها عرفتهم من خلال عملها في البار، وتعرفهم اكثر مما يعرفون أنفسيهم.

"الحب"
الجميل في الرواية انها تقدم لنا الحب بطريقة فلسفية، بطريقة تتجاوز المألوف، مما جاء عن الحب هذه الرؤية: " ثم شبهت تاي الحب بالإدمان، حيث لا خلاص منه، ... أن الدماغ يتعامل مع الحب مثل الإدمان، العاشق، دائما، بحاجة إلى جرعات منه مثل المخدر" ص ص22.
ونجدها تنظر إلى الزوج بهذا المنظور: "إن الزواج يحصن الحب، ويجعل الحياة منيرة على الدوام" ص100.
وتحدثنا علاقة الجنس بالحب فتقول: " التمنع يزيد الحب تألقا ويعصمه من تحويله إلى عاطفة عادية تموت ببطء، ...فمن أجل بقاء الحب لنبتعد ونقترب في الوقت ذاته، لنفترق أسبوعا أو أسبوعين فيزداد الاشتياق حرارة، ضرورة الابتعاد بالحب عن التكرار" ص122.
السرد
يستخدم الراوي اللغة الفصحى عندما تتحدث الشخصيات الرئيسة، واللغة المحكية، عندما تتحدث الشخصيات الثانوية، وكأنه من خلال هذا الأمر اراد أن يؤكد مكانة تلك الشخصيات وأهميتها، ليس على مستوى احداث الرواية فحسب، بل على مستوى الواقع أيضا، وهذه احدى الحسنات التي بها جاءت الرواية.
الرواية من منشورات دار الخيال للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2011.