متى يستعيد نظامنا السياسي وعيه

صادق محمد عبد الكريم الدبش
2018 / 5 / 8

متى يستعيد نظامنا السياسي وعيه وينهض من سباته ؟

استبشر الناس خيرا بعد الانهيار السريع للصنم ونظامه الغير مأسوف على رحيله ، بالرغم من أن ذلك حدث على يد المحتل الأمريكي ، ولم يكن في حسبان السواد الأعظم من الشعب ، بأن الاحتلال سينتج نظاما معاديا لتطلعات شعبه !...أو لنقول نظام لا ديمقراطي يفتقر الى المصداقية والامانة والنزاهة والعدل والمساوات بين مكونات شعبنا وأطيافه المختلفة ومناطقه .

الاحتلال الأمريكي لم يحقق لشعبنا ، الحد الأدنى للعيش الكريم ( الخدمات شحيحة ...كهرباء وصحة وتعليم على أسوء ما يكون ، وأغلب المدن والقصبات العراقية من دون خدمات الصريف الصحي والمياه الثقيلة ومياه الأمطار ناهيك عن غياب الأمن ، ولم يطرئ اي تقدم في طرق المواصلات المدمرة في داخل المدن وخارجها .

أما البطالة فقد تزيد اليوم على ما نسبته 30% !.. والذي زاد في نسبة الفقر والفاقة ، وخاصة بين الطبقات الدنيا ، والبلد ونتيجة للزيادة السكانية وغياب مشاريع بناء المدارس والمعاهد والكليات التي يجب ان تستوعب أعداد الطلبة الدارسين والذين هم في ازدياد مستمر ، وغياب وسائل الترفيه المختلفة للعوائل والشبيبة والتي تشكل أكثر من 50% من التعداد السكاني من كلا الجنسين .

وتعثر تنفيذ مشاريع السكن لملايين اللعراقيين ، الذين ليس بمقدورهم الحصول على دار سكن لائق لهم ولعائلاتهم نتيجة الفقر والفاقة ،والبطالة وأرتفاع تكاليف البناء .

الأهتمام بالأندية الرياضية والملاعب الرياضية والمسابح والنوادي ودور الرعاية لذوي الأحتياجات الخاصة ، ودور الايتام ورعاية الثكالا والأرامل فجميعها غائبة عن أعين النظام السياسي الحاكم ، وكما يعرف الكثيرين ، ونتيجة للصراع على المغانم والحرب وسيطرة العصابات الارهابية على مساحات واسعة ، فقد إزداد عدد المطلقات والارامل والعوانس ، وغياب المشاريع والبرامج لاعانة هذه الشريحة ، وتوفير لهم الحد الأدنى من العيش الكريم .

أما الحريات العامة والحقوق المدنية والمساوات بين الجنسين والنظرة الدونية للمرأة والتضييق عليها وسلبها للكثير من حقوقها بحجج وذرائع واهية وكاذبة ومظللة ، وتنم عن نظرة دونية متخلفة وظلامية ، والتي هي سمة من سمات النظام السياسي القائم ، الذي جاء بعد الاحتلال الأمريكي .

هذا وغيره يحتاج الى تبيانه والوقوف عنده وبشيء من الاسهاب ، فهو يحتاج الى صفحات وربما الى تحرير كتب في أُمور كثيرة !.. ونها قضية المرأة ، وما تعانيه من هضم لحقوقها وسلب لكرامتها ولحقوقها كونها نصف المجتمع ، ومحاولات تجريدها من كل شيء ، والابقاء عليها تابعة لإرادة الرجل .

لم يتمكن النظام السياسي الحاكم ، وبالرغم من مرور اثنتا عشرة سنة على قيادتهم للحكومة ( الدولة ! ) فما زال العراق يحكم بعقلية الحزب الأوحد والقائد الضرورة والطائفة الواحدة والدين الواحد والرأي الواحد .

أما الوطنية والمواطنة وقبول الأخر ، والدولة العادلة فهي غائبة عن فلسفة وسياسة وذهن النظام السياسي ، وهي موجودة فقط في الدستور العراقي المركون في كثير من بنوده وفحواه .. مركون على الرفوف العالية .

وعند محاججتهم بكل هذه الخروقات والموبقات وبكل هذا الفشل والفساد والتردي !..

فيظهرون على شاشات التلفزة ووسائل الإعلام المختلفة !!.. لتأكيدهم على حرصهم على الالتزام بالدستور وفحواه وببنوده ، وبعيدين كل البعد عن خرقه والقفز عليه ..

ولكن الحقيقة غير ذلك تماما ، وحياة الناس والبلد هي التي تتكلم !..وما تم تبيانه فهو الحق والحقيقة ذكرته .

شعبنا ومنذ ما يقرب من عام ، ومساحات كبيرة من أرض العراق بيد أعتى قوة إرهابية مجرمة ، والتي لها أبعاد وامتدادات إقليمية ودولية ، والارهاب يحصد أرواح العشرات يوميا وبمختلف الطرق ( عبوات ناسفة ..وسيارات مفخخة ..واختطافات واغتيالات يقوم بها الارهابيين وعصابات الجريمة المنظمة والميليشيات التي تعبث بأمن البلاد والعباد، وهي مدعومة من قبل الدولة وأحزاب الإسلام السياسي الحاكم !!..

ومع شديد اتلاسف فقد تم استيعابها ، من خلال تشريع قانوني يمنحها الشرعية بتواجدها على الساحة العراقية !..وتمول من قبل الدولة ووفق قانون تم إصداره بهذا الخصوص ، والناس تعرف اليوم بما يطلق عليه ( بالحشد الشعبي ) ... وهذه مخالفة صريحة للدستور والقانون ، ولا يصب في مصلحة العراق وشعبه ووحدته وسلامة أرضه ونسيجه الأجتماعي ، ولا يساعد على إستتباب الأمن ولا التعايش .

أن مواجهة المشروع الأمريكي الغربي ، والحفاظ على وحدة شعبنا ووطننا هو ضرورة وطنية عاجلة ، والعمل على محاربة الطائفية السياسية ، والتمييز بين مكوناته وعلى أساس الطائفة والقومية والمنطقة ، كون ذلك كله لا يصب في مصالح البلاد العليا ، وهو أسفين غايته النيل من هذه الفسيفساء الجميلة من مكونات شعبنا ، والغاية تمزيق وحدتنا وتماسكنا .

ومواجهت هذا كله ، لا تكون بالتراشق الاعلامي وكيل التهم لهذا الطرف أو ذاك ، وزيادة الشحن الطائفي والقومي ، وإثارة البغضاء والتمترس والاستقواء بالسلطة لاقصاء والغاء الأخر .

أن المنطقة تسير نحو المجهول ، ولن يتوقف هذا التدهور الذي ترعاه وتغذيه وتزيد من سعيره ، دول اقليمية وعربية ودولية ، وستزداد محنة هذه الشعوب ، ويستمر الموت والدمار والخراب والجوع لسنوات أخرى ، إذا لم تعي شعوبنا وقواها السياسية لحقيقة وضعها الكارثي .

مستلزمات الحل يتوقف على إرادة هذه الشعوب ، وليس الاعتماد على العامل الخارجي ( أقليميا وعربيا ودوليا ) الحل هو عندنا ، في داخل بلداننا ومن رحم شعوبنا ، وعلى الجميع ان تعي حقيقة ذلك وبأسرع وقت واليوم وليس بعد حين .

على نظامنا السياسي والقوى السياسية الممسكة بدفت الحكم ، الذين بيدهم ناصية القرار / وكذلك من هم خارج السلطة ، المأيدين للعملية السياسية ، ومنظمات المجتمع المدني وشريحة المثقفين وكل الخيرين ، أن يرتقوا لمستوى المسؤولية ، ويحكموا ضمائرهم ، بالوقوف الى جانب العراق ..أرضا وشعبا ومؤسسات ، من خلال وحدة مكوناته وأطيافه ومناطقه ، وأن يعيدوا النظر في بناء الدولة ، وعلى أساس مبدأ المواطنة وقبول الأخر ، ولقيام دولة مدنية ديمقراطية علمانية ، دولة العدل والحق والمساوات ، وإعادة بناء القوات الأمنية والعسكرية على أساس المواطنة والمهنية والوطنية والخبرة والكفاءة ، ورفدها بكل مقومات النجاح عددا وعدة .

إعادة العمل بالخدمة الالزامية ، التي تشكل حجر الزاوية وترسخ مبدء المواطنة ، وقيادتها وإدارنها من قبل أناس مشهود لهم بالنزاهة والخبرة والوطنة والكفاءة ، وهذا وحده كفيل بهزيمة الارهاب والارهابين ، وهي التي ستحقق العدالة ويستتب الأمن والسلام في ربوع الوطن ، وسيادة القانون واحترام الدستور وعدم خرقه والتجاوز عليه .

والمسألة الأخرى والتي لا تقل أهمية عن سابقاتها ، ألا وهي استيعاب الميليشيات وتصفيتها وحلها ، والتي تنتظم اليوم بالحشد الشعبي أو غيرها ، يجب استيعابها في دوائر الدولة وحسب الحاجة ، حسب كفاءة ومؤهل كل فرد منهم ، وحسب قدراتهم الذهنية والبدنية ، ومن يصلح للانتساب الى القوات المسلحة ويجتاز الفحص والشروط اللازمة لقبوله في صنوف هذه المؤسسة فيتم قبوله وفق شروط ونظم هذه المؤسسة .

بذلك نكون قد استوعبنا هذه الميليشيات داخل هذه المؤسسة ، وساهمنا بخلق جو من التفائل والرضى عند هذه الشرائح ، ومنعنا الظواهر المسلحة والميليشيات الخارجة عن القانون ، واستعراضاتها المسلحة ، والتي نشهدها على طول العام !!.

وحول مهمة مجلس النواب ، هذه المؤسسة الهامة والقائدة للسلطة التشريعية ، عليها أن تسرع بتشريع القوانين التي تنظم عمل الدستور وما يحتاجه من قوانين ، التي تنظم سير العملية السياسية وبناء الدولة ، وعلى أسس عصرية وقانونية متحضرة ، ومن هذه القوانين الهامة وهي كثيرة وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ، قانون المحكمة الاتحادية وأهمية ذلك ، واختيار أعضائها ، لا على أساس الحزب والطائفة والقومية والمنطقة والدين ، بل على أساس الوطنية والنزاهة والخبرة المهنية والادارية ، كي تكون مؤهلة للقيام بواجباتها على أحسن وجه .

وقانون الأحزاب والذي لا يقل أهمية عما سبق ، هذا القانون الذي من خلاله سيتم تنظيم عمل الأحزاب ونشاطها، المالي والسياسي ونظامه الداخلي والذي يجب ان ينسجم مع الدستور ومع مصالح البلاد العليا التي جاءت بالدستور الدائم .

كذلك قانون النفط والغاز والمنظمات المستقلة والتي يجب أن تكون مستقلة حقا وليس فقط إسما وتكون تابعة لهذا الحزب اوذاك أو لهذه الطائفة أو تلك .

على القوى السياسية ان تتجاوز المحاصصة التي دمرت الدولة والمجتمع وأشاعة الفساد والإفساد المالي والاداري والسياسي .

الخروج من عباءة وهيمنة الدول الإقليمية والعربية والدولية ، وأن ننتهج نهجا وطنيا خالصا ، ومن خلال ذلك ستحترمنا هذه الدول التي تريد مصادرة قرارنا السياسي وتسلب وطنيتنا وثرواتنا ، وتحت ذرائع طائفية ومصالح نفعية وبروتكولات لا تعود عللينا بالخير ، بل بالضرر والشرر والكوارث ، والرابح الوحيد هي هذه الدول التي توهمكم بحرصها على مصالحكم ومصالح بلدكم ، ونحن الخاسرون .

الجميع بإمكانه التعايش مع الجميع ، في بلد يحترم الدستور والقانون ، وتكون حقوق المواطنين مكفولة وكرامتهم مصانة ، عندها سيعيش الجميع برخاء وأمن وسلام ، تجمعهم المحبة والتأخي والتعايش والتعاون في بناء الوطن ، ومن دون كراهية وحقد وضغائن وتمزق .

مهما اختلفنا وتقاطعنا في كثير من مفاصل الحياة ، لكن يجمعنا جامع واحد ، هو المواطنة والوطن والتعايش فيه .. وهو قدرنا ومصيرنا ، وعلينا أن نعي هذه الحقيقة ، فمهما احتربنا وتقاتلنا !..فلابد بعد ذلك إلا أن نجلس سويتا ونتحاور ونتفق على أن نتقاسم العيش بحلاوته ومرارته ، بخيره وشروره وصعوباته .

فهل لنا أن نبني دولتنا اليوم بمشاركة الجميع ، وعلى أسس رصينة وبعقول منفتحة ومتفتحة متبصرة ، ويقر الجميع ، بأننا وجدنا مختلفين في الدين والقومية والفكر واللون والسلوك والفسفة والتفكير ، قبل ألاف السنين وسنبقى كذلك ، ما دامت الحياة وعجلتها تسير الى الأمام ولا تتوقف .

أم نختار الموت والدمار والكراهية والالغاء والاقصاء ؟... ولكم الخيار يا عقلاء القوم .. ويا شعبنا الصابر .

صادق محمد عبد الكريم الدبش

7/5/2015م