أنا لِصّة طباشير

فاطمة ناعوت
2018 / 5 / 4


في طفولتي، كنت أرى معلّماتي بالمدرسة مثل ربّات الإغريق. أنيقاتٌ، حاسمات، ذوات معرفة لا تنتهي وعلم غير محدود.
"ميس سميحة"، معلّمة العلوم، هي "ربّة الطبيعة". تعرف مدارات النجوم والمجرّات، وأسرار الشمس والقمر. "ميس سوزان"، معلمة الحساب، كانت "ربّة الأرقام والمعادلات والهندسة الإقليدية". كأنها "إقليدس"، كتبت على باب أكاديميا "أفلاطون": "مَن لا يعرف الرياضيات لا يدخل علينا.” "ميس راشيل" معلّمة الجغرافيا، كانت "ربّة المكان"، تعرف خطوط الطول والعرض وفروق التواقيت. "ميس أليس" معلمة التاريخ، كانت "ربّة الزمان"، تعرف أسرار الممالك والأمم والشعوب. "ميس سهام، وميس عايدة"، معلمتا العربية والإنجليزية، كانتا من "ربّات اللغة"، يعرفن أسرار الكلمات وخبيئة الرموز والعلامات. وأما "ميس نيّرة"، فهي "ربّة الموسيقى”.
كان منتهى حُلمي أن أغدو مثلهن حين أكبُر. "ربّة" من ربّات المعارف الساحرات. ولستُ أعرفُ كيف تغدو المعلمةُ معلمةً. طفلةً لا تدري ما الكليات والتنسيق ووو.
المعلمةُ، بمجرد دخولها الفصل، وبعد أدائنا التحية، تتحول إلى السبورة وتمسك "الطبشورة"، وتبدأ في الكتابة. أخبرني عقلي الصغيرُ حينها أن مؤهلات المعلمة، حتى تغدو ربّةً أسطورية، هو: “حيازةُ بعض الطباشير”. بسيطة! سأداوم على مهمة يومية، تبدأ من طفولتي وتمتد حتى أكبر ويشتدُّ عودي النحيل ويزداد طولي لأغدو إلهة معرفة. سأبدأ منذ اليوم في تجميع الطباشير، حتى إذا ما كبرتُ يكون لديّ رصيدٌ من الطباشير يؤهلني لأغدو معلمة، أو ربّة إغريقية.
سألتُ أمي من أين يأتي المعلمون بالطباشير؟ أدهشها السؤالُ ولم تخبرني بالحقيقة. قالت إنه شيء يخصُّ المعلمات، لا يُباع، ولا يُشترى! ربما تخشى أن أُلوّثَ البيت بالمسحوق الأبيض. سهرتُ أيامًا أفكّر في مأساتي. كيف أحصل على الطباشير الذي سيحقق حلميّ العصيّ؟ ولم يعد أمامي إلا خوض عالم “الجريمة”.
أنتظرُ انتهاء اليوم الدراسي، وخروج الرفاق من الفصل، ثم أبدًا في جمع بقايا الطباشير الصغيرة التي تتخلّف على رفّ السبورة، وأدسّها في جيب الماريول. وأحيانًا أتسلّل للفصول المجاروة لأسرق ما تبقّى على سبوراتها من طباشير.
أعودُ إلى البيت، فتعنّفني أمي وهي تغيّر ملابسي فتجد جيوبي ملأى بالطباشير، ورذاذ الطبشور وقد لوّث النسيج. وتتوعّدني بالعقاب إن فعلت هذا مجددًا، وهي لا تدري أنها تحطّم حلمي الصغير، وأنني سأرتكب الجريمة يومًا بعد يوم. وكان عليّ أن أطوّر نفسي في “عالم الجريمة”، وأغير في التكتيك، وأنتقل إلى خطوة أكثر دهاءً. بدأتُ في إخفاء الطباشير في كيس الساندويتشات التي تُعدّها لي أمي في الصباح. وكان هذا يكلّفني أن ألتهم الساندوتشات حتى يخلو الكيسُ لحصيلة الغنيمة. هذا يسعد أمي. فكأنما ضربتُ عصفورين بحجر. فرحةُ ماما بتناولي طعامي تُلهيها عن التفتيش الدقيق في حقيبة المدرسة، كعادتها. وبمجرد دخولي غرفتي، أخفي الكنز تحت السرير في صندوق اللعب. وكلما زاد رصيدُ غنائمي، صار الحلم وشيك التحقق.
كبرتُ وتغيرت أحلامي! لم أدخل كلية التربية لأغدو معلمة. بل وجدتُ نفسي على مقاعد الرسم بقسم العمارة في كلية الهندسة،. ثم وجدتُ نفسي كاتبةً وشاعرةً، ونسيتُ حلم طفولتي. أو لم أنسه أبدًا، بدليل عناوين بعض كتبي.
لكن دهشتي بالطباشير لم تنته. مازلتُ أراه مادةً سحرية عصيّة على الفهم. هذا القلم الصغير الأبيض تمسكه المعلمة في يدها، وترسم علامات مبهمة على السبورة، ثم ننظر نحن التلاميذ إلى تلك العلامات، بعدما تتجاور وتتشابك وتغدو رموزًا مفهومة، فنعرف ماذا يدور في عقلها المثقف! كيف تتحول الأفكار الهيولية السائلة في المخ البشري، إلى علامات ورموز (الحروف) مرسومة على لوح أسود؟ وحين تتشابك تلك العلامات، تغدو "كلمات" مفهومة، بمجرد أن يطالعها شخصٌ آخر، يعرف على الفور ما يدور في عقل الإنسان الذي رسم تلك العلامات؟! أعجوبة مازالت تحيّرني وتُدهشني كلما رأيت إنسانًا يمسك قلما ويكتب أفكاره.
أنا الآن بدوري أصنع معكم تلك المعجزة الصغيرة. أفكر، ثم أنقش بقلمي رموزًا، سوف تقرأونها أنتم، فتعرفون فيما أفكر.
كبرتُ وكبُر معي حبي للطباشير. وكان عليّ أن أُخلّد هذا الحب في كتاب. لهذا أصدرتُ من ضمن كتبي، كتابين يسرقان "الطباشير”. “الكتابة بالطباشير” 2006 ويُعاد طباعته هذا العام عن "الهيئة المصرية العامة للكتاب، و"الرسم بالطباشير" 2009.
شكرًا للطباشير الطيب الذي شكّل أحلام طفولتي، وشكرًا لفضيلة الاعتراف بجريمتي الصغيرة، حتى أتطّهر، وأعتذر لمَدرستي الجميلة، التي سرقتُ طباشيرها طويلا، وأعتذرُ لأمي الجميلة التي أجهدتها في مطاردة الطباشير في جيوبي.