أدب الحرب في رواية -قلعة عباس كوشيا- يوسف يوسف

رائد الحواري
2018 / 5 / 20

أدب الحرب في رواية
"قلعة عباس كوشيا"
يوسف يوسف
قليلة هي الاعمال الروائية العربية التي تناولت موضوع الحرب ـ إذا ما استثنينا ما كتبه "جمال الغيطاني" من روايات ـ وهذا يعود إلى أن تناولها سيتطرق إلى تخاذل النظام الرسمي العربي، خاصة إذا علمنا ان أهم الحروب التي خاضتها الجيوش العربية خرجت منها مهزومة، وهو ما يجعل الروائي يتعرض للمسؤولية والمحاسبة، كما ان الكتابة عن الحرب تحتاج إلى معرفة بأسس العمليات العسكرية والحربية، وهذا ما يفتقده العديد من الكتاب، وأيضا الحديث عن الحرب يحمل بين ثناياه الألم والقسوة، مما يجعل الروائيين يعزفون عن الكتابة فيه.
يفاجئنا ايجابيا "يوسف يوسف" بهذا العمل ـ وهو أقرب إلى القصة منه إلى الرواية ـ بالطريقة والأسلوب الذي يستخدمه، فيستخدم الصور الأدبية في بداية حديثه عن الحرب ومتجاهلا تحديد الجهة التي يخوض الحرب معها، مما فتح الباب أكثر أمام المتلقي لمعرفة تلك الجهة المعادية، اسم الرواية جاء من خلال: "كان بناء مخفرا حدوديا بعد أن ارتفعت جداران الوطن، عشرة من حرس الحدود/ عباس وبأمرته رستم وفاضل والسائق حمود وآخرون" ص11، هذا الآمر يتعرض لاغتيال مما يجعل أهل القرية يطلقون تسمية: "قلعة عباس القتيل، أو عباس كوشيا" ص12، لكن الجميل في الأمر أن السارد ربط بين المكان وشخصيات الرواية من خلال قول الرفاعي: " ـ لا أحد يرضى أن ينقطع تواصله بترابه أيضا" ص18، مثل هذا القول يرسخ أكثر عند المتلقي عندما بدأ لقصف على القلعة: "أخذت القلعة تهتز تحتهم ، ارتجاجات عميقة، ثقيلة، إلا أن أحساس الواحد منهم بتوغل جذوره نحو الأعماق في باطن الأرض التي يحبها، جعله يشعر بالقوة، وبامتلاكه أسرار النصر كلها" ص32، وهناك فقرة تؤكد أهمية ارتباط الإنسان بالأرض جاءت على لسان "النقيب أحمد": "عندما يكون الإنسان فوق أرضه، إلا تشعر بأنه الأقوى" ص68، وهذا الربط يعمق فكرة العلاقة الاجتماعية والتاريخية والحيوية التي تجمع بين الإنسان والمكان.
يعطينا الراوي صورة التعدد والتنوع في النسيج الوطني العراقي، فمن خلال الأسماء يمكننا أن نعرف أن هناك العربي المسلم "النقيب أحمد العمري"، والعربي المسيحي "إلياس إبراهيم"، والكردي العراقي "كاكه رزكار"، وكلهم يدافعون عن وطنهم، فهم شركاء فيه، كما أن الراوي يقدم الجندي العراقي كمقاتل قومي عربي، من خلال حديث "طالب عن ذكريات والده في حرب 48 في فلسطين والتي جاءت بهذا الشكل: "ـ وحدها الأوامر أوقفتنا عن تحرير الأرض، كانت القرى ترتدي أبهى الحلل وتزحف لاستقبالنا ناشرة فوق رؤوسنا الشيكولاته والرياحين، الناس هم أنفسهم بانتظار زحفكم، قرى عرابة والزبابدة وقباطية واليامون .. ومدن جنين ونابلس وطول كرم .. البحر أيضا بانتظاركم.. لم نكن نريد التوقف أو التراجع.. كانت فلسطين أكبر من كل الأوامر ... اندفعنا شمال العفولة، صدر الأمر، فأذعنا مثلما يقال صاغرين" ص53، اعتقد ما ورد في الفقرة السابقة من أسماء لقرى فلسطينية في منطقة جنين تحديدا، يؤكد لنا سلامة المعلومات التي تناولها الراوي، وهي تقنعنا بأن ما جاء عن والد "طالب" هي معلومات صحيحة، ونجد ذكر لحرب 67 من خلال قول "النقيب أحمد" : "ـ أتسمعون يا شباب... يعتقدون أننا من عرب السبعة وستين" ص69، كل ها يجعلنا نتأكد أننا أمام رواية حربة بامتياز، وأن راويها على معرفة كاملة بالمكان وبالحروب التي خاضها العرب في تاريخهم المعاصر.
كما أن الراوي يقدم لنا إحدى الشخصيات "أبو زينب" المقاتل الذي شارك في مواجهة قوات الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، ومن الذين صمدوا في قلعة الشقيف: "جبلي أتى من الموصل ليروض الجبل، هذا ما كان يقوله أبو العز آمر القاعدة كلما التقت العيون، مئات القنابل كانت تنفجر ليليا جول قلعة الشقيف حيث كان الشباب يرسمون صورة جديدة للوطن" ص20، هذا المقطع يربط المقاتل العراقي بالمقاتل الفلسطيني ويوحدهما معا في مواجهة العدو، وكأن الراوي من خلال تناول صمود المقاتلين العرب في قلعة الشقيف، أراد به أن يمحي الهزيمة والتخاذل الذي كان في حرب 48 و67، فهو يعيد تقديم المقاتل العربي ويضعه في مكانه الصحيح، متجاوزا النظام الرسمي العربي.
ولم يقتصر الحديث عن المقاومة فحسب، بل نجد الراوي يقربنا من طريقة تفكير الفدائي العربي، الذي تجاوز النظام ووضع لنفسه طريقة تفكير تتباين مع فكرة الانصياع للتعليمات والأوامر الرسمية، فها هو "أبو زينب" يعبر عن نفوره من التعليمات الصادرة من القيادة: "ـ أنني أكره هذه التي يسمونها ساعة الصفر يا سيدي.
ـ انني أضيق ذراعا بها، أمقتها، إلا ترى أن أسمها يوحي إلى اللاجدوى؟
أنني أرى نفسي مثل الصقر وهو يستعد للانقضاض" ص35 و36، وهذا ما يجعلنا نتأكد بأن الراوي يعلم تماما نفسية الفدائي والاندفاع الذي يتمتع به للمواجهة العدو وحماسه لهذه المواجهة.
الراوي يقدم لنا شخصيات الرواية بصورة إنسانية، لهذا نجدهم يتألمون ويشعرون بفداحة الأخطاء التي يقترفونها، خاصة إذا ما كانت متعلقة برفاقهم في المعركة، فها هو "الرفاعي" يترك "أبو زينب" في أرض المعركة، بعد أن يصاب، ويذهب إلى القلعة بعد أن ألح عليه "أبو زينب" لكن "الرفاعي" يشعر بأنه لم يقم بواجبه الحقيقي في المعركة، فنجده بهذه الصورة: "أنزله الرفاعي عن ظهره، وقعد إلى جانبه حائرا، لم ير في وجهه سوى صلابته المعهودة، وقوة الحسم التي يمتلكها، ارتمى فوقه مستسلما لموجة حادة من البكاء.
ـ الدموع تغسل الخطايا يا أبا زينب.. ولعلها تغسل خطيئتي عندما اتركك لوحد" ص51، من الجميل أن نرى الحزن والألم في وجه المقاتل، فهو في النهاية إنسان، يشعر بالألم والحسرة والخطيئة تجاه رفيقه، ومثل هذه الصورة تجعل المقاتل قريب منا، حيث يتماثل معنا فيما نشعر ونبدي من مشاعر، خاصة في موقف حساس ويحتاج إلى تغليب العقل على العاطفة.
كما نجد الملازم "خضر" بهذه الصورة: "توقف الياس مع نفسه أمام كلمات الملازم، وقلب الأمر على أوجهه، فادرك صعوبة الموقف، لم يكن وجه الملازم عابسا، إلا أنه بدا مهموما بعض الشيء، وهي حقيقة لم يستطع تجاوزها بسهولة" ص64. وهذه الصورة طبيعية تماما، وتمثل حقيقة الإنسان عندما لا تكون الأمور في نصابها أو كما يجب أن تكون، فالراوي يحرص على تقديم الصورة الإنسانية لشخوصه في المعركة، وليس على أنهم "سوبر مان" لا يهابون أو يتوترون عند الخطر.
أما صورة الجندي الإيراني والطريقة التي يقاتل فيها فجاءت من خلال هذا الفقرة: "...نعرف أنهم يعطونكم مفاتيح يزعمون أنها خاصة بأبواب الجنة، ولك هذا كذب ونذكركم بما حدث للفرقة التي تسمونها ذهبية، لقد أتى جنودها ومعهم المفاتيح، ولم يجدوا الجنة الموعودة بانتظارهم، وانتم كذلك، ستكون جهنم بانتظاركم" ص70، هذه احدى الصور الحقيقية التي استخدمتها القيادة الإيرانية في حربها مع العراق، فكان الجندي الإيراني لا يهتم أو يهاب لموت لأنه يحمل مفتاح الجنة!!.
الرواية من منشورات وزارة الثقافة والاعلام، دار الشؤون الثقافية العامة، دار الحرية، بغداد، العراق، بدون سنة طباعة.