الرئيسُ والبيسكليت...والعجبُ العجاب

فاطمة ناعوت
2018 / 5 / 7


في زيورخ السويسرية، كنتُ أقفُ مع مجموعة من شعراء العالم، أمام باب المسرح الكبير، الذي سنقرأ قصائدنا على خشبته بعد قليل، ضمن فعاليات مهرجان "المتنبي" الشعري العالمي الشهير. وفيما نتحدث ونراجع قصائدنا، شاهدتُ رجلا يتقدّم نحو بوابة المسرح راكبًا دراجة هوائية، ترافقه حسناءُ تقود دراجتها، وقد اعتمر كلٌّ منهما خوذة فوق رأسه، كما ينصُّ قانونُ قيادة الدراجات. صفّا الدراجتين، وخلعا الخوذتين، ثم دخلا المسرح، بهدوء. أدهشني المشهد، فهمستُ للرفاق من الشعراء: “انظروا إلى الشعب السويسري المثقف! عاملٌ بسيط، ربما بالكاد يجد قوتَ يومه، اصطحب زوجته للمسرح ليستمعا إلى الشعر، والتذكرة مائة فرانك! الفنونُ والآداب في دول العالم الأول ضرورةُ حياة، وليست رفاهية. يا بختهم!”
بعد برهة، خرجت من المسرح صديقتي البروفيسورة "أورسولا باخمان"، الفنانة التشكيلية ورئيس المهرجان، وقالت لي: “تعالي، أريد أن أُعرّفكِ على شخصية مهمة.” دخلنا المسرح، وتقدّمتني إلى الصفّ الأول، حيث يجلس العاملُ البسيط وزوجته. نهض الرجلُ وصافحني. أشارت إليّ باخمان وقالت: “مسز ناعوت، الشاعرة المصرية. ستقرأ قصائدها في أمسية الليلة"، ثم أشارت إليه ونظرت لي: “مستر ألمار ليدر جيربر، عُمدة زيوريخ، والسيدة قرينته، حضرا خصيصًا ليستمعا إليكم.” حملقتُ غير مصدقة! كان رئيس دولة مَن ظننتُه "عاملا بسيطًا" لأنه جاء على بيسكليت، وليس في سيارة فارهة مُصفّحة تسبقها كونستابلات التشريفة صاخبة الصوت، كما هو مُدوّن في أدبياتنا العربية.
والحقُّ أن قيادة الدراجات متعةٌ كبرى لا يعرفها إلا مَن جرّبها. صديقة البيئة النظيفة، وضرورة مُلحّة في البلدان التي يخنقها الزحامُ والتلوّثُ ونقصُ الطاقة، مثل مصر الطيبة. والحقُّ أيضًا أن الرئيس عبد الفتاح السيسي حاول أكثر من مرة أن يرسل رسائل للشعب المصري لحثّه على توسّل الدراجات لتوفير الوقود وتقليل عوادم الاحتراق التي تضعُ مصرَ على رأس الدول الأعلى في التلوث البيئي. قاد الرئيسُ دراجته أمام الناس مرات، وتخيّلتُ وقتها أن الرسالة وصلت وأن الدراجة ستغدو ثقافة مصرية، بعدما شجّع رأسُ الدولة المواطنين على ذلك. ولكن للأسف حوّلنا الأمر إلى طُرفة ثم نسينا الطرفة، وماتت الفكرة التي لم تكد تولد.
لماذا تذكّرتُ واقعة زيورخ والدراجة بعد حدوثها بعشر سنوات؟ لأنني كنتُ في الأسكندرية لإلقاء محاضرة في نادي إنرويل الخيري. وقررتُ وصديقتي "هدوء الحوفي"، أن نركب الحنطور ونتجول على الكورنيش. ومازحتُ "بندق" الحصان و"محمد" صاحب الحنطور، وكان جولة عظيمة. لكن رسالة من أحد قرائي وصلتني تقول: “مررتُ جوارك وشاهدتك على الكورنيش. لكنني لم أصدق أنك الكاتبة فاطمة ناعوت! فليس من المعقول أن تركبي الحنطور هكذا ببساطة وسط الناس! خسارة فاتني أن أتصور معك!”
وقررتُ أن أردّ على القارئ بهذا المقال؛ لأخبره بأنني أركضُ في الشارع، وأجلس على الرصيف، وأقود دراجتي، وأطيّر طيارات ورق. وحين أصادفُ الحنطور لا أكتفي بالركوب، بل أقود زمامه، وأداعبُ الحصانَ وأطعمه وأكلّمه، وأتعرف على اسمه، ولا أتركه إلا ونحن صديقان. ولي أصدقاءٌ كثيرون من سُيّاس الحناطير في القاهرة والأقصر والأسكندرية، أحفظ أسماءهم، وأسماء أحصنتهم. ولي مع كل منهم ذكريات جميلة وصورٌ كثيرة تخلّد تلك اللحظات الطيبة.
أحلم باليوم الذي أرى فيه حاراتٍ ورديةَ اللون على جانب كل طريق في مصر مخصصةً للدراجات الهوائية. فلا سبيل لمواجهة الزحام وأزمات المرور، وتوفير الطاقة وتقليل التلوث والتخفيف من اكتظاظ الحافلات بالبشر، إلا بأن تصبح ثقافة ركوب الدراجة راسخة في مصر، كما هي في الصين وهولندا وكندا وغيرها من دول العالم الذكي الذي نجح في حلّ مشاكله الكبرى بحلول بديهية، نراها نحن، للأسف، مسارًا للسخرية والتندّر والعَجب العُجاب. بينما العَجَبُ كلُّ العجبِ، هو التعجّبُ مما لا عجبَ فيه، ويفعله سكانُ الكوكب يوميًّا ببداهة وبلا عجب!