نحو استعادة العقل العراقي دوره الكوني /2

عبدالامير الركابي
2018 / 5 / 8

نحو استعادة العقل العراقي دوره الكوني/2
عبدالاميرالركابي
تاسس المنظور المعروف ب"العلماني" في العراق، بعد العشرينات من القرن المنصرم، بقبول مؤسسيه، وبحماس شديد، واقتناع لاتشوبه شائبة، ب "انبثاق العراق الحديث"، بناء على "التحاقه بالسوق الراسمالية العالمية"، وهي قاعدة، وفكرة استعمارية استشراقية، تبناها الشيوعيون، والليبراليون خصوصا، مصدرها الضابط الانكليزي، الملحق بالحملة العسكرية البريطانية، "فيليب وايرلند"/ بدا الشيوعيون بوايرلند وانتهوا ببريمر !!!!/ فالراسمالية العالمية، حريصة على ان تخلق أمما جديدة، تناسب الزمن الذي وجدت فيه هي، مع اختلاف جوهري، عادة مايطمس ولايشار له، فالغرب واممه الحديثة، ودوله ونظمه تشكل في العصر الحديث، ذاتيا، ووسط مسارات الثورة الصناعية البنيوية الانقلابية الشاملة، وعصر الانوار الممتد على طول خمسة قرون، اما غيرهم مما ينتمي لخارجهم، ومادون نهوضهم الحديث، فيتحقق في التاريخ الحالي، بالتبعية والتاثر، و "الالتحاق".
هذه الفكرة الخطيرة، لم تلاق اية وقفه تستحقها، من قبل، بل جرى تلقفها وتبنيها، كما هي، وكانها الحجة الضائعة، لتصبح مجالا لما شاء رهط من الاشخاص، المتعلمين على النمط الغربي الوافد المستجد، واطرافه، وفتاته، عاشوا وقتها عند اواخر العهد العثماني، وبدايات الحضور الغربي، وكانوا معنيين بالشان الوطني العام، امتازوا بنوع من "الجهل المطبق" في التعامل مع، والنظر الضروري والبديهي لواقعهم، وللحقيقة التاريخية والحضارية ومن ثم الكونية، والمذهل ان يبلغ مستوى ودرجة تماهيهم، مع الفكرة المستعارة، او منظومة الافكار، والنموذج الغربي، درجة من التصديق والتبني الايماني، غير القابل لاي نوع من المحاكمة، بحيث يتحول هذا النوع المرضي الانفصامي، من العلاقة بمنجز الغير، دليلا على الصدق، ودالة من دلالات صفاء الانتماء للعصر، وللحظة التاريخية.
ولايزال مثل هذا الشطر من التجربة التاريخية، وتجلياتها، خارج التحليل او التصنيف، لم تخضع هي ومنجزها، وشخصياتها، وسلوكهم، ومااعتراها من علائم المرض، والانفصام، التاريخي، البنيوي الحضاري، بما في ذلك الاسباب القاهرة، او المحفزة التي دفعت بهم لمثل الخيارات التي اتبعوها، فمن ميزات التفكر المقصود هنا، الاولية الاقرب للبدائية، والاحادية السطحية، وتجنب النظر للاشياء، بحسب كينونتها المركبة، والمتداخله احيانا من عدة مستويات وبواعث، يحركها جوهر ناظم، ومع طغيان الخطابيه، والشعاراتية الملازمه للاحادية الايديلوجية، فلقد تم تكريس نوع من الاحكام، والسرديات، وتقييم الادوار، وحقيقة الاشخاص، تعزلهم عن جوهر مكانهم التاريخي، خلال لحظة انتقالية استثنائية، التقت على صياغتها عناصر مختلطة ومتضاربة، من تجنب، لابل الغاء البحث في الذاتية التاريخية، هربا من صعوبة الخوض في كينونة مستعصية، تتفوق على المتاح من قدرات معرفية وعقلية في حينه، بجانب ضغط مزدوج، مصدره الواقع، والغرب وضخامة حضوره، مع قوة زخم رد الفعل البنيوي عليه، مع مايتيحه الغرب كنموذج، من مثال محفز على التمني، والحلم بالحرية، وربما بالاشتراكية، في غير مكانهما واوانهما، كما حصل مع ظاهرة"شيوعية التماهي مع نموذج اشتراكية الدولة الروسية".
وكل هذه الاسباب والمحركات، والعوامل، تظافرت متداخلة في حينه، لتصبح ملامح مرحلة، وفاعلين، اهم ميزاتهم، قصور رؤاهم، وفقرها المدقع، ومحدوديتها، وتعاملهم مع واقعهم من منطلق استحضار النموذج الغالب، فلم يحدث مثلا على الاطلاق، الذهاب الى سؤال بديهي، من نوع: كيف يمكن لبلد، ومكان مثل العراق، ان يدخل عالم اليقظة والنهوض، والالتحاق بالعصر، مع فرضية قطيعة كلية مع ذاته، ومع اشكال وصيغ تحققه الكوني في التاريخ، تكرارا، وخلال دورتين كبريين، كونيتي المؤدى والتبعات.؟
كيف يجوز، تصور نهوض يلاد، كانت هي موئل الحضارة البشرية، وموقع الرؤية الكونية الاولى، الاوسع حضورا، في العقيدة والوجدان البشري، بقراءاتها الثلاث الكبرى، النبوية الابراهيمية، ومن اكتشفت كل مايعرفه الانسان، ويمثل تأسيسا لوجوده، من المدينة، الى الكتابه، الى التنظيم المجتمعي، الى الاسطرة، والتساؤلات الاولى، واولى اشكال اعقال الكون، والوجود، الى التعليم، والى مالايحصى من اشكال الانجاز الشامل، الحيوي، قبل ان يقع في " الانقطاع الحضاري" الاول 539 قبل الميلاد/ 636 ميلادية، يوم دخل دورته الحضارية الكونية الثانية، بتحويل الاسلام الجزيري، واعادة صياغتها بحسب الرؤية الاصل، الى اسلام ابراهيمي، كوني الطابع، والحضور والفعالية، هو ماشاع وبقي كحدث كبير، قبل ان يعود لينتكس "سلفيا/ ويعود لاصله جزيريا "، بعد وقوع هذا المكان في الانقطاع الثاني، 1258مع سقوط عاصمة الامبراطورية الكونية، العراقية الثانية، بعد بابل، والى القرن السابع عشر، حين عادت الاليات الوطنية للعمل، بظل تراجع وطاة، ومفاعيل حقبة الانقطاع الثاني، لتبدا دورة حضارية ثالثة، ماتزال مستمرة الى اليوم، منذ القرن السابع عشر، من ظهور "الاتحادات القبلية"، تكرارا في سومر التاريخية، واهمها "اتحاد قبائل المنتفك".
هل يجوز، او هل يمكن اعتبار، من يتجاوز مثل هذه الملامح، من السردية الوطنية التاريخية لارض الرافدين، معبرا عنها، او يدعي الانتساب لها وتمثيلها، في وقت هو يقفز بدون اي تحر، ولا توقف، وبتنازل مشين، مستلهما ماركس ولينين، والغرب بديمقراطيته وقوانينه، ومنظومة تفكيره الحديثة، متجاوزا حقيقة تتخطى نطاق العراق والغرب، وتقصّر بحق الغرب نفسه، ودلاله حداثته، لابحق العراق وحسب، فتسيء للعملية الحضارية والتاريخية الكونية، واحتمالاتهان ومنطوياتها. وعلى فرض ان ماهو امامنا، وبين ايدينا، من معطيات، ومع معاملتها بحيادية واستقلال، قد عرضت على اي كان، ممن يمكن ان يتحلون بسعة التصور، والعقلانية، افلا يخطر له، مايجوز ان نعتبره وقفة، او تلبثا، يحوم فوقه سؤال كبير؟، من نوع: الا يمكن لهذا الموضع الكوني، الفعاّل، بحسب التجربة، ان يكون مصدر اغناء للحداثة، والتاريخ الراهن؟، وهل التعامل معه، بطريقة الغمط، والنفي الجاهل لحضوره الكوني الفعّال، هو باي مقياس كان، من موجبات العقل والحكمة؟.
كيف يمكن ان يكون يوسف سلمان " فهد"، او كامل الجادرجي، حداثيان، عارفان بالغرب، مؤمنان به، ساعيان بكل طاقتهما وجوارحهما، لاستعارته، واحلاله محل تاريخهما، وكينونتهما، ومع ذلك يعدان عراقيان ووطنيان، او لهما علاقة بالفكر، والحقيقة، والحداثة قبلها؟ واضح ان هذا النوع من الفاعلين الحداثيين، كما يسمون، هم نماذج من حقبة ومرحلة، هي الاخيرة الاستعارية الغربية، من مراحل ماقبل يقظة العقل العراقي والعربي، بما هي بقية، ولحظة اخيرة، من لحظات توالي بقايا اثر، وفعل التاريخ الانقطاعي الثاني، المستمر منذ القرن الثالت عشر، فكون عملية التشكل، بدات في القرن السابع عشر، وماتزال مستمرة تكاملا وصعدا، لايعني ان تحققها عقليا، وبالادراك قبل الفعاليّة المنتظرة المتوقعة، والانقلابية، ممكن، او هو مما يجب، او من الحتم، ان يترافق مع بدايات عملية التشكل، ومن دون خبرات قد تطول، لابد منها، قبل ان يتهيا العراق للعبور نحوحقب، وازمان الخروج من وطاة متبقيات الاطوار المنقضية، من المراحل التاريخية الحضارية، ومنها ومعها، تاثيرالغرب الحالي، وحداثته، وانعكاسها على البنية العراقية، والابراهيمية الناطقة بالعربية.
لو اردت ان اجمع حصيلة ماهو متحقق في هذا المكان، خلال دورتين حضاريتين، الاولى السومرية البابلية، الاستهلاليه التاسيسية، والثانية العباسية القرمطية، وذهبت لاقارنهما بمنجز اي بلد معروف في العالم، ومنه اوربا الحديثة مجزاة، ومجتمعة، لكان هذا مما يحق لي تماما، لابل مما يفرضه علي، وعلى العقل، منطق الاشياء، وقوة دفع الحقيقة، الكامنه وراء ظاهرة التاريخ والوجود، كذلك فانني ساميل وقتها، بناء على الحق والبداهة المتاحة لي كعراقي، لان اعتبر المكان الذي انتمي اليه، واحدا من مواضع السرالكوني، ومايمكن ان يكشف عن حقيقة التاريخ والمستقبل، ليس اقل من المنجز الاوربي الحالي، ان لم يكن ابعد، هذا اذا لم اتوسع في متابعة الافتراضات، واتذكر بان الغرب الحالي، هو منجز لاحق، يقف قبله المنجز الاكبر السابق عليه، العراقي، الذي حرك قوى الانتاج الشرقية، وارتفع بالطاقات التجارية والانتاجية على مستوى المعمورة، لأعلى ذراها، واوسعها، وانه هو الذي حفز العالم الاوربي الراهن، فالحدث الاوربي، ليس حدثا مستقلا، ولم يكن، ذاتيا صرفا.
اكثر من هذا، ولكي اكون حيا، وجديرا بالمكان الذي انا منه، فانني لم اكن لاتاخر عن ان اعتبر الغرب، متاخر تاريخيا، وان كان متقدما اليوم منجزا، وان منطقتي، وفي قلبها العراق الذي اعيش فيه، وولدت بين نهريه، متقدم على الغرب الحالي تاريخيا، وانه من الناحية الحضارية الكونية، برسم الصعود، اذا صعد وحلت ساعة يقظته، نحو عالم "مابعد غرب".
ـ يتبع ـ