لو كان حضن الوطن دافئاً ، لما هجرتَه .

يوسف حمك
2018 / 5 / 10

صديقٌ لي اتصل بي من بلاد المهجر ، يتأفف على ان بقاءه هناك مزعجٌ ، و لا يروق له .
فيتوعد بالعودة إلى حضن الوطن ، في أقرب فرصةٍ ممكنةٍ .
0( بعد حصوله على بطاقة الإقامة طبعاً )

لم يشأ أن يرحل إلا بعد ما أيقن أن الوطن بدأ ينحدر نحو الهاوية .
و أن خزائنه أُفرغت من النهب و السلب ، و أن الفاسدين كانوا يصولون في أرجائه و يجولون دون محاسبةٍ .
السياسيون ألحقوا به الضررأكثر مما نفعوا ، و المؤسسات باتت بؤرةً للفساد الماليِّ و الأخلاقيِّ . و المواطن يُهان في كل مكانٍ و يُحتقر ، و ناهيك عن دمه المستباح .
الأئمة يمارسون الدجل و الشعوزة تحت عباءة الدين .
الملتحون مشغولون بإصدار فتاوى القتل و السبيِّ و نكاح الجهاد .
و القادة عرضوا البلاد للبيع في مزادٍ علنيٍّ .
تجار الأزمات بالرقص على جراح المحرومين و المستضعفين جنوا أرباحاً طائلةً تعجز النيران عن التهامها .
الطفيليون بلغوا أعلى المراتب بزمنٍ قياسيٍّ أقل بكثيرٍ من المتوقع .
و الانتهازيون بذممهم الملوثة لا يكفون عن التصفيق للسادة ، و عن التطبيل للحكام يعربدون .
رجال الأمن عن استتباب أمن الوطن و المواطن غافلون ، لكنهم عن أمن الأفراد حريصون ، و للمصالح الخاصة و كراسييهم عيونٌ ساهرةٌ لا تعرف للنوم طعماً .

صوت المحبة و الوئام و التعاضد خافتٌ يكاد لا يُسمع ، و متراجعٌ متقهقرٌ .
أما صوت التعصب و الكراهية فصاخبٌ لا يُعلى عليه ، و يضخ دم الطائفية و المذهبية في العروق .

الضمائر تحولت إلى سلعٍ تُعرض للبيع ، لقاء راتبٍ أو منصبٍ زائلٍ .
القويُّ يلتهم الضعيف دون أدنى شعورٍ بالخجل .
حقدٌ مفرطٌ ، و كراهيةٌ بلا حدودٍ .

الاحتراب الداخليُّ يغص بالقتلى ، و المشردون يفرون أفواجاً إلى ما وراء البحار و على قوارب الموت .
لا شيء يتحرك ذاتياً ، أو يحدث من تلقاء نفسه ، فجهاز التحكم خارج الحدود .
النملة لا تدب على الأرض إلا وفق برمجةٍ أُعدت مسبقاً في أروقة العواصم الكبرى .
وطنٌ يسوده قانون الغاب ، فلا يشبه الأوطان .
يرفض احتضانك إلا بعد أن تبيع ذمتك و عواطفك . مع الضمير اليقظ يركلك برجليه و يلفظك خارجاً .
إما أن تغمض عينيك ، و تصم أذنيك ، و تلجم لسانك . و إلا فلا مكان لك بينهم .
هكذا يريد الحكام . و هذه هي تسعيرة الوطن ثمناً لاحتضانك ، و على حسب مقاسهم و ضعوها : ( غض النظر عن الجرائم و العيوب ، سد الأذن عن سماع أخبار الانتهاكات ، ربط اللسان كي لا يبوح بالفضائح أو يعترض على الرذائل و مطامع الأوباش ) .
حقاً إنها لتسعيرةٌ مكلفةٌ ، ثمنها وطنٌ و بكامل مخزوناته .

ما فائدة أن تكون مرتمياً في حضن وطنٍ عليلٍ ، و أنت معصوب العينين ، مسدود الأذنين ، مربوط اللسان ؟!
أن تفقد السمع و البصر و الكلام ، فأنت فاقد الإحساس ، و عاجزٌ عن التمييز بين الحياة و الموت . و أنت تكون على قيد الموت ، لا على قيد الحياة .
عش ما تبقى من عمرك هناك بعينين و أذنين و بلسانٍ و شفتين .
إن تكلمت فلست بحاجةٍ لتلتفت حولك ، لا عميل يتصيدك ، و لا مخبر يقتنص كلامك لينقلها إلى مفارز الأمن .
الجدران هناك صماءٌ لا آذان لها ، و خرساءٌ بلا ألسنةٍ .
لستَ بحاجةٍ لتعيش تحت رحمة رجال الأمن . فرجال أمنهم لا يتدخلون في شؤون معيشتك ، و لا علاقة لهم بأفكارك الخاصة . هي حقوقٌ ثابتةٌ لا يحق لأحدٍ أن يلمسها إلاك .

افتح متجراً إن شئت ، فلا يشاركك رجال أمنهم في أرباحك ، و لست بحاجةٍ لترخيصم .
انتقدِ الحكام و المسؤولين ، فحرية التعبير مرخصةٌ لك . و أنت حصينٌ محصنٌ لا تطالك الأيادي السوداء .
كل شيءٍ مباحٌ لك . و حده العبث و إلحاق الضرر بالوطن و المواطن لا يسمح لك بفعلها ، و عليك محظورٌ . على عكس ما نفعله في بلداننا .

في شرقنا اللعين ليس العبث بأمن الوطن فحسب بل و حتى بيعه للمحتل الأجنبيِّ من أولويات قادتنا ، و نهب الأموال العامة من اختصاص سياسيينا ، إذلال الشعب و هدم المدن فوق رؤوسنا من صميم أفعال حكامنا .
كل شيءٍ مرخصٌ لهم إلا البناء ، و تنمية الاقتصاد و الفكر ، و النهوض بالمجتمع نحو الأفضل ، و تشجيع الإبداع ، و زرع بذور الحب و الجمال في بساتين قلوبنا .
أما عامة الشعب فممنوعٌ عليهم فعل أي شيءٍ ، و كل شيءٍ لهم خطٌ أحمرُ باستثناء التصفيق لجرائم حكامهم ، و التطبيل لهدم الوطن ، و الزغاريد لبيعه ، و سلب خزائنه ، و التزمير لإذلال المواطنين و اغتيال الأفكار النيرة في مهدها .