ترامب وخامنئي

أفنان القاسم
2018 / 5 / 9

ترامب كان واضحًا: أريد مليارات السعودية والإمارات وباقي الدويلات النفطية مقابل حماية أمريكا وإلا سقطت هذه الأنظمة خلال أسبوع وخاصة مليارات التسلح ضد الخطر الإيراني في العالم العربي ومليارات التملح مع الخطر الإيراني في سوريا

خامنئي كان واضحًا: الانسحاب الأمريكي من الاتفاق الإيراني إهانة للمسلمين، قال إهانة واكتفى بكلمة أو بكلمتين عند الرد على الملفات الكبرى كما هو دأبه

لكن ليست الإهانة إهانة ولا الابتزاز ابتزازًا عندما ننظر إلى الحيثيات التي أهمها العقوبات، والباقي كله كوميديا، فالانسحاب يقضي بترحيل الشركات الأمريكية في إيران خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر، وكلنا يعلم أن تبديل اسم الشركة تحت هوية جديدة حتى إيرانية –كما هو جارٍ في فرنسا مثلاً بخصوص الشركات الأمريكية وغير الأمريكية برداء فرنسي- يكون بابًا فَتْحُهُ من أسهل ما يكون لِتُواصل هذه الشركات عملها بعقود جديدة، بينما أهم الأهم هو تصدير النفط والغاز الذي لم يتطرق إليه الرئيس الأمريكي، ولن يتطرق إليه، لضمان الموقعين على الاتفاق الآخرين، لهذا لم ينظر خامنئي إلى القرار الأمريكي من الناحية السياسية التي لن تتغير بانسحاب أو بدون انسحاب، ونظر إليه من الناحية الأخلاقية

ليس هناك ما يحير إيران: المليارات التي سيبتزها ترامب ليست ملياراتي فليكن حتى الشيطان له حليفًا! والهجوم العسكري على إيران لن يكون لا من إسرائيل ولا من أمريكا نفسها طالما أن هذه المليارات مشروطة بالحماية المزعومة للنظام السعودي والأنظمة الكرتونية وليست مشروطة بالاعتداء على النظام الإيراني، إنه ضمان أمريكي ضمني لإيران، إضافة إلى ضمان الدول الموقعة على الاتفاق، والتي صرحت جميعها الالتزام به والدفاع عنه

لكن

هذه واجهة الصحارة كما يقال

ترامب –وعندما أقول ترامب أعني أساطين المال والأمن الأمريكيين فما ترامب سوى دمية متحركة- انسحب من اتفاق التبادل الحر في شرق آسيا واليوم هو في صدد إعادة ترسيم سياسي واقتصادي سلمي لدول المنطقة، فهل هو الشيء نفسه في الشرق الأوسط؟

خامنئي بلسان ظريف وزير خارجيته تكلم عن إجراءات لم أعرف منها سوى ما قاله يوم أمس روحاني: إنه أعطى تعليمات للعودة إلى إخصاب اليورانيوم في حالة ما فشلت مشاوراته مع غير أمريكا من البلدان الموقعة على الاتفاق، وبالطبع لن تفشل مشاوراته لموقف هذه البلدان المؤيد والمدعم، فهل هو التكتيك الأمريكي نفسه بعد أن انتهت الحرب في سوريا كما انتهت في العراق وعما قريب في اليمن؟

خامنئي وترامب، وبالإضمار السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط والسياسة الإيرانية، مع قوس قزح، سيتوصلان إلى تحقيق السلم بأقل التكاليف، وفي نفس الوقت بأكبر الفوائد، المليارات التي يسعى ترامب إلى الحصول عليها عن طريق الابتزاز ستكون له وبكل سرور عن طريق الاستثمار، والحلم الإيراني في تصدير ثورته، سيكون له وبكل سرور عن طريق تصدير ثروته –كما سبق لي وقلت في أكثر من مكان- عن طريق البناء، بناء إيران أولاً وقبل كل شيء وبناء الشرق الأوسط

ترامب ما له عزمة ولا عزيمة بدون قوة العزم التي يتمتع بها خامنئي، وكل حيثيات حدث اليوم تشير إلى ذلك، هذا ما أراه أنا بعين الخبير، وبعين الخبير أرى العلاقة التي تربط البلدين بقوة وبأشد ما يكون عليه الربط، في التصعيد مثلما هو عليه في التهبيط