الجنيه الحزين

ميلاد سليمان
2018 / 5 / 4

في المكيروباص، قاعد في الكنبة اللي ورا السواق، راجع من الجيزة باتجاه إمبابة، وكالعادة فاتح موبيلي على كتاب بحاول من خلاله اتناسى العشوائية اللي بتستهلكني يوميًا، وفجأة يخرجني من تركيزي أحد النفايات البيولوجية بيخبطلي من ورايا على كتفي وهو بيقول "خوووود إدي السواق الجنيه دا يغيره"، من غير ما التفت له، رفعت إيدي مسكت الجنيه، وهزيت دماغي بالموافقة، ومديته للسواق بدون ما اتكلم، لأن طبيعي أن السواق سمع صوت الأخ اللي بالع ورك ديناصور على الصبح. اخد السواق مني الجنيه، وقلِّب فيه - لحظات وكأنها دهرًا بأكلمه - وكأنه بيفحص حتة آثار بناء على رسالة مطلوب شخص أمين يشوف المساخيط اللي اكتشفتهم الفاس اللي رنت وإحنا بنحفر تحت الزريبه، ورجع اداهولي تاني عشان ارجع بدوري اديه لصاحبه اللي قاعد ورايا، ولكني مرجعتش الجنيه، لأني متوقع باقي القصة، تدري ليش... أنها متكررة يوميًا، بل وستتكرر حتى يرث الله الأرض ومن عليها وحتى يخرج المهدي من سردابه... المهم قال السواق بنفس طبقة الصوت الديناصوري "مالوووه يعني الجنيه... ما هو كويس آهوو...ايش بس تلاقيه اتغسل في بنطلون ولا دايب من العرق في جيب حد"، قام رد الزبون بكل ثقة "يسطاااا لو انا اخدت الجنيه مش هعرف اصرفه يسطاااا... انت لو حد ادهولك هترضى تاخده"، قام السواق بنصف ابتسامة قال "آمال يعني الجنيه ظهر لوحده على التابلوه... ما أنا واخده من زبون بردوو"، فباغته الراكب بالضربة القاضية وقال "طيب انت مغفل وبيتضحك عليك... أنا ذنبي اييييه؟!؟!"، ولسه السواق هياخد رد فعل عنيف أو يدي فرملة غشيمة تكومنا كلنا فوق بعض زي فرحة اللاعيبة بعد هدف الدقيقة التسعين، قمت طلعت جنيه من جيبي اديته للرجل اللي ورايا وقلت لهم "خلاص يا جمااعة... انا هبقى اصرف الجنيه دااا"، قمت مقطع الجنيه حتت زوغننه ورميته جنبي من الشباك وكملت قراءة في الموبيل وسط دهشة وذهول الحضور، كان ناقص بس أقولهم "حينما تقف بعوضة على خصيتيك ستعرف حينها ان العنف ليس الطريق الوحيد لحل مشاكلك" وفجأة جسمي يشع بالفوتونات والناس تلاحظ النور اللي خارج مني فيحنوا جباههم ويشكروني على مسعايا السلامي، وتدخل حمامة بيضاء من الشباك تقف على كتفي ويجي صوت من كاسيت المكيروباص يقول "البت مديحه آحاااااا... والهوااا شلحهاااا آحاااااا"، واليهودي الجالس رابع في الكنبة وراا يجهش بالبكاء ويقرأ الشهادتين.