صمت الليالي .

يوسف حمك
2018 / 5 / 4

كان ليلاً خاملاً ، احتله صمتٌ رهيبٌ ، صادره سكونٌ واجمٌ ، و وضع الهدوء يده عليه .
فبات مستسلماً خاشعاً ، لا يكدره اضطرابٌ أو ثرثرةٌ ، و لا صليل يغيظه ، أو قلق يعتريه ، أو يزعجه هدير حركةٍ .

أطبق فمه عن الكلام و صائمٌ ، و عن السمع أوصد أذنيه ، فألجم لسانه عن الحديث ، و عن الرؤية أغمض عينيه ، فغدا الكون بحراً من اسودادٍ و ظلامٍ قاتمٍ .
القلب ممتعضٌ ، و الصدر بالحنق ممتلئٌ ، و النفس مسدودةٌ .
أما الروح فعلى إدمان الخيال مغذيةٌ .
لا صوت إلا لصرير القلم ، و لا حركة إلا لحروفه الخرساء الوافدة من أوجاع الأوردة ، تترادف .. . تستقيم ... لتؤلف كلماتاً تشق عباب الحياة ، و تمخر بين أمواجها معاتبةً :

كم قاسيةٌ هي الحياة ، عميقةٌ جروحها التي ربما يتوقف نزفها ، لكنها لا تلتئم رغم العلاج الجاد .
مواقفٌ مؤلمةٌ مدت يدها إلينا ، فهزتنا بعنفٍ ، نهرب منها كلما طاردتنا .
بعضها مكسوةٌ بوشاحٍ أسودٍ ، يأكلنا الندم حينما تفتح نافذة الذاكرة لتطل علينا ، فنضيق بها ذرعاً ، لأنها سلبت منا أشياءً جميلةً ، و حبستها و راء القضبان ، تتسع في في صدورنا رقعة الوجع ، و تنكسر النفس من وطأة عبئها .

أشخاصٌ رحلوا عنا ، فأيقظوا فينا رغبةً ملحةً للحاق بهم .
لكنها بقلاعٍ منيعةٍ تصطدم .
رحيلٌ على صفحات الروح يرسم أحزاناً ، و في القلب يزخرف ألماً .

أماكنٌ انتزعنا منها الكثير من الفرح ، تأبى أن ترضخ لقوة النسيان ، فتطرق أبواب الذاكرة بعنفٍ كي لا تموت ، و تواري الثرى .
و وجوهٌ وميضها يطرد الظلام ، فتبدو تفاصيلها واضحةً كأنها في وضح النهار .
و أمنياتٌ ناصعة البياض موشحةٌ بالبهجة ، تتوق النفس لبلوغها ، لكن الزمن لها بالمرصاد .
و أحلامٌ ورديةٌ تتعثر في سيرها ، فيطبع ذبولها على خدودنا آثاراً مكشوفةً .

فرصٌ ذهبيةٌ قدمت إلينا على طبقٍ من ذهبٍ ، فرفضناها . لا لأننا لم نكن نستحقها ، أو لم نكن جديرين بها ، أو أخفقنا في استغلالها . بل لأن ثمنها يمس الكرامة ، و يقزم النفس .
فكل مكسبٍ ساقطٍ ، و نجاحٍ فاضحٍ عار الجسد ، على القلب محظورٌ .

أسئلةٌ كثيرةٌ تتزاحم و تلح :
هل قادمات الأيام تصغي إلينا ، و تستجيب لندائنا ، فتلبي رغباتنا ، أم تصم أذنيها ، و تتركنا وراءها حائرين و تمضي ؟!