قمر الجزائر 16

أفنان القاسم
2018 / 5 / 3

من ناحيتها، كانت حسيبة قد انتظرت حتى انتهى بها الأمر إلى السأم. أمسكت ثوبها الملوث، المعرض للشبهة، و، بمقصها قطعته أطرافًا ألقتها في حقيبة. قررت الذهاب لترى سعدي، فتوضح معه مسألتها. هكذا يعرف أنه نذل وجبان. بعد ذلك، ستصفق الباب بوجهه، وتذهب إلى البحر. ستعانق البحر، وتقرن جسدها بجسده. يكون أبوها قد عاد من القرية بعد أن قرأ الفاتحة، وأتم الوعد بالزواج. لكن ابن عمها لن يجدها، تكون قد تزوجت البحر، وغاصت في أعماقه، إلى الأبد غاصت في أعماقه، خانعة، قانعة، ووفية. هكذا ستكون زوجة عفيفة على الرغم من كل الذي وقع، ومن كل خطيئة سيغسلها الملح والموج.
سمع سعدي صوت خطواتها، فاختبأ في زاوية معتمة. كان يعلم أن هذه المجنونة سينتهي أمرها إلى التشرد. المهم ألا تجده، فهو ليس حصانًا طيعًا. حصان جموح هو، بينما هي فرس خاضعة. سيمتطيها أول عابر. إلى الجحيم! نظر إلى السماء، فلم ينظر الله إليه. خرج من العتمة، ووجد نفسه يطرق الباب الخادع للضوء. كان الصمت يجتاح العالم. ومن جديد، وصلته حشرجات البحر المسعور، مبحوحة، مهزومة، كأنها حشرجات ذئب عجوز يلفظ نفسه الأخير. رفض الاستماع، وأخذ يعوي، ويبكي، لَمَّا فجأة، أحس بيد حازمة تضغط كتفه.
- لا تبك، خويا الزغير، قال له السكير، وقنينة الخمر بيده. أنا الجنرال علي لابوانت بشخصه، هل تتذكرني؟ خذ، هذا خمري المر الحامز العلقم السم، كفكف دموعك، اشرب، وأدفئ قلبك!
تناول سعدي القنينة، وأخذ جرعة كبيرة، فردوسية، فهل الشيطان جميل إلى هذه الدرجة؟ أعاد القنينة إلى السكير، والسكير يتكلم معه بهدوء:
- أعرف أنك أضعتها، لكنها سألت عنك، وتركت لك عندي ما أبلغك. قالت إنها ذاهبة إلى الجبل ببعض المؤونة، فالحق بها قبل كل هؤلاء البشر الطيعين كالعبيد، ولا تكن الأبله الوحيد على وجه المعمورة. هل فهمت، خويا الزغير؟
شرب السكير قليلاً قبل أن يضيف:
- اتبع طريقك، وستلحق بها إذا مشيت ليلتين كاملتين بطول عقدين من عمر الكلاب عمرنا. آه! لو لم يكن عليّ قبل كل شيء الذهاب للبحث عن رجالي التائهين في عتمة الاستقلال الرهيبة لرافقتك، خويا الزغير.
ابتعد، وهو يقوم بعدة خطوات، ويترنح:
- حذار من العسكر، حذار من رئيسهم، الجنرال ماسو الجزائري، إيفان الرهيب! إنهم منتشرون في كل البلد. حظ طيب، خويا الزغير الخرا!
قهقه بضجة، وذاب في العتمة.
ومن العتمة، برز بعضٌ من رجال علي لابوانت، "الفلاقة" كما كانوا يسمون أنفسهم في الأمس، واليوم "الأكتوبريون". قالوا لسعدي:
- أنت سعدي ياسيف، نحن نبحث عنك. لماذا أسميت نفسك رضا؟ لماذا هربت وأنت عليك أن تفجر البلد؟ ونحن علينا أن نُحْضِرَ الشعب أو نَمْحُوَه، فالجبهة مسئولة عن الصحة الفيزيقية والنفسية للشعب.
"ويش تاني؟ سيقول لهم أبوه، عصابة أدعياء خراي!"
أجابهم: "أنا لست سعدي ياسيف، لم أنتحل اسم "رضا"، فالرضا كنية تخيفني ولا تخفيني. أنا حسن البليدي (آه! يا له من خطأ فاحش الادعاء بكوني هذا الأبله، بيضات المجاهد، فليسه بطل أبطال على الإطلاق، لكنه آتٍ من مدينة البليدة معقل الإسلاميين الذين يقولون عن أنفسهم متنورين) حكمت عليّ الجبهة بالموت". كان يكذب ليتخلص من مطاردة ساقي حسيبة المفتوحتين أمام عينيه، المعروضتين عليه. ضحكوا منه، فسبهم سعدي، عادوا يضحكون منه، فعاد يسبهم.
- نحن خارجون على القانون، لكن لدينا واجبات وطنية نحو الجبهة، ردوا.
كرر سبه، سب جارج أكثر: بُلَهاء، فروج، خُصى. سخروا منه، لأنه مع ما فعله في حسيبة، ابنة قصبتهم، لا يفكر إلا في عضوه. لم يكونوا يثقون به –كانوا يريدونه منظرهم السياسي- نعم، لم يكونوا يثقون به، لم يكونوا يثقون به إطلاقًا. كان كشجرة المحامي، فقال لنفسه: "بالأحرى العربي، صديق طفولتي، لديه الكثير من الأفكار قي رأسه". لِمَ لا يكون العربي لهم قائدًا عبقريًا بدلاً من على لابوانت السكرجي، الخمرجي، لاعب الورق، الأونطجي، البنّاء المساعد لما كان ولدًا في مليانة، لاعب البوكس لما أصبح وغدًا في باب الواد، الأمي، نزيل الحبوس، الوندالي، الهمجي، مخرب الآثار، مهدم النفائس، ناهب المصانع المؤممة في العهد الاشتراكي. سمعهم يمدحونه: هذا الكلب ابن الضبع، القط ابن الجرذ، الديك ابن البغل، المنافق، الدبق، الأناني! –والآن ها هم يتبرأون من رؤسائهم هؤلاء البلهاء!
عند ذلك، رماهم سعدي بهذه الكلمات:
- ما أنتم تُوجَدون إلا في كابوس – الزمن الذي تقولون اشتراكي والعصر الذي ستقولون استقلالي. والحال هذه، كل هذا غير موجود. لا من الفلاقة أنتم، ولا من أولئك الذين يتبولون في المصاعد.
لكنهم ضَمِنُوا له زمنًا من جديد سيصبح قديمَا. ستكشف الحرب عن ساقها، وهم سيحرقون فحمة ليلهم في البحث عن مكاسب عسكرية. اعترَفوا بكونهم أقلية ترمي إلى فرض نفسها بالبربرية. سيعجبه ماسو الجزائري أن يكونوا له كخصوم. تمكن سعدي من الإفلات منهم، وأخذ يطرق أبواب القصبة المقفلة بالأقفال الحديدية التي تشبه أقفال السجون. صاح بأصحابها النائمين ملء جفنيهم أن الجبهة تريد تجويعهم، وتركهم إلى بؤسهم. "انهضوا ضد الجبهة!"، قبل أن ينهضوا من النوم؟ أمسكه أشرار علي لابوانت من خناقه، وضعوا أكفهم على فمه، فلم يعضهم. تسلقوا أشجار قمعهم، وبدأوا يزعقون في عمق الليل وسكونه أن التمرد على الجبهة لن يخدمهم في شيء. "يا شعب الجزائر، لا بد منك الوشاية بكل امرئ ليس معنا، فكل امرئ ليس معنا هو ضدنا، ضع في كل الجبهة كل ثقتك!". اقتحموا مخفرًا، فوجدوا رجال شرطة الاستقلال، وهم يضاجعون بعض قحبات القصبة. قتلوهم بالسلاح الأبيض، واستولوا على سلاحهم الأسود، بنادقهم الجديدة الأجمل من كل خصور النساء. أتوا الناس، وهم في أَسِرَّتِهِم: أربعون، خمسون، (- لا تبالغ! – دعني أبالغ! – طيب بالغ!) أربعون، خمسون، في حجرة أو حجرتين. آباء، أبناء، أمهات، ابنات، بين الستائر. روائح ضراط، روائح نكاح، روائح تين، روائح برتقال، روائح الوجود والعدم. ذبحوهم كلهم، وأشعلوا النار، وفروا من أمام اللون الأحمر المجنون، لونُ الدمِ واللهبِ والقُبَل.
بعد ذلك، ذهب ثلاثة منهم إلى الحمام، واصطحبوا سعدي معهم ليشهد على فعل ثوري، فعل تاريخي، أعظم فعل ثوري وتاريخي في حياة أبطال الجبهة. اقترب الرجال الثلاثة، بعد أن ارتدوا الحجاب، مباشرةً من صاحبةِ الحمام. امرأة قميئة ومدهونة لها شكل قوادة. سألوها، وهم يقلدون الصوت الناعم للجنس اللطيف، أين يمكنهم وضع قلاداتهم وأساورهم وأقراطهم في مكان آمن خلال حمامهم، فأشارت إلى مكان فيه حلى النساء. قبل أن يذهبوا في الإشارة إلى ذَهّبِ الإشارة، اقترح أحدهم، كان أكثرهم حبًا لحجاب زوجته: "فلنتفرج أولاً على أثداء غير أثداء زوجاتنا، وعلى أرداف غير أرداف حورياتنا، فهي فرصة ذهبية، بل ومن الذهب أكثر ذهبية". و... حدث ما ليس في الحسبان، فالمرأة التي تشبه القوادة، والتي ربما هي بالفعل قوادة، لكن ابنة عائلة، لمحت أن أحذيتهم أحذية رجال، وأن أردافهم أرداف بغال، فأخذت تصيح: "رجال تخفوا في أحجبة نساء!". فأين تخبئ النساء أثداءها وأردافها؟ ركضت في كل اتجاه، وضاعت بين أرض وأرض. وبين هرج ومرج، ضرب رجال علي لابوانت أمواسهم، فقطعوا فمًا أو حلمة، وهم يقهقهون، ويتسلون. كان يسليهم الركض من وراء تلك الفروج الحليقة، اللطيفة، فلم يقلقهم ما يفعلون، بينما سعدي يفكر في حسيبة التي ذهبت إلى الجبل ببعض المؤونة – لماذا؟ لمن؟ إلى من؟ ذهبت إليّ، لا بد أنها ذهبت إلى جبلي، إلى ساقيّ، إلى بطني، إلى صدري، إلى مناقير الطير - كم كان يشتهيها في تلك اللحظة! فجأة، سمعوا صفارات رجال الشرطة، فهرب اللصوص الثلاثة، وفعل سعدي مثلما فعلوا، بعيدًا عن الدخان السميك للحمام، وروائح النساء والعار، ليعود إلى استنشاق الهواء المسيخ للاستقلال، ومع شهداء الراديو البكاء، وعلى انتصارات التلفزيون الضحك بِمِلءِ شِدْقَيْه.


انتهى الفصل الثالث
يتبع الفصل الرابع... متى؟ لا أدري، فتعبي على نص كهذا كبير، أكبر مما يتصوره القارئ