قمر الجزائر 12

أفنان القاسم
2018 / 4 / 29

الفصل الثالث

حَلَّ سعدي في الدكان، وبدأ ينتظر صلاح أن ينتهي من قبض ما يشتريه الزبائن من أثمان. لم يزل هناك منهم بعضُ الذين أطالوا البقاء: أعضاء من الإف ال ان، ثلاثة أو أربعة من الأجانب، وجهاء من علية القوم. كان أبو صلاح يراقب الجميع من خلف نظارته ذات فرعي العاج، وفي اللحظة التي أراد فيها سعدي، سعدي الذي تعذبه مشاكله، الخروجَ إلى الشارع، ليسترد أنفاسه، ولج أبو صالح خلسةً باب سعدي السري، وهمس في أذنه:
- السيدة القادمة، معلمة مِصرية.
وبالفعل، على بُعْدٍ ليس بعيدًا، رأى سعدي امرأة سمراء سمينة، في الأربعين، مُلْحِمَة الوجه.
- مِصرية! قال دَهِشَا. أنت متأكد؟
- تُعَلِّمُ العربية.
- لكن هل لم يزل من المعلمين مِصريون؟
- إنها الوحيدة التي بقيت منهم.
في الحال، سارع نحو السيدة التي يدور الحديث عنها أحد صبيان البقالة، وهو يفكر أنها علبة الفول المعتادة، وسألها:
- ماذا تريدين اليوم، يا آنستي؟
- علبة بازيلاء إسبانية، من فضلك.
هذه المِصرية، آخر مِصرية من المِصريين في أرض الجزائر، أحب سعدي أن يقرصها من صدرها العامر، وأن يقول لها "البازيلاء الإسبانية، إنها طبق الجنرالات، يا آنستي! فرانكو كان مولعًا بها، وكذلك مصارعو الثيران!". تذكر، عند ذلك، "كورِّيدا"، سباق ثيران، كان قد حضره في إشبيلية، خلال رحلة إليها، ليكتسب بعض التجربة، وَلْيُشَيِّدَ شبابه على قواعد قوية، كما كان يقول أبوه الكذاب المدعي! وكل هذا ليصبح رجلاً! لكن، من غير المعقول أن تكون الرجولة محط الكلام، دائمًا وأبدًا، وفي مراياه، ها هو الرجل الذي أصبحه: دم يلطخ روحه اليوم، هذا الدم الذي لوث ساقي حَسِي البرنزيتين. أخذ صوت طقطقات راقصة الفلامنكو الغجرية في كباريه مدريد يقرع رأسه. داخ، وتخيل نفسه معلقًا بثديي المِصرية الضخمين. ألقى نظرة راجية نحو صلاح: هيا! أسرع في الانتهاء من حساباتك، يا صديقي، فلتنته!
أحضر صبي البقالة علبة البازيلاء الإسبانية للمعلمة المِصرية، فوضعتها في كيس من القماش الأصفر.
- هل تريدين شيئًا آخر؟
لم تجب، واتجهت نحو صاحب البقالة، الذي عدَّلَ من وقفته، وهو يدفع نظارته على أنفه:
- ماذا أستطيع من أجلك، يا آنستي؟ طلب والد صلاح بلهجة مُفَخَّمَة.
أجابت المعلمة المِصرية بابتسامة عريضة:
- أتيت من أجل الرز، لقد وعدتني به في المرة الأخيرة.
ابتسم أبو صلاح بدوره:
- معذرة مرة أخرى، لن يكون لدي رز إلا في الغد.
- آه! عَمَلَتْ، مَغِيظة.
أوضح:
- إنهم جمركيو الميناء، يا آنستي. هناك جبال من الرز الكندي مكدسة في المستودعات، لكن لزحزحتها يضاعف الجمركيون من كسلهم.
- كما في كل مكان في البلد، يا سيدي العزيز!
- إنها لعنتنا التي لنا، يا آنستي! ("إرهابنا الخفي، الذي لا يقهر"، كان سعدي يفضل القول، على الرغم من الثديين الضخمين اللذين ترفعهما المعلمة المِصرية، على الرغم من جسدها الكبير الحجم، على الرغم من صدرها المغير كالجيش). إذن، لِنُسَهِّلَ علينا المهمة، نحن، التجار الشرفاء، نجد أنفسنا في وضعٍ نرشوهم فيه! وهذا ما حصل، يا آنستي.
- سأعود إذن غدًا.
- غدًا مساءً: الوقت الذي نُشَغِّلُ فيه ماكينة التوزيع. لِقَوْلِ الحق، جمركيونا من أكسل كل موظفي الدولة الآخرين، إذا ما كانت هناك دولة!
- أنت تعرف أنني لا أقصد أحدًا سواك.
بدا أبو صلاح مفتتنًا، وسعدي، من ناحيته، يتابع كر خيط فكرته: الله ما أضخم جسدها! دولة عسكرية! كانت المِصرية سمينة بالفعل. كانت سمينة، كانت دميمة، كانت جِد دميمة. سيعود إلى حَسِهِ، إلى حَسِهِ الجميلة والنحيفة، وسيبقى قربها كل حياته. تَعِبًا من انتظار صديقه، كان على وشك الذهاب لما سمع المعلمة المِصرية تضيف:
- الرز هنا نادر الوجود كالبيوت! الرز كالبيوت، يا سيدي العزيز!
كان أبو صلاح يعرف جيدًا جدًا إلى مَ كانت تريد الوصول مع مقارنتها السخيفة، إلا أنه تصنع الدهشة في هيئته:
- لم تزل الآنسة في الفندق؟
هزت رأسها، وهي تأخذ فجأة شكلاً محزَنًا، والبقال ساخطًا:
- هذا مؤسف حقَا!
ثم بدافع ألا يفقد زبونته لا أن يعينها فعلاً، ظن أن من واجبه إضافة:
- لكني ما زلت أبحث، كما أوصيتني، فلا تقطعي الأمل. سينتهي بي الأمر ربما إلى أن أجد لك فيلا جميلة، يا آنستي!
- حجرتان تكفياني، ستوديو، مهما كان صغيرًا.
- وإذا وجدت لك فيلا بلا خلو رجل، فماذا ستفعلين؟
- سأبحث عمن يشاركني إياها، قالت، وهي تلقي نظرة باتجاه صلاح، الجالس من وراء صندوقه بأبهة وعظمة، كما لو كان جالسًا على عرش. وسأجده، انتهت إلى القول، وهي تطلق تنهدة دَنِفَة.
- بالطبع ستجدينه. لا تيأسي إذن، يا آنستي!
- في المفتشية الأكاديمية يعيدون لي الكلام ذاته! أما لو كنت فرنسية أو صينية أو غيره لاختلف الأمر! نعم، هكذا تمشي الأمور منذ عشرات السنين، يا سيدي العزيز!
غضب أبو صلاح:
- أنا، أنا، أنا لست المفتشية الماخورية! أولئك العنصريون والبيروقراطيون الفجرة! أنا إذا وعدت أوفيت! يفضل الآخرون أن يوصدوا الأبواب على البيوت الفارغة، لكني أنا، عندما أعد أوفي.
- الله يديمك! من أجل أناس لطيفين مثلك لم أزل في هذا البلد. ولا تنس الرز غدًا مساءً.
في تلك اللحظة، دخل رجل، وألقى السلام على الجميع، فاستقبله أبو صلاح بحرارة:
- أتيت في وقتك، يا سي بودراع! لا بأس عليك؟
- لا بأس، الله ينجيك!
- الآنسة تسأل عن الرز، يا سي بودراع.
وسي بودراع يرى المِصرية، قالت عيناه: امرأة دسمة! النساء، هكذا يحبهن، بدينات، بدينات جدًا، ومليئات بلحمهن. ابتسم ابتسامة معسولة كشفت عن أسنان ناصعة البياض، وقال برياء، إرضاءً للآنسة:
- سآتيك بِطُن من الرز، يا سي بن ناصر.
توجه سي بن ناصر إلى المِصرية التي، لافتتانها بهذا الكلام، بدت تحلق كالملاك بجناحين أبيضين كبيرين، ورمشاها يخفقان خفق أرياش طائر أنعشته النسمات!
- هل أنت مبسوطة الآن؟
- مخلوبة!
- إذن كما قلت لَكِ، سيكون لك غدًا مساءً رزك.
- غدًا صباحًا، يا سي بن ناصر، لتكون سعادة الآنسة أكبر.
دارت من حول سي بودراع، وهي تردد: "شكرًا، يا سيدي العزيز! شكرًا، يا سيدي العزيز!"، ثم همست بِدَنَف، وهي تنظر من جهة صلاح:
- سأدفع بازيلائي الإسبانية للسيد صلاح، وأذهب.
- والفول، هل لم يزل لديك منه؟
- نعم، لدي منه ما فيه الكفاية حتى الآن. أشكرك!
الفول هو الطبق المفضل للمِصريين، فكر سعدي. لاحظ بأية طريقة أخذت معلمة العربية تحمر وتخضر، وهي تتكلم مع صلاح، وتلتصق به تقريبًا، ماسةً يده مسًا خفيفًا عند أخذ صرفها.
- إلى صباح الغد إذن، همهمت المِصرية بِدَنَفٍ أكثر.
انحنى أبو صلاح:
- إلى صباح الغد، يا آنستي.
لكنه لم يحزر ما كانت تريده حقًا: جذب انتباه ابنه.
بعد ذلك، أمسك البقال سي بودراع من ذراعه، وأدخله في حجرة صغيرة من وراء رفوف صُفَّت عليها مختلف أنواع معلبات الأغذية المحفوظة.
همس سي بودراع، وهو يملس شاربيه:
- شهية ومليئة بلحمها، تلك الدجاجة!
- أنت واثق مما قلت، غدًا صباحًا؟ سيكون لي رزي، غدًا صباحًا؟ سأل البقال "داعمَهُ وحاميَهُ".
- بما أننا دفعنا غاليًا لأولئك الأوغاد الجمركيين، سأرغمهم على ملء شاحناتك هذا المساء، وعند حوالي منتصف الليل يكون كل شيء قد انتهى، فاسهر على أن يكون مستودعك مفتوحًا في الساعة المتفق عليها. لكن قبل كل شيء... همس سي بودراع، وهو يفرك السبابة بالإبهام.
أعطاه سي بن ناصر حزمة ضخمة من النقود، وهو يطلب منه عدها، وهذا ما فعل، في الوقت الذي كان فيه يقترب من الباب، بعد أن دفعها بسرعة في جيب سترته.
- وإذن، أراك مسرعًا في الذهاب الآن، كما أرى!
- عندي اجتماع هام في قسم كومونة الإف ال ان، القسمة. مسئول رفيع في الحزب سيأتي. أنت أدرى بالوضع، المسئولون يتحركون كثيرًا هذه الأيام، وهذا شخصية من أهم الشخصيات.
- وأنت، حفظك الله؟ أنت من أهمها أيضًا، إلا إذا كان هذا شخصية أعلى منك؟
كان سي بودراع يلقي نظرات محمومة هنا وهناك في أنحاء الحجرة:
- وخلقناكم درجات.
- صدق الله العظيم.
- أين الباب الذي منه هَرَّبتني ذات مرة، يا سي بن ناصر؟
- رحم الله أيام زمان! الباب سددناه. لم يعد هناك باب.
رفع ستارًا خلفه باب مسدود بطوب أحمر.
- لولاك لعلقني الفرنسيون على حبل من جهنم!
- الصديق وقت الضيق...
- وَنِعْمَ الصديق!
- ها أنت اليوم ترد المعروف بالمعروف بل وأكثر.
- كيف يمكنني أن أنسى ما فعلته من أجلي، يا صديقي؟
وقبل أن يذهب، سأل سي بودراع:
- عدا الرز الذي سيكون لك هذا المساء، هل تريد شيئًا آخر؟
- قليلاً من الزبدة، طنًا أو طنين.
- توكل على الله.