التخلف الدينى والتنوير (3)

ميشيل نجيب
2018 / 5 / 21

طرحت فى نهاية مقالى السابق سؤال: هل التخلف الذى تعيشه المنطقة هو تخلف فى الدين ذاته أم تخلف المُتديِّن الذى يصدق النصوص الدينية؟
الإجابة بأختصار: إذا كنا نعترف برؤيتنا لتلك النصوص الدينية فى الكتب السابقة السماوية أو الإبراهيمية، وأنها توجد فى كتب الديانة الزرداشتية وبقية كتب الأساطير فى الحضارات القديمة، وأن تلك النصوص ما هى إلا قصص أسطورية لا هى غيبية ولا واقعية بل نسجها خيال البشر، مثلما نسجت الشعوب القديمة آلهتها وأصنامها وأوثانها كذلك نسجت اليهودية رأس الشر وبدايته ثم أكملت المسيحية ثم وضع الإسلام نهاية تلك الأديان البشرية الثلاث.

إذن من يؤمن بنصوص أسطورية سابقة لعصور جاهلية متخلفة فهو إنسان يؤمن بالتخلف، أى أنه إنسان متخلف يؤمن بنصوص الأديان المتخلفة ولن يكون لديه نتاج أكثر من التخلف والكراهية والعنف البدائى والعداوة والقتل.
الكلام واضح ولا يحتاج شرح أو تفسير حاخامات الكنيس اليهودى أو كهنة الكنيسة ولا شيوخ المساجد، من يملك عقلاً يستطيع البحث أكثر والوصول إلى نفس النتيجة التى وصلت إليها.

نأتى إلى السؤال الذى يهمنا فى وقتنا الحاضر بعد أن أنتهيت من إجابة سؤال يختصر أكثر من ثلاثة آلاف سنة وتأكيداً أن المواطن المصرى تحديداً ما زال جاهلاً ويعيش على التخلف ومن يروجه دينياً وإعلامياً وسياسياً، قصة يتذكرها الكثيرين وهى قصة أستاذ الجيل أحمد لطفى السيد وترشحه فى الأنتخابات وحاول منافسه المرشح أمامه أن ينشر دعايات كاذبة عن أحمد لطفى السيد بأنه ينادى ويبشر بالديمقراطية المستوردة من الغرب الكافر ولأن الشعب كان جاهلاً وما يزال فقد فسر لهم المرشح الأنتخابى الديموقراطية بأنها الألحاد ونشر الجنس والإباحية والكفر بالإسلام، وقال المرشح للناخبين أسألوا احمد لطفى السيد وأسمعوا إجابته عن الديموقراطية، وفى المؤتمر الذى عقده أحمد لطفي السيد مع الناخبين، سألوه: هل صحيح أنك ديمقراطي؟ وأجاب أحمد لطفي السيد بكل عفوية: نعم أنا ديمقراطي وسأظل ديمقراطيّا حتى الممات.
وأنتخبوا المرشح المنافس وسقط أستاذ الجيل المفكر التنويرى أحمد لطفى السيد!!!

ونفس الحال يمكن أن يحدث الآن بطريقة أخرى وهى: هل أنت علمانى؟؟
العلمانية الكلمة التى أمتلئت كتب المثقفين ورجال الدين بها وفسروها على أنها إباحية وإلحاد والكفر بالدين ونشر الحرية والفساد الأخلاقى، يعنى ذلك أننا ونحن فى القرن الواحد والعشرين مازلنا نعيش فى التخلف ونعتبر التنوير مؤامرة تحت مسميات مختلفة،أتذكر الدكتور المفكر الكبير عبد الوهاب المسيرى ومرجعيته الإخوانية ( السابقة) معروفة، وتعريفه فى كتاب أسمه: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة قدم للقراء تعريفات سفسطائية أختلط فيها السم بالعسل حتى تسممت أفكار الناس وخاصة المثقفين والنخبة الدينية.

إذا كانت الأغلبية السكانية فى جميع الدول العربية تدين بالإسلام فنحن أمام نوعية بشرية تؤمن بأن التخلف هو دين وعقيدة نزلت من السماء، أرسلها الله الذى كما قلنا لم يراه بشر إلى رسوله محمد وما أرسله الله إلى محمد من أقوال على لسان جبريل لم يسمعه ولم يراه بشر، لذلك عندما كان محمد يردد على مسامع أهل قريش ما نزل عليه، لم يكن هذا الكلام غريباً عليهم لذلك كانوا يعرفونه فقالوا له: إنها أساطير الأولين لأنهم سمعوه من قبل فى المسيحية واليهودية وفى روايات أجدادهم وليس فيه جديد، إذن التخلف والمؤمنين به من الأديان أى المتخلفين ما زالوا أحياء ومستعدين للموت دفاعاً عن هذا التخلف، فالتابعين لتخلف الأديان لم ينقرضوا لكن البعض حاول القيام بتقديم أفكار التنوير ووضعه محل التطبيق.

كانت أول محاولة تنويرية وكانت مشروعاً حقيقياً قادته الدولة المصرية ذاتها وليس مجموعة أفراد قليلة، كانت 17 مايو 1805 - 2 مارس 1848 حيث كان الوالى ورئيس البلاد المصرية أنذاك هو محمد على باشا مؤسس مصر الحديثة، لم يحتاج لأفكار تنويرية من مفكرين أو أزهريين دينيين بل كان محمد على لديه طموحات كثيرة وأمتلك من الذكاء والدهاء ما لم يتوفر لأحد فى عصره، ويحكى عنه أنه أمر بترجمة كتاب الأمير لميكافيللى وكان جالساً يستمع لكل كلمة يتم ترجمتها وقبل أن ينتهى المترجم من الترجمة توقف محمد على وقال أنه يمتلك من المكر والحيل والدهاء ما لا يخطر على بال ميكافيللى ورفض ترجمته، أى أن محمد على كان يملك مشروع نهضة تحديثية شاملة لدولة مصر بالكامل.

عمل محمد على فى وضع أفكاره محل التنفيذ وبدأ فى إقامة مجتمع عصرى أهم دعائمه ، لأنه كان يريد إنشاء قوة عسكرية على النسق الأوربى لتحقيق أطماعه التوسعية، لذلك أهتم بالتعليم والبعثات العلمية ونقل التقنيات الحديثة فى الزراعة والصناعة لبناء أقتصاد مصرى قوى تزدهر معه العلوم والفنون والخطط التنموية، ويذكر أن إحدى البعثات إلى فرنسا كان رئيسها أو إمام البعثة وواعظها هو الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى.

كانت أفكار محمد على والى مصر فى القيام ببناء دولة مصر الحديثة والتى تسير عصرياً وفق النسق الأوربى أهم دعائمها النهضة التعليمية والثقافية والبعثات العلمية إلى إيطاليا وفرنسا وإنجلترا والتى بدونها لن يستطيع إنشاء قوة عسكرية حديثة، والأستعانة بالخبراء الأوربيون فى جميع مجالات العلوم والصناعة والأقتصاد، وأدى وجود أشخاص فرنسيين وأجانب يقودون العمل الإدارى والتعليمى فى المدارس الحربية وغيرها ويصلون إلى مناصب إدارية عليا، إلى تزمر الطلبة وعدم رغبتهم أن يكون رؤسائهم أجانب حسب ما يقول الدين الذى يحظر بعدم تولية الكفار على المسلمين، مما دفع محمد على بمكره إلى إقناع الفرنسيين بإعلان إعتناقهم للدين الإسلامى وتغيير أسمائهم مثل الجنرال سيف أو سليمان باشا الفرنساوى.

وبدا واضحاً من مظاهر النهضة أنها أصبحت واقعاً من مدارس تعليمية ومراكز للترجمة ومصانع منها الغزل والنسيج المشهورة حيث أستور محمد على أنواع جديد من القطن تتناسب مع العصر الحديث للتصدير، وأنشأ القناطر الخيرية للتحكم فى منسوب المياة وتدفقها فى دلتا النيل، إلى جانب المدارس الحربية لتعليم وتخريج طلبة يكونون القاعدة لأول جيش نظامى حديث بدلاً من المرتزقة الأعراب والأتراك والمغاربة والأرمن والشراكسة والذين لم يكونوا يجيدون إلا الكر والفر وحرب العصابات.

لكن أدت كثرة أطماع محمد على وحروبه الكثيرة والتقدم الحربى من إنشاء الأسطول البحرى المصرى الذى أغرقته القوى العظمى وغير ذلك من نهضة أرتبطت بشخصيته الكارزماتية المتفردة سواء أختلفنا معه أو عليه، لكن أنهارت نهضة التنوير الذى كان يقودها بنفسه محمد على عندما توقفت الحروب وفرضت القوى العظمى معاهدة لندن عام 1840 على مشروع النهضة أى على محمد على صاحب النهضة الكبرى.

وأستكمل الحديث فى المقال القادم