المجلس الوطني واهمية تحديث وتطوير منظمة التحرير

محسن ابو رمضان
2018 / 5 / 3

المجلس الوطني واهمية تحديث
وتطوير منظمة التحرير


تنعقد دورة المجلس الوطني الراهنة والتي تحمل رقم 23 تحت مسمى " دورة القدس وحماية الشرعية " في ظروف بالغة التعقيد تعيشها القضية الفلسطينية بسبب الاستهداف الكبير من قبل الإدارة الامريكية للعناصر الرئيسية لها وخاصة القدس واللاجئين وتشريع الاستيطان والتماهي مع الاطروحات الاسرائيلية اليمنية المتطرفة تجاه القضية بحيث يتم الاستيلاء على اكبر مساحة ممكنة من الارض وزج التجمعات السكانية الكبيرة في اضيق مساحة منها وفق منظومة ابارتهايد محكمة تستند إلى إدارة شؤون السكان وتبتعد كثيراً عن مقومات الهوية والدولة وتقرير المصير والعودة .
وإذا كان عقد دورة المجلس الراهنة احد ادوات الرد على التحديات الكبرى التي تتعرض لها القضية ، فإن هذه الاداة بحاجة إلى إعادة التمحيص بها والتدقيق في مكوناتها وآليات تشكيلها والتي ما زالت تستند إلى ادوات الكوتة الفصائلية رغم وجود العديد من المتغيرات الهائلة في الساحة الفلسطينية التي تتطلب تغيير هذه الادوات واستبدالها بأدوات أكثر حداثية وديمقراطية اي تستند للانتخابات وفق قانون التمثيل النسبي كما جاء باتفاق القاهرة 2011 .
إن نظرة لطبيعة مكونات المجلس وآلية الاختيار نجد أنها لم تبارح المراحل الاولي من تكوين المنظمة من حيث البنية والتركيبية والأدوات فهي ما زالت تعتمد على نظام الكوتا ولا تقترب باي حال من الاحوال من الديمقراطية ، خاصة إذا ادركنا ان هناك متغيرات في وزن وحجم وتمثيل الفصائل المكونة للمنظمة وكذلك الاتحادات الشعبية والنقابات المهنية ، كما ان هناك قوى وازنة اصبحت تمثل مكانة وحجماً كبيراً بالساحة الفلسطينية مثل حماس والجهاد حيث يجري تجاهلهما وحتى عدم توجيه دعوة لهما للحضور بصفة مراقب حتى يتم ترطيب الاجواء وتوفير المناخات من اجل التمهيد لعقد دورة جديدة للمجلس توحيدية وفق مخرجات بيروت 2017 .
لقد افرزت نتائج انتخابات المجلس التشريعي 2006 والبلديات التي تمت بالضفة 2017 مدى اضمحلال بعض فصائل المنظمة وخاصة اليسارية وتراجع شعبيتها ومكانتها بصورة ملموسة ، وهذا ما تؤكده نتائج استطلاعات الراي العام التي ما زالت تعطى الوزن الأكبر لكل من حركتي فتح وحماس ، علماً بأن الاتحادات الشعبية التابعة للمنظمة لم يتم اجراء انتخابات بها منذ فترة زمنية طويلة وما زالت هيئاتها التنفيذية القديمة هي التي تمثل هذه الهيئات ويتم دعوتهم على اساس ذلك رغم عدم تجديد شرعيتهم بواسطة الانتخابات مع الاشارة إلى ان باقي الحركات السياسية مثل حماس والجهاد والمبادرة لم يتم فتح المجال لهم بالدخول في هذه الاتحادات ، بمعنى انه حتى لو جرت الانتخابات وفق البنية القديمة فإنها ستعزز ذات القوى النافذة وخاصة ممثلي حركة فتح فقط في ظل سد الطريق امام مشاركة الاخرين .
اعتبرت منظمة التحرير احد ابرز الانجازات للنضال الوطني الفلسطيني من حيث تعبيرها عن الهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة للشعب الفلسطيني في كافة اماكن تواجده وقد تجسد ذلك بالكفاح الوطني المشروع والذي تعزز بالاعتراف العربي والدولي بها في عام 1974، الامر الذي رسخ من العنوان الذي يعبر عن الوطنية الفلسطينية ومنع اية جهود لاختطاف هذا التمثيل ، كما منع محاولات البعض من المجموعات بالوطن من ادعاء تمثيل الشعب الفلسطيني ، حيث قبرت هذه المحاولات مثل روابط القرى ومشاريع الإدارة الذاتية ،ولجان الحوار مع اميركا واسرائيل على قاعدة الموقف الوطني الجمعي الملتف حول وحدانية تمثيل المنظمة لشعبنا .
بعد تأسيس السلطة تضخمت الاخيرة على حساب المنظمة التي تهمشت بصورة كبيرة واصبحت تستخدم كأداة لتجديد الشرعية أو تسويغ موقف سياسي كما حدث في دورة عام 1996 التي تم بها تغير الميثاق بطلب من كلينتون رئيس الولايات المتحدة آنذاك ، كما تجددت عملية الاستخدام بعد احداث الانقسام 2007 ، وخاصة عبر عقد اجتماعات متعددة للمجلس المركزي ليعطي التشريع والتفويض للسير بالمسار السياسي التفاوضي على وجه التحديد وكذلك لإعادة تشريع الاعتراف بالقيادة السياسية، خاصة بسبب تجميد الانتخابات وعدم اجرائها بصورة دورية كما ينص القانون الاساسي ، حيث تم احياء المجلس واللجنة التنفيذية بصورة ملفتة بعد احداث الانقسام ، علماً بأن حماس بالمقابل حاولت استثمار المجلس التشريعي لسن تشريعات ، وقوانين لإعادة تأكيد مشروعية حكمها في غزة ، ومن الجهة الاخرى فقد قام الرئيس بسن عدة قرارات بقوانين خارج اطار المجلس التشريعي ودون مصادقته.
الآن وامام المرحلة الصعبة والخطيرة التي تتعرض لها القضية بات من الضروري اعادة تسليط الضوء على منظمة التحرير وذلك في مواجهة سياسة التجزئة والتفتيت الممارسة من قبل الاحتلال وبوصفها الوعاء الجامع والمعبر عن الهوية الوطنية لشعبنا وذلك بدلاً من محاولات زج التجمعات السكانية الفلسطينية لخياراتهم الجهوية والذاتية تحت عناوين السلام الاقتصادي والإدارة الذاتية في سياق صفقة القرن .
ولكن حتى يتم مواجهة هذه التحديات لا بد من تحديث وتطوير الأدوات القادرة على المواجهة وفي المقدمة من ذلك المنظمة ،والنظام السياسي بصورة عامة وذلك من خلال تفعيل الاطار القيادي المؤقت للمنظمة واجراء انتخابات للمؤسسات التمثيلية الفلسطينية مثل المجلس التشريعي و للمجلس الوطني وفق قانون التمثيل النسبي الكامل ، وكذلك للرئيس.
ولان هناك دلالات لمكان عقد دورة المجلس فلا بد أن يعقد بالخارج ،أو عبر تقنية الفيديو كونفرنس خاصة إذا ادركنا ان الاحتلال قام بمنع العديد من الاعضاء للمشاركة بالاجتماعات في رام الله وان فصائل وازنة لا يسمح لها الاحتلال بالوصول إلى رام الله .
إن القيام بحل المجلس التشريعي كما يتم تداوله يعنى انقلاباً على المسار الديمقراطي وعلى اتفاق القاهرة 2011، كما يعنى اعادة هيكلة السلطة على قاعدة استمرارية سيطرة الحزب الحاكم بعيداً عن الشراكة التي تشكل المفتاح لحل ازمة الانقسام واستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة ديمقراطية وليست فصائلية.
إن محاولة ادخال عناصر قيادية في السلطة في اطار اللجنة التنفيذية كما رشح من وسائل الاعلام يشكل نسفاً لكل الاصوات التي كانت تنادي بفصل السلطة عن المنظمة ، لأن التماهي بينهما لا يساهم في اعادة بناء واحياء المنظمة لتأخذ دورها الطبيعي بالعمل السياسي ولكي تبقى السلطة اداة تقدم الخدمات لأبناء شعبنا .
إن المرحلة الجديدة تتطلب ادوات جديدة ، وليس الأدوات القديمة التي كانت صالحة في مرحلة ولا تصلح راهناً ، حيث لا يعقل ان يستثنى قوام المجلس الوطني الراهن قطاعات سياسية واجتماعية وازنة وتعتمد قوى وفصائل اصبح وجودها غير ملموس وتراجع بصورة كبيرة بالمجتمع لدرجة التلاشي والانقراض وإذا كانت الشرعية التاريخية مفيدة وضرورية ويجب عدم نكرانها فإن تجديد الشرعيات وفق قوانين المعالم الحديث لا يمكن ان يتحقق دون الشرعية الانتخابية .