نحو استعادة العقل العراقي دوره الكوني/1

عبدالامير الركابي
2018 / 5 / 5


يتهيأ العقل العراقي، لمغادرة زمن الاحتجاب والتعطل التاريخي، المرافق عادة لوقع "الحقب الانقطاعية" في تاريخ ارض الرافدين، وفي حين يهيمن المازق الشامل على الحياة، ولايجد بقايا النقَلة، والمرددون للمحفوظات، غير بقايا باليه من الافكار، هي بالأصل، من طينة الازمة المخيمة المستحكمة، ومن الدلائل على استشرائها المطرد، يلتقي واقع التمخض المستجد، مع ازمة كبرى اشمل، تحل على العالم منذ عقود، وقد بلغت اليوم، محطات الانسداد والمراوحة العقيمة.
ومع اجتياز العراق "الحديث" الحالي، دورته الحضارية الثالثة، والختامية الكبرى ( الدورة الاولى هي التي اسست للمجتمعية التاريخية الانسانية، من سومر وقبلها الحضارة العبيدية، الى البابلية، والثانية هي العباسية القرمطية، وبينهما فترة انقطاع، استمرت من سقوط بابل الى الفتح العربي، الذي هيأ اسباب عودة عمل الاليات الحضارية العراقية، المعطله بفعل وطاة الاحتلال الاقطاعي الفارسي، واسباب ذاتية، اما فترة الانقطاع الثانية، فهي التي تستمر من سقوط بغداد 1258 حتى القرن السابع عشر، حين بدأت مفاعيل الانقطاع بالتراجع، لصالح عودة التشكل الوطني الحالي الثالث، المستمر من يومها)، ثلاث حقب : قبلية هي الاولى، ودينية تجديدية، وايديلوجية مستعارة، فانه صار على اعتاب الانتقال الاخير، ولحظة تجلي اجمالي الخبرة التاريخية المضمرة، والمدخرة عبرالدورات الثلاث المنقضية، تتابعا عبر القرون.
ماعادت اشكال مايطلق عليه "العلمانية" بشتى تلوناتها، او الاسلام المحدث، في مرجعيات واحزاب، او الايديلوجيات: الحزبية، الماركسية، والقومية، والليبرالية، المستعارة، المنقولة من تجربة الغرب الحديث، قابلة للحياة، او تتوفرعلى ماكان يمنحها مبرر الاستمرار، او ايا من اشكال الفعل الممكن، كما عاشت بصفتها كتعويض، وبدل عن ضائع، وكمحطة ضرورية، انتقالية لازمة، قبل التحوّل الى التحقق الاكبر،.والانبثاق الكوني العظيم.
هذا بالبداهة، يعني انبثاق من نمط وشاكلة، لم يسبق للعقل ان تعرف عليها من قبل، مايعني منطقيا، اتخاذه شكل تجل، لايقل احتداما عن المعركة الأميز، والاكبر، من معارك المعرفة، ضمن مسارات الانتقال البشري، ستطول ابتداء من اليوم، وتتوالى فصولا، على ان يشار لها كاساس بما يلي ادناه، على الاقل من باب تهيئة اسباب الخصوصية الضرورية، ورسم اطار استعادي لسماتها وخلفيتها الاساسية:
1ـ فرض الغرب ونموذجه، وحضوره الاستعماري المباشر، على الكيان العراقي، مفهوما ضيقا، مخالفا لطبيعته، بان كرس مايعرف ب "الوطنية"، بماتعني كجغرافيا، وحكم مركزي، وهو مايتناقض كليا، مع طبيعة المكان الكونية، الامبراطورية، ماانعكس على الصعد كافة، واولها طبيعة الدولة والحكم، او المفاهيم، والمنظور المطابق، في مجتمع "مزدوج"، ينطوي على خاصيات استثنائية، غير قابلة للاندراج، ضمن المخطط والمشروع الغربي المعروف بالحديث، ناهيك عما ينطوي عليه من مقومات واسباب تجاوزه.
2ـ ترافق فرض هذا المفهوم، والنموذج، مع استعارة منظومة مفهومية شاملة، مخالفة ل، ومتصادمة، مع الاليات الينيوية، الحضارية التاريخية، سواء على صعيد الدولة، او اجمالي المفاهيم المستعارة المعروفة ب "الحداثية" الغربية، وبالذات : القومية، والماركسية، والليبرالية. ماحول الحقبة الاخيرة الايديلوجية من تاريخ العراق، خلال القرن المنصرم، من التاريخ، لحقبة تصادم وصيرورة تشكل مستقبلي، مابعد غربي، على مستوى الواقع والمعاش، نظر اليه، مع غياب الحضور العراقي بما هو كتعبيرعن الذاتية "وكمفهوم وطني مطابق"، بعين التفسير المستعار الايديلوجي "الوطني" فقط، خلافا للحقيقة، ولما تمخض عن سير الاحداث والتطورات،من نتائج وحصيلة كارثية، مخالفة كليا، لما يدعيه منظور الاحادية المستجلبة، التوهمية القسرية، المستعارة.
3 ـ في الوقت ذاته، استمر المفعول الباقي من الاسلام، او الطبعة النبوية المحمدية الاخيرة، بصيغتها العقيدية المتبقية، منذ انتهاء مفعولها التاريخي، اي اسلام زمن "الانقطاع الحضاري"، فكان هو الحقبة الثانية، من التشكل التاريخي الحديث الراهن، ولحظة، تذكر بطور هام من تاريخ العراق الوسيط، بدورته الثانية، يوم اسهم الفتح العربي الجزيري، في تحرير الاليات الحضارية المعطلة تحت وطاة الاحتلال الاقطاعي الفارسي، ليطلق دورة حضارية جديدة، اعقبت الدورة السومرية البابلية، ان الاسلام عراقي بالاصل، وهو الطبعة الاخيرة من " الابراهيمية " بصيغتها النبوية، وهو التعبير الكوني الاول، عن الدولة "اللادولة" العراقية بصيغتها المفارقة للدولة الارضية، والاسلام المحمدي، هو اسلام العقيدة/الفتح، وقد اعيدت صياغته وقنن، وحول الى مشروع كوني، بعد القرن السابع، ومع اكتمال نهوض الاليات الحضارية العراقية، ان الاسلام المعروف اليوم، هو اسلام التدوين، الذي لم يبدا الا بعد قرنين، من الزمن، بعد انقضاء زمن محمد والراشدين والامويين، وهو صنعة بلد اكتشاف الكتابة في الطور الاول، ويشابهها دورا وضرورة، حيث التيارات والمذاهب، والفقه، من اخوان الصفا، والمعتزلة، والتصوف الحلاجي،وعشرات الانتفاضات والثورات، والاسماعيلية، والتشيع، وثورة الزنج، والقرامطة، ودولتهم، والخوارج، وتقعيد اللغة، والشعر، والتاريخ، والمفاهيم الكونية، وكل صنوف المعرفة الشاملة، مع البنيان الامبراطوري الكوني، وتفاعل الامم الشرقية، داخل بوتقة العاصمة الكونية الكبرى، وتكريس تفاعلية العقيدة داخلها، وفي تضاعيف وعيها الاقوامي،على مدى اكثر من خمسة قرون، من المنجز الكوني الهائل، ومافعله محمد في الجزيرة، تكفل العراق بتحقيقه على المدى الكوني.
4 ـ عاد الاسلام الجزيري المحمدي، في العراق، ابراهيميا، وبلغ ذراه مابعد النبوية، مكتسبا بعده الكوني الحضاري، بعد ان كان النبي محمد، قد قام بمهمة محددة، توقفت عند تحويل مجتمع اللادولة الجزيري الاحادي، ماقبل الانتاجي ( وجدت المجتمعات البشرية الحالية، باعتبارها لحظة الانتقال، من الصيد واللقاط، الى انتاج الغذاء، والتجمع، اما مجتمع الجزيرة، فهو احادي، ومجتمع لادوله، متجمع بصيغة، من الصيغ غير الانتاجية، ومحكوم لقانون اقتصاد الغزو، حيث الانسان يقتل ليعيش، وحيث الحرب خاصة وجوده مع الرضاعة) الى قوة عقيدية، بدل القبلية المازومة، ومع خاصيته الاحترابية، فلقد تحول ساكنو الجزيرة الى قوة هائلة، طبيعتها الحرب / الغزو، انطلقت ضمن شروط كونية ملائمة: ( تازم اوضاع الامبراطوريتين الفارسية والرومانية) لتكتسح العالم، في اقصر وقت يمكن تخيله، الى ان وصلت الى الصين، واسبانيا، بقوة كينونتها وبنيتها، ففي الجزيرة لااختصاص حربي، اي ان جيش الفتح، لم يكن "جيشا" مفرزا، من المجتمع كاختصاص، كما هي العادة في المجتمعات جميعا، بل هو مجتمع محارب، الحرب اختصاصه وكينونته.
ذلك كان السر الاعظم، في تمكن العرب المسلمين، من احراز مااحرزوه من انتصارات باهرة، في زمن قياسي، ماكان لغيرهم من قبل بها في حينه، اما الشروط المحفزة في اللحظة التي نزلت فيها الدعوة، فهي الاخرى بنيوية وكيانية، فاقتصاد الغزو، يتكيء عادة على عامل مساعد، ريعي تجاري، يسهم في حفظ التوازن المجتمعي، يمتد عبر طريق طويل، من الهند عبر البحر، الى شمال الجزيرة، فيقطعها من المركز، باتجاه الهلال الخصيب، وتنشا على وقعه مدن توسطية، تمنح في العادة قداسة، تمركزية، في مجتمع هو "طلع لايحكم ولايحكم"، فاذا قطع الخط، او الخيط الريعي، تفاقمت محنة مجتمع الغزو واقتصاده، وهو ماكانت قد مارسته الامبراطورية الفارسية، عبراحتلال اليمن والعراق، واسفل الخليج، والرومانية من خلال الشام واطرافها الجنوبية، ماقد عزز بقوة استثنائية، لحظة الكونية الجزيرية، ومنح الدعوة التي اعلنها محمد، قوة التحقق السريع، خلال عشرين سنه، قضى اولها في تكريس العقيدة، والثانية في تحويل العقيدة الى "مجتمع"،/ الى قوة مادية بحسب التعبير الماركسي/ بادخالها فيه، ونقله من القبلية المتازمة، نازعا عقيدتها كقبيله، لصالح القبيلة المؤمنه، ضمن عالم ومجتمع الاسلام، وهو ماقد تحقق للنبي محمد، بالممارسة العملية للغزو، وتركيزه بالدرجة الاولى، على "خلق مجتمع مافوق القبيلة"، فتوفر وقتها، على قوة الغزو والفتح العقيدي.
واهم مايميز الجزيرة، ومجتمعها الاحادي، اللاانتاجي، بيئتها وموقعها الطبيعي، كمجال جغرافي، صعب الاختراق من قبل جيوش تقليدية، بمقابل مجتمع محارب، وارض صحراوية قاحلة، مامنح هذا المكان، فرصة، وامكانية الاستقلال النسبي، برغم حضور الامبراطوريات الكبرى، الفارسية والرومانية، لابل واعطاها المجال الضروري، لكي تتشكل في ظل الدعوة، وبعد ظهورها، في مجتمع عقديدي محارب، من طبيعته، ومايتفق مع وجوده الحيوي، اتجاهه للخارج، بغريزه فك الطوق الخانق، من جهة، ولاستحالة، وعدم وجود اساس، ل " الدولة" في "مجتمع لادولة" دون انتاجي، فما كان للنبي محمد، او الراشدين من بعده، اي ميل ل"اقامة دولة" في جزيرة العرب، وانتهى دور الجزيرة مباشرة، بعد انتهاء عملية الفتح، لصالح المراكز الاخرى، الشامية الانتقالية المؤقته العابرة، اولا، والعباسية العراقية الابراهيمية، الاصل، والامبراطورية الكونية بنية.
ـ يتبع ـ