عندما يكتبنا الكاتب مالك البطيلي

رائد الحواري
2018 / 5 / 4

عندما يكتبنا الكاتب
مالك البطيلي
وكأن هناك لعنة تتمثل في الكآبة تطال كل من يتواجد في المنطقة العربية، فها أنا في العقد الخامس ولم أجد هناك فرح حقيقي أو سعادة، فتتابع أحداث الخراب والموت وكثرتها تجعلنا مكتئبين ومضطربين، لهذا تجدنا نستخدم أحرف الجزم والنفي، لا، لن، كلا، وطبعا سيكون هذا الاستخدام لنفي كل الأفعال والصفات والحالات الجميلة، وفي المقابل سنجد تأكيدا على الأفعال والصفات والحالات البائسة، وإذا ما أضفنا إلى كل هذا الواقع الإرث الثقافي الممتد إلى آلاف السنين، إلى أيام غياب الإله "تموزي/البعل" يمكننا القول أننا مجبولين على الحزن وعلى الغم.
"مالك البطيلي" يقدمنا من حقيقة واقعنا، وكأنه يكتبنا نحن، يكتب ما نحن فيه، ما نمر به، فنجده يكثر من استخدام أحرف النفي للجمال والهناء والسعادة، ويؤكد حالة البؤس والحزن والمأساة التي نحن/هو فيها.
يفتتح الكاتب النص بعبارة ايجابية، "يجبُ ألّا أخاف" وكأنه أراد بها أن يأخذ شيء من الطاقة/المعنوية تقربه أكثر من حقيقته/حقيقتنا، لهذا وجدنا بعدها ومباشرة يقدم هذه الفقرة:
"لا اعلم ما اقولهُ عندَما أبدو بكل هذا الوضوح وبهذهِ الثَرثرة والانطلاقةِ العَصبية المزمِنة
هذه الانطلاقة التي أغصُّ بها
في الحديثِ حينَما أصمت"
نجد الفاظ " ثرثرة، العصبية، المزمنة، أغص، أصمت" وكلها الفاظ قاسية على النفس، وإذا ما اضفنا إلى كل هذا المعنى البائس الذي يمر به الكاتب، يتأكد لنا أن هناك وضع/حالة غير سوية تثقل كاهل الكاتب فجعلته بهذا السواد.
يقربنا الكاتب من حالته أكثر من خلال:
" أبكي أَبكي أَبكي
وأتجرعُ اللا كَلام
ثمّ
ثمَّ ماذا ...؟" هناك صراع عند الكاتب بين الصمت والكلام، بين البوح والسكوت، بين الإظهار والإخفاء، بين السر والعلن، فهناك ثقل واقع عليه ويريد أن يرميه، يتخلص منه، فلم يجب أحد أقرب إليه منا نحن المتلقين للنص، فقد وجد فينا شركاءه في الحزن والألم وسنتفهم ما يمر به.
تتوضح لنا حالة الصراع أكثر عندما يقول:
"كلا لن أتكلمَ لكنَّني سأتحولُ الى كائنٍ متوحش ٍفوقَ سريري المُرعب
اتحولُ بشكلٍ اخرٍ لا يمتّ لشكلي الآن بأيةِ صِلة لا يمتّ لمالك بأيِّ شكلٍ من الاشْكال ..! "
اجمل ما في المقطع السابق "كائنٍ متوحش ٍفوقَ سريري المُرعب" الكاتب يبتعد عن العنف والقسوة، لهذا نجده يستخدم لفظ "متوحش" على سريره الخاص، فهو لا يريد أن ينشرها في الخارج، فكثرة المشاهد وصورة الخراب والموت جعلته يشعر بحالة الألم التي نمر بها نحن المتلقين، لهذا خص لنفسه مكان التوحش ليكون على سريره الخاص فقط.
ولهذا نجده يتألم ويظهر هذا الألم من خلال:
"ااااهٍ"
فالتوحش الذي وضعه على سريره جعله يتألم، فهو يواجه التوحش وحيدا وليس جماعيا، لهذا نجده يختم نصه بهذه الصورة البائسة:
"كَفاني كفاني كذباً
العالمُ مرتبكٌ وأنا لا أَراك
اريدُ لكلي ان يغفو فوق جبينك ِالحزين ...!!" الكاتب يحسم موقفه من الواقع من خلال دعوته للمخربين: "كَفاني كفاني كذباً "
ونجده متماهي مع حزنه ومتوحد من خلال: "اريدُ لكلي ان يغفو فوق جبينك ِالحزين ...!!" كل هذا يجعلنا القول أن "مالك البطيلي" يكتبنا نحن قبل أن يكتب عن نفسه.


"يجبُ ألّا أخاف
لا اعلم ما اقولهُ عندَما أبدو بكل هذا الوضوح وبهذهِ الثَرثرة والانطلاقةِ العَصبية المزمِنة
هذه الانطلاقة التي أغصُّ بها
في الحديثِ حينَما أصمت
أَبكي أَبكي أَبكي
وأتجرعُ اللا كَلام
ثمّ
ثمَّ ماذا ...؟
كلا لن أتكلمَ لكنَّني سأتحولُ الى كائنٍ متوحش ٍفوقَ سريري المُرعب
اتحولُ بشكلٍ اخرٍ لا يمتّ لشكلي الآن بأيةِ صِلة لا يمتّ لمالك بأيِّ شكلٍ من الاشْكال ..!
ااااهٍ
كَفاني كفاني كذباً
العالمُ مرتبكٌ وأنا لا أَراك
اريدُ لكلي ان يغفو فوق جبينك ِالحزين ...!!"