العالم يُحذّر من كتاب فاطمة ناعوت الجديد

فاطمة ناعوت
2018 / 5 / 13



رنَّ جرسُ الهاتف في منزلي في السادسة صباح أحد أيام 2006. استيقظتُ والقلق يعصفُ بي. فإذا بصوت أمي على الطرف الآخر يصرخ: “العالم كلّه ضدك؟! يا نهار أسود! كتبتي ايه وهببتي ايه؟!” طارت بقايا النوم من عيني وانتفضتُ من السرير فزعةً؛ لأنني أعلمُ عن أمي الجديّة وعدم المزاح. “مش فاهمة يا ماما بتتكلمي عن ايه؟ إهدي بس وفهميني!” أجابت بنفس نبرة الصوت الغاضبة: “الأهرام كاتب كده في مانشيت عريض باللون الأحمر!: “العالم يحذّر من كتاب فاطمة ناعوت الجديد!” هنا تيقّنتُ أن هناك سوء فهم بالأمر.
أمي تبدأ يومَها في السادسة صباحًا بقراءة جريدة "الأهرام". ولا تسمحُ لأحد بأن يكلمها في أي أمر قبل وجبة الصحافة "الأهرامية"، كما عادة جيلها؛ من الآباء والأمهات الذين كبروا مع تلك الجريدة العريقة. سألتُها: “طيب ممكن يا ماما تقرأي لي الخبر بهدوء من فضلك، عشان أفهم؟" فبدأتْ تقرأ الخبرَ بصوت مُتهدّج: (صدر مؤخرًا للكاتبة كذا، كتابٌ جديد بعنوان كذا عن دار كذا. وفي مقدمة بعنوان "تحذير ومقاربة"، يقول المفكرُ الكبير محمود أمين العالم: "أيـها القارئ العزيز، حـذارِ أن تصدِّقَ عنوانَ هذا الكتـاب! فكتابتُه لم تتحقّـق، كما يزعم عنوانُه، بالطباشيـر! فهي ليسـت بالكتابـة السَّطحية التي يمكن أن تُمسـحَ أو تُنسى بمجرد مغادرتِها. بل هي بالحـق، وفي غير مغالاة، كتابـةٌ بالحفـر العميـق في حقائقَ وظواهـرِ تجاربنا الثقافية القومية والإنسانيّة، التراثيـّة والمعاصـرة عامـة. كتابةٌ تظلُّ تتابعنـا وتلاحقـنا بعد قراءتهـا. ولهذا أرجو أن تتأهَّبَ أيها القارئُ في قراءتك لعمليتيْ: هدمٍ وبناء- معرفيًّا وموقفًا في وقت واحد، حول العديد من همومنـا الثقافيـة والحياتيّـة السائدة والمُهيمنة.”
كنتُ أستمعُ إليها، وأنا غارقةٌ في الضحك. ولكنّ أمي لم تنتبه إلى ضحكي وأكلمتْ قراءة الجزء المنشور من مقدمة الكتاب وهي حزينة وخائفة على ابنتها، "اللمضة"، كما كانت تنعتني دائمًا، والتي تُسبب لها دائمًا المشاكل والكوارث، وفق رأيها الدائم فيّ. بعدما أنهتِ القراءةَ قلتُ لها: “ها يا ماما، اطمنتي دلوقت؟" لكن أمي فيما يبدو كانت تقرأ بنصف وعي، لأن فكرة أن "العالَم" يُحذّر من كتابي، كانت مسيطرة عليها تمامًا، فلم تنتبه إلى أنها قرأت: "العالِم" بالفتحة: “العالَم"، وليس بالكسرة، كما هو اسم المفكر الكبير: "محمود امين العالِم". وحين نبهتُها أنها قرأت اسمَ الرجل على نحو خاطئ، قالت: “الخبر مش حاطط تشكيل على الحروف. يعني الخُلاصة، الراجل ده معاكِ واللا ضدك؟!” هنا انفجرتُ في الضحك وقلت لها: “يا ماما يا حبيبتي، المقدمة اللي كتبها الراجل ده كأنها جائزة نوبل. وسام على صدر بنتك. الراجل الجميل ده أكرمَني بالمقدمة الرائعة دي يا ماما. وبعدين الكتاب بتاعي موجود على كومودينو سريرك بقاله أسبوع، لو كنتِ قريتيه، كنتي فهمتي الخبر ووفرتي على نفسك الخضّة، ووفّرتي عليا الصُحيان الساعة 6 الصبح مفزوعة على جرس التليفون وصوت غضبك!” عادت أمي لجديتها ورصانتها وشُحّ كلامها؛ وقالت باقتضاب: “هابقى أقراه لما ألاقي وقت. مع السلامة.”
وعلى طريقة "كتاب المطالعة" في مناهج مدارسنا، أجبْ على السؤال التالي: ما هي الدروسُ المُستفادة من هذه القصة الطريفة؟
1- من الخطأ الاكتفاء بقراءة "عناوين" الأخبار أو المقالات أو الكتب، دون قراءة المتن، ثم المسارعة بتكوين رأي في موضوع لم نقرأه لا عرفنا تفاصيلَه.
2- تشكيلُ الحروف في اللغة العربية "ضرورة" حتمية، وليست رفاهية أو "تفلسف" من الكاتب، سواءً كان أديبًا او صحفيًّا أو شاعرًا، أو حتى في رسائل التليفون أو الدردشة على صفحات الانترنت.
لهذا أتمسكُ جدًّا بتنضيد مقالاتي لأن الحرفَ العربي دون تشكيل يُغير معنى الكلمة. وكم دفعتُ من أثمان باهظة من "قراء العناوين" الذين يتكاسلون عن قراءة الموضوع ويكتفون بالمناشيت الذي قد يكون مُخاتلا.
وأما عنوانُ الكتاب "المريب" فهو: “الكتابة بالطباشير"، الذي صدر عام 2006، ويصدر قريبًا في ثوب جديد مُطوّر: "بالطباشير الملوّن" عن الهيئة