تحالف -سائرون-! (14 )

طلال الربيعي
2018 / 4 / 30

ان توصيفي لممثل الحزب الشيوعي العراقي في تعليقاته على احدى حلقات هذه السلسلة بكونه فاشي غوبلزي لم يكن وصفا قسريا من قبلي او نتاح حالة مزاجية مؤقتة اعترتني حال قرائتي تعليقاته واملت علي توصيفه بهذه الشاكلة. كلا, لا هذا ولا ذاك. ان توصيفي اياه بالفاشية, كسلوك وآيديولوجية, كان, ولا يزال, منسجما مع حقيقة اننا نعيش عصر الآيديولوجيات واحتدام الصراع بينها وعلى عكس ما يتوهم او يخادع البعض من المتثاقفين من البرجوازية الصغيرة (اقرأ: المنحطة فكريا وحضاريا) والذين يعملون, بوعي او بدونه, كطابور خامس او كجيش احتياطي او فعال للآيديولوجية الكونية السائدة, الآيديولوجية النيوليبرالية. والبعض من هؤلاء يتجلبب بجلباب الشيوعية او الحداثة والمدنية والحرية, والبعض الآخر يعتمر العمامة ويضع نفسه في معسكر شيوخ الاسلام او مريديه. وهؤلاء بسبب كونية الآيديولوجية النيوليبرالية, وخصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والنماذج الكينزية لما يسمى "دول الرفاه", التي يتبناها هؤلاء باطنا او ظاهرا, وايضا بسبب مشاعر ضعة عندهم متأتية من كونهم يشغلون موقعا طبقيا متدنيا تجاه ممثلي النيوليبرالية وآيديولوجيتها, وخصوصا على الصعيد العالمي, وكذلك ايضا لكونهم, على الصعيد المحلي, امتداد لطبقة برجوازية طفيلية تابعة لاانتاجية, سواء على صعيد الانتاج الاقتصادي او العلمي-معرفي, وعلى النقيض الكامل من واقعهم في عملية الانتاج الاقتصادي او المعرفي, يعتقدون انهم يمتلكون مزامير داوود وحكمته, التي تتعالى فوق الآيديولوجيات وتتسامى فوق الطبقات. وبذلك يسوقون تحالفهم, سائرون, بكونه تحالفا لا آيديولوجيا. وليس صدفة ان يقترن الكذب بالفاشية, فنتكلم عندها عن فاشية غوبلزية. فآيديولوجية التحالف لا بد ان تكون منسجمة مع الدستور العراقي باعتباره دستور يتبنى اقتصاد السوق (المنفلت), كي يستطيع التحالف والحزب البقاء في العملية السياسية والعمل ضمنها. والتسميات هي مجرد تمويه من اجل تكريس الواقع وليس نفيه او تخطيه. وكلامي هذا متفق مع اوليات المنطق الشكلي وحتى لا يستدعي مني ان احاجج بمنطق آخر, منطق الديالكتيك.

فكما ذكرت في حلقة سابقة, ان قرارات بريمر, والتي تسيّر مجمل العملية السياسية والتي صادق عليها الحزب الشيوعي العراقي ايضا, يعتبرها العديد مخالفة لاتفاقيات جنيف ولاهاي التي تنص على وجوب احترام القوة المحتلة لاصول واموال البلد المحتل وعدم بيعها والتفريط بها. وقد قاوم, ويقاوم, عراقيون من خارج العملية السياسية فرض ما اسمته مجلة الايكونوميست اللندنية فرض نظام الحلم الرأسمالي في العراق. كما انتقد آخرون بشدة فرض اصولية السوق الحر باعتبارها, حسب تعبير ديفيد هارفي في كتابه المشار اليه من قبل, "المنطق الاعوج الذي يتجاهل التاريخ". وممثل الحزب, كأحد افراد البرجوازية الصغيرة المنحطة التي تتبرقع ببرقع الشيوعية, يعتبر تعبيرا مثل "المنطق الأعوج" بمثابة هرطقة او شتيمة! ولا ندري نحن هل علينا ان نضحك ام نبكي ان كان هذا وامثاله يجترون شعارات المدنية والحرية, ويبدو انهم على قدر قوسين او ادنى من اعلان نيتهم في انشاء "المدينة الفاضلة"!

ومع ان تلك الاحكام والقواعد التي فرضها بول بريمر غير قانونبة عندما تفرضها قوة احتلال, الا انها تصبح قانونية وشرعية اذا تبنتها "حكومة ذات سيادة". وهكذا قيل عن الحكومة المؤقتة التي عينتها الولايات المتحدة والتي تولت المسؤولية في نهاية حزيران/ يونيو عام 2004 بانها ذات سيادة. لكن كل ما لديها من صلاحيات كان ينحصر في المصادقة على القوانين القائمة. لكن بريمر عمد قبل التسليم الى مضاعفة اعداد القوانين بهدف تحديد قواعد واحكام السوق الحرة والتجارة الحرة بتفاصيلها الدقيقة (بخصوص مسائل كثيرة التفاصيل مثل قوانين حقوق النشر والتأليف وحقوق الملكية الفكرية), آملا بذلك ان يكون لهذه الترتيبات المؤسساتية "حياتها وزخمها الذاتي" بحيث يصعب الغاؤها لاحقا. وقد تحققت آمال بريمر بالفعل بعدم تضمن لا برنامح الحزب ولا برنامج التحالف الدعوة الى الغاء هذه القواعد والاحكام. ولكنهم, بغوبلزية منقطعة النظير, يزعمون ليل نهار ان تحالفهم ليس تحالفا آيديولوجيا!

وهذه الاجراءات التي اتخذها بريمر وقدم خطوطها العريضة بحسب نظرية النيوليبرالية كانت ضرورية وكافية لخلق الثروة وبالتالي تحسين مستوى السكان عموما (نظرية النيوليبرالية او الترشح من فوق الى اسفل Trickle-Down Theory تعني ان اغناء اقلية من السكان في القمة سيعود بمنافعه على الجمبع, وقد اثبت واقع العراق ودول عديدة اخرى خطل هذه النظرية, والعديد من الاقتصاديين قد دحضها نظريا ايضا. وحتى مجلة الرأسمالية العالمية نفسها The New York Times Magazine عبرت عن فشل هذا النوع من الاقتصاد ومنذ سنوات عديدة وقبل احتلال العراق, وهي تفعل ذلك بايماءات ثقافية وسينمائية عديدة وباسلوب ساخر من اجل ايصال رسالتها الى قرائها. فهي تقول
Like Reagan s trickle-down economics, trickle-down culture was supposed to help deliver the goods to the masses. With a little help from Masterpiece Theater broadcasts, Book-of-the- Month-Club sub-----------script-----------ions and endless museum reproductions of Van Gogh s Sunflowers, cultural missionaries like Mortimer Adler and Will and Ariel Durant were going to make us a more civilized nation. Unfortunately, something else has happened. We ve somehow slipped into a Classic Comics limbo, where it s hard to tell what s parody, what s rip-off and what s just user-friendly adaptation.
The Trickle-Down Theory
https://www.nytimes.com/1996/09/22/magazine/the-trickle-down-theory.html
"مثل اقتصاد ريغان في الترشح، كان من المفترض أن تساعد الثقافة الترشحية على إيصال الخيرات الى الجماهير. وبمساعدة بسيطة من برامج "مسرح التحفة"، واشتراكات "كتاب الشهر"، ونسخ المتاحف التي لا نهاية لها من "عباد الشمس" لفان كوخ، كان المبشرون الثقافيون مثل مورتيمر أدلر وويل وأرييل ديورانت يبشرون باننا سنكون أمة أكثر تحضرا. لسوء الحظ، حدث شيء آخر. لقد انزلقنا بطريقة أو بأخرى إلى لعبة لومبو كوميكس الكلاسيكية (لومبو مكان خيالي في كتب تنشرها DC Comics، ط.ا) حيث من الصعب معرفة ما هي المحاكاة الساخرة، وما هي السرقة، وما هو التكيف سهل الاستخدام من قبل المستهلك.
وتضيف ان هذا الاقتصاد محاكاة ل
tacky pamphlet of Auden poems called Tell Me the Truth About Love
" كتيب حقير من قصائد أودن بعنوان "أخبرني الحقيقة عن الحب".
وسائرون, حالهم حال الاطراف الاخرى المشتركة في لعبتهم السياسية يستوحون الكتيب الحقير من قصائد أودن "أخبرني الحقيقة عن الحب", سواء سمعوا به او لم يسمعوا. وتوخيا للحياد العلمي ودرءا لأي تحامل من قبلي على الشاعر اودن, ارفق هذا الرابط كي يستطيع الكل اصدار حكمه الخاص بخصوص شعره "أخبرني الحقيقة عن الحب".
O Tell Me the Truth About Love by W.H. Auden (read by Tom O Bedlam)
https://www.youtube.com/watch?v=g3O2H3bV1eo

وحسب نظرية الترشح النيوليبرالية, يقول "السيد" مقتدى الصدر انه يعيْش الملايين من اتباعه. ونحن لا نقول او نتسائل "من اين لك هذا"؟ لانه, كما قد يبدو هنا, !الضرورات (لا) تبيح المحظورات"! ولكننا لربما نستطيع فقط ان نقول "الحمد لله على نعمته. آمين رب العالمين." الدولة النيوليبرالية لا تسأل من اين لك هذا, لانها لو سألت لكفت في ان تكون دولة نيوليبرالية!

فالافتراض بان الحريات الفردية مضمونة من خلال حرية السوق وحرية التجارة هي سمة اساسية مهمة في الفكر النيوليبرالي وهي السمة التي هيمنت (ولا تزال) على موقف الولايات المتحدة ازاء العالم. والشئ الذي سعت الولايات المتحدة دون شك لفرضه على العراق بالقوة هو ايجاد جهاز تابع للدولة تكون مهمته الاساسية خلق الظروف التي تيسر تراكم رأس المال الربحي لصالح رأس المال المحلي والاجنبي. وهكذا جهاز يصنفه الباحثون تحت اسم الدولة النيوليبرالية. فالحريات التي تجسدها هذه الدولة تعكس مصالح اصحاب الاملاك الخاصة والشركات متعددة الجنسيات ورأس المال التمويلي.

في حلقة سابقة اقتبست مقولة Matthew Arnold ان الحرية "حصان ممتاز يركبه المرء, انما ليركبه الى مكان ما". وخلاصة القول ان بريمر دعا العراقيين لركوب حصان حريتهم ليذهبوا (يسيروا كما في "سائرون") به مباشرة الى زريبة النيوليبرالية.

في كتابه التحول الكبير Great Transformation يقول كارل بولانيي في الفصل Freedom in a Complex Society ( ص. 257 فصاعدا)
http://archive.wphna.org/wp-content/uploads/2015/03/2001-GreatTransformation-2001-Intro-Stiglitz.pdf
بخصوص الحرية في الفكر النيوليبرالي, ان معنى الحرية في مجتمع معقد يصبح آسرا ويفرض نفسه بقوة بمقدار ما فيه من تناقضات وما يحمله من دوافع. وهنالك نوعان للحرية, احدهما جيد الآخر ردئ وسىء. ومن جملة ما اشار اليه من المعاني السيئة للحرية ذكره "حرية ان يستغل المرء زملاءه او حرية ان يكسب المرء مكاسب كثيرة وارباحا فاحشة دون ان يقدم للمجتمع خدمات مكافئة لها". وغني عن الذكر ان كلام بولانيي ينطبق بحذافيرة على ساسة وارباب العملية السياسية في العراق الذين يكسبون مكاسبا كبيرة بل وخرافية بطرق "قانونية" او لاقانونية وبدون تقديمهم للمجتمع خدمات مكافئة لها لها حتى ولو بالحد الادنى. وتمارس الجماعات المهيمنة سطوتها ايضا من خلال مؤسسات معينة مثل منتدى دافوس الاقتصادي العالمي وذلك من خلال وسائل لتبادل الافكار والتشاور مع القادة السياسيين المحليين والاتفاق معهم. لذلك تمارس هذه المؤسسات تأثيرا هائلا على الشؤون العالمية وتمتلك حرية العمل التي لا يمتلكها المواطن العادي. وعلى سببل المثال, شارك العراق في حضور مؤتمر دافوس في سويسرا ولكن, كما تذكر المصادر, ان رئيس الحكومة حيدر العبادي لم يحصل على ضمانات كاملة باعادة اعمار العراق من الدول الكبرى مما دعاه الى مغادرة لقاء المنتدى مبكرا!
لماذا غادر العبادي منتدى دافوس سريعا؟
http://www.shafaaq.com/ar/Ar_NewsReader/1d4b4b44-045f-4938-88c8-657b820f10d8

وفي الدولة ال(نيو)ليبرالية تتضائل فكرة الحرية لتصبح مجرد دفاعا عن العمل الحر, الذي يعني كامل الحرية لاولئك الذين لا يحتاج دخلهم وامنهم وراحتهم لأي زيادة, ومجرد قدر زهيد جدا من الحرية للناس الذين عبثا يحاولون الاستفادة من حقوقهم "الديموقراطية" ليجدوا ملاذا آمنا من سلطة اصحاب الأملاك. ولكن, وكما هي الحال دوما, ماذا لو لم يكن ممكنا وجود مجتمع تغيب فيه السلطة والاكراه وعالم تكون فبه القوة السلطوية معطلة, عندئذ فان الطريقة الوحيدة لتعزيز الرؤية للطوباوية الليبرالية ستكون بالقوة والعنف والشمولية السلطوية. فالطوباوية الليبرالية والنيوليبرالية, حسب رأي بولانيي, محكوم عليها بالفشل بفعل السلطوية وحتى الفاشية, وهكذا تضيع الحريات الخيرة وتبقى الحريات الشريرة.
يتبع