مع الباحث سالار فندي وحديث عن أول دراسة أكاديمية حول حركة الأنصار

ماجد الحيدر
2018 / 5 / 2

مع الباحث سالار فندي وحديث عن أول دراسة أكاديمية حول حركة الأنصار..
لقاء أجراه ماجد الحيدر ونشر في العدد 25 من جريدة صباح كوردستان البغدادية




بين أروقة جامعات الإقليم ومكتباتها وأرشيف الأحزاب ومكاتبها وبيوت المساهمين الحقيقيين في صنع التاريخ ينهمك الأكاديمي والباحث سالار فندي في إعداد رسالة للدكتوراه هي الأولى من نوعها حول حركة الأنصار الشيوعيين في كردستان وتاريخها. للحديث عن هذا الجهد البحثي المضني وإلقاء بعض الضوء على تاريخ حركة الأنصار التقت صباح كردستان بالأستاذ فندي وسألته أولا:

- من أين جاءت فكرة البحث وما الذي دعاك الى اختيار هذا الموضوع بالذات للكتابة عنه؟
* بصراحة لم يكن هذا هو الموضوع الذي كنت أنوي الكتابة عنه لأطروحة الدكتوراه، فقد كنت أرغب في الكتابة عن الفساد وأثره على السياسة وخاصة في العهد الملكي كي تكون مدخلاً لمن يريد أن يكتب عن ظاهرة الفساد المتفشية في الوقت الحالي في العراق. ولكن نتيجة التشاور مع المشرف على كتابتي للأطروحة وهو البروفيسور الدكتور عبد الفتاح بوتاني تم تغيير عنوان الأطروحة الى العنوان الحالي أي أن المشرف هو صاحب الفكرة ولست أنا. ولكن والحق يقال وبعد أن قمت بقراءة بعض المصادر والمذكرات الشخصية لبعض القادة والأنصار الشيوعيين أعجبت بالموضوع وعرفت قيمة الموضوع ودور الحزب الشيوعي في الحركة الوطنية العراقية بصورة عامة وحركة التحرر الوطني الكردية بصورة خاصة.
- ما أهم الجوانب والمباحث التي اشتملت عليها الدراسة؟
* تحتاج كل دراسة أكاديمية طبعا الى خطة أولية. البحث حالياً مقسم، حسب الخطة الأولية، الى ستة فصول: فصل تمهيدي من بدايات تأسيس الحزب الشيوعي عام 1934الى سنة 1978 ومكانة الكرد فيه وموقفه من القضية الكردية لغاية 14 تموز 1958 ثم اندلاع الثورة الكردية في 11 أيلول 1961 وتجربة الأنصار الأولى في الكفاح المسلح بعد انقلاب 8 شباط 1963 ولغاية 11 آذار 1970 ثم المدة ما بين 1970 و 1979 وما شهدته من توتر للعلاقة بين البارتي والشيوعي ودخول الثاني في جبهة مع حزب البعث في 17 تموز 1973 ثم تدهور العلاقة بين الحزبين وقرار الحزب بحمل السلاح ضد نظام البعث واللجوء الى كردستان وتشكيل فصائل الأنصار.
- وكيف بدأت الحركة؟
* هذا ما يبحثه الفصل الأول الذي يتناول بدايات الكفاح المسلح والتهيؤ له واتخاذ القرار الرسمي من قبل الحزب بتبنيه والتهيؤ له بالتدريب وكذلك مصادر التمويل والحصول على السلاح والتركيب الاجتماعي للأنصار من الجنسين والجهات الداعمة، إذ من المعلوم أن بعض الدول قد دعمت الحركة وإن بشكل محدود. كما يبحث هذا الفصل بعض المسائل التنظيمية للحركة مثل نظامها الداخلي وتوزيع قواطع الأنصار في سوران وبادينان ومؤتمرات وكونفرنسات الحزب ذات العلاقة والأمور العسكرية واللوجستية. أما الفصل الثاني فيتناول موقف الحزب من الحرب العراقية الإيرانية والوسائل التي اتبعتها الحكومة العراقية في محاربة الأنصار سواء عن طريق دس عملائها في صفوف الحركة أو نشر العيون في المناطق المحررة من كردستان ومراقبة الأنصار أو المداهمات العسكرية أو حتى إرسال الأدوية والأطعمة المسمومة الخ وكذلك يتناول هذا الفصل الهجوم التركي على كوردستان عام 1983 فضلاً عن مبحث آخر عن المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي باعتباره نقطة فاصلة ولحظة تحول في تاريخ الحزب وحركة الأنصار والاتهامات الموجهة للحزب بكونه اتجه نحو "التكريد" باعتبار أن الأكراد أصبحوا يشكلون أغلبية أعضاء اللجنة المركزية للحزب كما لم تخلُ الساحة ممن شبّهوا المؤتمر بكونه نوعاً من المؤامرة أو التصفية الداخلية. ويمتد هذا الفصل ليشمل تاريخ الحركة بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية واستخدام النظام للأسلحة الكيمياوية وعمليات الأنفال وحتى انتفاضة آذار 1991 ونهاية حركة الأنصار.
- وما هي أبرز معارك الأنصار وعملياتهم ؟
* هناك نوعان من العمليات التي خاضها الأنصار: أولها ما قام بها الانصار لوحدهم مثل الكمائن وعمليات اقتحام الربايا ومعاقبة المتعاونين مع النظام، أما الثانية فهي التي تمت بالتنسيق مع الاحزاب الكردية وبالأخص الديمقراطي الكردستاني.
- وكيف كانت علاقة الحزب الشيوعي وحركة الأنصار بالأحزاب والقوى الكردستانية وتنظيماتها العسكرية الفاعلة على الساحة؟
* كان الحزب الشيوعي عضواً في كل من الجبهة الوطنية القومية الديمقراطية (جوقد) التي تجمعه بالاتحاد الوطني الكردستاني والجبهة الوطنية الديمقراطية (جود) التي تجمعه بالحزب الديمقراطي الكردستاني وقد سعى كثيراً (من خلال موقعه فيهما) الى التقريب بين الحزبين وتمتين العلاقات بين كل الأحزاب والقوى الكردستانية مثل الحزب الاشتراكي الكردستاني وحزب كادحي كردستان وحزب الشعب الكردستاني وغيرها. هذه الأمور يتم بحثها في الفصل الرابع من الدراسة وهو الفصل الذي يتناول بالمناسبة حدثاً مفصلياً شديد الأهمية في تاريخ الحزب الشيوعي وحركة الأنصار ألا وهو أحداث بشتاشان التي تعرض فيها الحزب لضربة قوية أدت الى خسارة العديد من الكوادر المتقدمة والمتخصصة على يد قوات الاتحاد الوطني وهو مبحث يحتاج الى الكثير من الدراسة والتحليل للوصول الى حقيقة ما جرى ومن هو المسؤول عنه.
- وما هي أبرز الآراء المطروحة حول المسؤولية عن هذه الأحداث؟
* هناك العديد من الآراء في هذا الصدد منها ما صدر من داخل صفوف الحركة خاصة بعد عقد المؤتمر الرابع للحزب (1985) من آراء بأن اختيار موقع بشتاشان كموقع لقيادة الحزب والمكتب الإعلامي المركزي والمكتب العسكري كان غير صحيح. ثانياً هناك من رآى بأن الحزب الشيوعي صار ضحية للتحالفات التي دخل فيها مع الأحزاب الكردية ولم يستطع الحفاظ على موقف متوازن من خلال الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأحزاب، بل هناك اتهام بأن الحزب دخل في الصراع بين البارتي والاتحاد الوطني، كما يوجد اتهام بأن القيادة لم تكن جادة في اتخاذ قرار فوري وحاسم لتجنب ما حدث، وهناك رأي يذهب الى وجود شبه اتفاق بين الحكومة العراقية في تلك الفترة وقيادة الاتحاد الوطني على تصفية الشيوعيين مقابل الدخول في مفاوضات رسمية بينها. الآراء متعددة وينبغي أن تدرس بشكل حيادي وموضوعي في سبيل الوصول الى حقيقة ما حدث في بشتاشان.
- ماذا عن النشاطات الثقافية والاجتماعية التي ميزت الأنصار عن باقي التنظيمات؟
* إن تميز الأنصار عن باقي التنظيمات بكونها لم تقتصر على الجانب العسكري والسياسي حقيقة معروفة لجميع مواكبي تلك الفترة. فقد كانت لهم نشاطات ثقافية وفنية واجتماعية كبيرة. وهذا ما يحاول الفصل الخامس التركيز عليه من خلال استعراض نشاطاتهم الثقافية والاعلامية باللغتين العربية والكردية من إذاعة وصحف ومجلات وعروض فنية ومعارض ونشرات الخ. هذا فضلا عن الحديث عن المدارس والتعليم ودور المرأة الانصارية كزوجة ومقاتلة.
- هل توفرت لديك مصادر كافية لبحث هذا الموضوع الشائك؟
* مثل كل بحث أكاديمي يخوض في أرض بكرٍ، واجهتني مشكلة ندرة المصادر وصعوبة الحصول عليها. في بداية عملي كنت أعقد آمالاً كبيرة على الوثائق التي يمكن أن أحصل عليها من مقر الحزب الشيوعي في أربيل أو بغداد، ولكن وبعد عدة زيارات لمقر الحزب الشيوعي الكردستاني في أربيل عرفت من القيادة بأن الوثائق كلها تم حرقها عام 1996 في مدينة عينكاوه. هذا الأمر آلمني جداً إذ من المعلوم أن كتابة أي بحث تاريخي يحتاج الى مصادر ووثائق. وتعويضاً لما فقدناه من وثائق اعتمدنا على ما كتبته القيادات والكوادر المتقدمة الشيوعية والأنصار أنفسهم من مذكرات عن تلك الفترة، فضلاً عن إجراء مقابلات شخصية مع الأشخاص الذين كانوا منخرطين في العمل المسلح، وهنا ينبغي أيضاً إجراء مقابلات مع كوادر من الأحزاب الأخرى في سبيل الوصول الى حقيقة مقنعة عن الأحداث، وما زال عندي أمل بالحصول على الوثائق، وقد بلغ مسامعي أن أحد الأصدقاء الذين كانوا يعملون مع قوات التحالف يحتفظ ببعض الوثائق التي حصل عليها عن طريق الأمريكان الذين كانوا يعملون في بغداد وإذا صح هذا الخبر فإنني آمل في الحصول على بعض تلك الوثائق وخاصة وثائق الحكومة العراقية وما كتبته عن الحزب الشيوعي ونشاطه المسلح.
- هل سبق وأن كتبت دراسات أكاديمية حول هذا الموضوع؟ وما أبرز الكتب والدراسات التي تناولت حركة الأنصار؟
* لا توجد حسب علمي دراسات أكاديمية عن الموضوع الذي أعده. نعم هناك كتاب للسيد فيصل الفؤادي عنوانه مقارب لعنوان أطروحتي ولكن كما تعلمون الكتاب شيء والبحث الأكاديمي شيء آخر.
- أي أنها هذه أول دراسة أكاديمية حول الموضوع؟
* نعم، ولكن هناك رسالة ماجستير كتبتها السيد داود الأمين الملقب بأبو نهران عن إعلام الحزب الشيوعي خلال فترة الكفاح المسلح. هذه الرسالة ستكون مفيدة لي بالطبع رغم أنها تغطي الجانب الإعلامي فقط.
- كخلاصة: ما الذي يمكن للدارس أن يستنتجه من دروس وعبر من تاريخ هذه الحركة؟
* تجربة الأنصار ينبغي أن تدرس من قبل الجميع لأن الأنصار عملوا بنكران ذات وأثبتوا أن حركتهم كانت حركة عراقية بامتياز رغم الأسئلة عن نجاحها أو فشلها في بلوغ أهدافها. لقد كانت حركة وطنية دفعت ثمناً باهضاً نتيجة وطنيتها. قدم الأنصار خدمات جليلة للحركة الوطنية العراقية ولحركة التحرر الكردية لكنهم مع الأسف لم يحظوا حتى الآن باهتمام يتناسب مع ما قدموه. بل أرى أن الاحزاب الكردية مقصّرة بحق حركة الأنصار لأنها لم تولها اهتماماً يليق بما قدمه للحركة الكردية. الشيء الثاني الملاحظ في حركة الانصار هو تميزها باستخدام العنصر النسوي وهي تجربة رائدة وفريدة في تاريخ كل من الحركة الوطنية العراقية والحركة التحررية الكردية حيث شاركت النصيرة الشيوعية بقوة في العمل العسكري الى جانب باقي مجالات الحياة الأخرى. حركة الأنصار كانت أيضاً عاملاً ساعد على إيصال صوت الشعب الكردي الى العالم وخاصة دول المعسكر الاشتراكية إذ يذكر أحمد باني خيلاني في مذكراته، على سبيل المثال، بأنهم عندما التحقوا بالثورة الكردية في سنة 1979 في منطقة نوزنك والتقوا بالراحل مام جلال فرح الأخير جداً لالتحاق الشيوعيين بالحركة الكردية وقال ما معناه أن الكرد أصبح لهم الآن منفذ على العالم الخارجي أو أصبح لديهم نافذة لكي يطّلعوا على العالم الخارجي وليرى العالم الخارجي الكرد من خلال النافذة الشيوعية.
- استطراداً لما أشرت اليه في بداية لقائنا من أنك كنت تنوي الكتابة عن الفساد وأثره على السياسة في العهد الملكي. ألا يبدو الأمر غير مألوف بعض الشيء لدى الأجيال الجديدة التي تشبعت بفكرة مغلوطة مفادها إن العصر الملكي كان عصراً ديمقراطياً مزدهراً وخالياً من الفساد؟
* نعم كلامكم صحيح وفِي محله. الفساد موجود في كل الازمنة والعصور حيث ان ظاهرة الفساد هي ظاهرة ملازمة للإنسان وتوجد ادلة تاريخية على وجود الفساد في عصور ما قبل الميلاد. لكنني رغم هذا أعتقد بأن القارئ كان يمكنه من خلال الدراسة ان يقارن فساد بعض المسؤولين في العهد الملكي (الذي كان محدود النطاق وقليل التكلفة) بالفساد في العهد الحالي الذي بلغ أشكالاً ومديات لم يسبق لها مثيل.
- سؤال أخير: يقودنا الحديث عن فترة الكفاح المسلح في حركة التحرر الوطني الكردستاني الى التساؤل عن مدى نجاح الحركات السياسية والأحزاب الحاكمة على وجه الخصوص في الانتقال من عقلية وسلوكيات وأساليب العمل المسلح في الجبل الى ما يقابلها في العمل السياسي الدستوري وإقامة المجتمع المدني الديمقراطي المنشود؟
* من المؤسف أن أقول بأن جميع الأحزاب التي شاركت في مقارعة النظام السابق قد جلبت تجربة الجبل بما لها وما عليها الى المدينة وجاولت تطبيقها فيها، وهذا خلل كبير لأن العقلية التي كانت تحكم في الجبل لا تصلح لحكم وإدارة المدينة والمجتمع المدني. إذن بناء دولة مدنية حديثة بتلك العقلية لا يمكن أن يكتب له النجاح، وما نراه حاليا من انقسامات وصراعات لها في الحقيقة جذورها التي تعود الى فترة الكفاح المسلح. لم تستطع الأحزاب مع الأسف أن تخلق هوية المواطنة وتغرز الشعور بها فقد كان انتماؤها الأول في الجبل لأحزابها وتنظيماتها المسلحة وكان كل حزب يدافع عن منطقته ومجال نفوذه ولا ينظر الى منطقة الأحزاب الأخرى كوحدة واحدة بل كانت الساحة الكردية في تلك الفترة مقسمة على أحزاب وما زلنا نعاني من تلك العقلية ومن نظرتها الضيقة حتى الآن وما زال الانتماء الحزبي هو الشعور الطاغي لدى أعضاء كل حزب حتى غدا أقوى من الانتماء الى الوطن أو إدارة الدولة وأهملت العمل على تحقيق العدالة والمساواة وتطبيق القانون وتأسيس دولة مدنية.

عن الباحث:
ولد سالار عبد الكريم فندي عام 1974 في دهوك وأكمل الدراسة الأولية فيها ثم التحق بكلية الآداب-قسم التاريخ جامعة صلاح الدين. ونتيجة الاقتتال الداخلي الذي حدث بين الاتحاد الوطني والبارتي اضطر الى ترك الدراسة ثم اكمالها في جامعة دهوك ليحصل على البكالوريوس عام 1997 ثم التحق بالجامعة المستنصرية وحصل على شهادة الماجستير في التاريخ وكان عنوان رسالته (دور نواب السليمانية في مجلس النواب العراقي 1945-1958). شغف منذ صغره بالتاريخ وفتح عينيه في منزل يحتوي مكتبة كبيرة حافلة بمصادر مهمة عن تاريخ العراق وكوردستان، وكان لوالده أبلغ الأثر في عشقه للتاريخ ودفعه لدراسته والتخصص فيه. شارك في العديد من المؤتمرات العلمية ومنها المؤتمرين العلميين الأول والثاني لجامعة نوروز ببحثين الأول كان (حق تقرير المصير في حركة الشيخ عبيد الله النهري) والثاني بعنوان (أثر الفساد على الأوضاع السياسية في العراق في العهد الملكي). عضو في نقابة صحفي كردستان منذ المؤتمر التأسيسي كما عمل عضواً في هيئة تحرير مجلة دجلة التي كانت تصدر عن وزارة الثقافة في إقليم كردستان بالحرف اللاتيني. يعمل حالياً تدريسياً في كلية التربية الأساسية-قسم التاريخ -جامعة دهوك. ينحدر فندي من أسرة معروفة في مجال الأدب والعلم فوالده السيد عبد الكريم فندي عضو في اتحاد الأدباء الكرد واتحاد أدباء العراق وتولى رئاسة تحرير مجلة كاروان الكردستانية ومجلة الأديب الكردي (نوسه رى كورد) الصادرة في بغداد وكان أول مدير عام للثقافة والشباب في إقليم كردستان. أما عمه الأديب والصحفي رشيد فندي فهو شخصية معروفة في مجال عمله وكان نائباً لرئيس المجمع العلمي الكردي علاوة على عمه الدكتور عزت فني وهو شخصية أكاديمية وأدبية معروفة وأخيه هكار فندي الصحفي والمؤلف المعروف.