المرجعية والانتخابات: المهدي على الابواب استقبلوه!!! ملحق 2

عبدالامير الركابي
2018 / 4 / 28


بلغ العالم،وبؤرة التحول الكوني العراقية، عتبة الانتقال العظمى، ومعها يتوقع ان تختل المقاييس، وتتشوش العقول، "وترى الناس سكارى وماهم بسكارى"، وحيثما يتعاظم التفارق بين الافكار الموروثة المعتادة، وتعاظم حضورالاشتراطات الواقعية الراهنة، فان حالة من الاضطراب الانتقالي فوق الاستثنائي، ينتظر ان تصبح هي السائدة، حيث لاتعود الدولة بصيغتها المعروفة، وكل اشكال السلطات المنفصلة والتمايزية، قادرة على التجدد، ناهيك عن الوعد بحياة متوفرة على اسباب الاستمرارية، او انبعاث مستقبلي تجديدي، يمكن ان يعيد لها دورها.
ومايشهده الغرب من تأزم، وتهاو متواصل، يتسارع، منذ نهايات القرن الماضي، بدءا من سقوط الاتحاد السوفياتي، وصولا لصعود ( ترامب / غورباتشوف امريكا)، للرئاسة في الولايات المتحدة، مع كل مظاهر واشكال تردي الحياة السياسية، وتعفن "الديمقراطية" في اوربا، ليست سوى حلقات ضمن سلسله، مادام الوعي بها متاخراعن حقيقتها، وماتتطلبه، بما هي لحظة مغادرة تجربة الغرب الحديثة، مسرح الفعل والحياة.
بالمقابل يصبح ملحا وراهنا، عند موضع التحولية، والدولة التفارقية / دولة اللادولة الاولى/ انتهاء زمن التفارق، و وبدء تحقق "دولة اللادولة، كعتبة ضرورية والزامية، ممهدة للانتقال الاعظم، في وقت تصبح المفارقة، بين الضروري موضوعيا وتاريخيا، والوعي المطابق، هائلا، بالذات حين يتعلق الامر بآخر طبعة من طبعات، الانباء المبكر بلحظة التحول الكبرى، فمفهوم او منظور"المهدي"، بصيغته المتعارف عليها، يزداد دخولا ضمن خانه انكشاف التناقض الفاضح، بين الايحاء، او الاشارة للمستقبل، والانحباس في الماضي وقصوره، وكما كانت الحال ابان الطور النبوي الالهامي، فلقد علق بفكرة ومشروع "المهدي"، بالصيغة المتعارف عليها اليوم، كل مايلحق بنقص المنظور النبوي الانتقالي، السابق على طور، او زمن التحقق الحالي، والغريب ان يتصدى اناس من زمن بعينه، فيضعون لنا المؤلفات الضخمة، حول "المهدي المنتظر"، والغيبة، وشعارات واهداف هذا المخلص المتخيل، وهم بمجموعهم اناس ينتمون لعصر ماقبل الظهور، ممتلئين بمفاهيم وقيم ومقاييس ومعارف زمنهم، وعصرهم.
يصوّر هؤلاء، الناس، وعموم البشر، كقطيع، بلا ارادة، لاحل لهم ولحياتهم، الا بشخص غاب ليظهر في المستقبل، بما يحول الانسان الى مجرد متلق تافه، خاضع، ينتظر زعيما مخلصا، لاامل له من دونه، وهذه بحد ذاتها فكرة، يجب رفضها بشدة وكليا، ان شخصا مثل محمد باقر الصدر، المعروف بغزارة انتاجه، لايتورع في كراس له عن "المهدي"، عن القول: بان مسالة بقاء انسان ما، حيا لاكثر من الف سنة، لاتقع في باب المستحيلات، بينما لايخطر له ك "مفكر"، رفض مثل هذه الفكرة، ومخالفتها قطعيا، لانها تحط من قيمة البشر، وتخرجهم من الفعل، ومن الارادة، ذلك ناهيك عما يتصل بكل هذه الفرضية، وطبيعتها، وحقيقة الكامن وراءها، من مخالفة لطبيعة المجتمع الذي سبق وظهرت فيه، فهي تقوم على وعد "بملئها عدلا بعد ان تكون قد ملئت جورا"، بحيث يصير الذئب والحمل متالفان متاخيان، وهذه فكرة انقلاب وثورة، تقابلها على الطرف الاخر الاوربي الطبقي، فكرة الشيوعية القائلة بالتحقق المادي لمجتمع اللاطبقات، اي "اللادولة".
ذلك في حين ان "المجتمع" العراقي، وجد بالاصل كنمط ونموذج من المجتمعات، المخالفة لكل ماهو قائم في العالم، فالكيان العراقي المزدوج، هو كيان "لامجتمعية"، و "لاثباتية، وهذا ماجعل هذا المكان يظل، وعلى مر دوراته الحضارية، وتقلبات اوضاعه، واضطرابها الذي لايتوقف، وفترات الانقطاع الحضاري الملازمة لتاريخه بين الدورات، مضطربا، ممتنعا على الاستقرار، او الثبات، ناهيك عن البناء المؤسسي التراكمي، وليس هذا وحسب، فالعراق ظل دائما يعاني وطاة استحالة مفهومية، تمنع بسبب تدني الادراك العقلي الانساني عموما، ومنه العراقي، التعرف على حالته الخاصة المركبة، او تبين استثنائيته البنيوية، ناهيك عن مايترتب عليها، وماتنطوي عليه، من مغزى، يتجاوزه، ليشمل الوجود المجتمعي الانساني الكوني، ويلقي عليه تساؤلات، غير تلك الشائعة المتداولة.
ويتعدى الامر على هذا الصعيد، نطاق "الاختلاف النوعي"، بين مجتمعات احادية ثباتية، ومجتمع " لادولة "ازدواجي"، بنيته "لامجتمعية"، نحو كل الرؤية الانسانية للوجود البشري، وللمستقبل، والحقيقة الكامنة في التاريخ، والغرض من الحياة البشرية، واحتمالاتها، خارج الانغلاق والدوران الاحادي، الذي يبدأ بالمجتمعية وينتهي بها، مع افتراض التحسين، او تخيل والحلم باشكال اليوتوبيات، والشيوعيات، والمهدويات العقيمة، ان مااحاط بفكرة "المهدي"، برغم موافقتها، ايقاعا وجوهرا، لايحاءات بنية العراق التاريخية، ينتمي لعالم آخر، هو من نفس تكوين وطينة الافكار والتصورات الاحادية، الثباتية، المسقطة تاريخيا على بنية العراق، مادامت قد ظلت عصية على الاكتشاف، بعيدة عن الادراك العقلي، مما يضطر الناس، والمتعاملين مع هذا الشان، سواء بدفع الحاجة، او للغرض السلطوي وغيره، لاستعارة ماهو دارج وعام، وفرضه على حالة ووضع، مناقض له، مغاير كليا لاسسه، ومقومات بناء رؤاه ومفاهيمه، مستغلين الحاجة النفسية والمعيشة التي لا فقط ل " المخلص" بل لاسطورة المخلص بذاتها كنوع من المخدر او التعويض عن الانغلاق والبؤس المعاش.
سيكون هنالك زمن "ظهور"، بمعنى انبثاق الرؤية التي تطابق التكوين البنيوي الخاص، والاستثنائي، لارض مابين النهرين، ونوع حضارتها، وكيف تجلت من الاصل، ضمن ظروف منطوية على اسباب "التحوليّة"، اي استمرار عملية التحول البشري، بعد ظهور العقل، والانتقال، على عكس ماقال به دارون والارتقائيين النشوئيين، من التحولية الحيوانية، الى التحولية "العقلية"، فصيرورة الكائن، من الخلية الاولى، عبر الحقب والفترات، وصولا الى اللبونات، ومن ثم الكائن المنتصب العاقل، ليست صيرورة نهائية، بقدر ماهي اولى حيوانية، يتهيأ بعدها، ومع انبثاق العقل، والكائن العاقل، طور نشوئي تحولي آخر،لايمت بصلة او شبه اطلاقا، بما قبله، الا بما تبقى في بنيته، من بقايا المرحلة السابقة، البيولوجية، السائرة للزوال، والتي هي ولم تكن، سوى وسيلة، لاغاية، كما ان المجتمعات الاحادية المغلقة، ليست غاية بحد ذاتها، بقدر ماهي وسيلة، الغرض منها، ان تفضي عبر عملية الصيرورة الثانية "العقلية"، الى العقل الحر، والى الانفصال بين مكوني الجسد/ العقل، وانتقال الانسان، الى الاكون العليا،( العالم الاخر)، كما كان يكنى، خلال الحقبة النبوية المنقضية، للتعذر، ولاستحالة بلوغ، او التبليغ بما هو ابعد. او حتى الفكرة المتداولة عن "الممر والمستقر" الانساني، او ماهو مكرر من تذكير بيوم "القيامة "، المقصود بها حدسا لاادراكا، بدء عصر الانتقال من الجسدية، الى تحرر العقل، وانفصاله استنادا لشرطه الموضوعي، "اللامجتمعية" و"اللادولة".
ليست المرجعية بكل افكارها، وماتأسست عليه، واقيمت،وماتتداوله من منطلقات، سوى كيان ينتمي للماضي، برغم وجوده في الحاضر، وهي اليوم مشمولة بالازمة، مع تزايد مظاهر واحتمالات تبلور مايتجاوزها، ويؤسس لمابعدها، بعد انقضاء دورها التاريخي، مع ملاحظة بدائية، وفجاجة، وخطل، ماهو متحقق حتى الان من اشارات، سواء المهدوية منها، او واخيرا النبوية/ المثيرة للسخرية السوداء/، وهو ماقد رافق الانتخابات الحالية بالذات،واتصل بها، بترشح شخص للانتخابات بصفته "نبي"، ليس في اي مكان من العراق، بل في ارض "سومر"، حيث البدايات الازلية والاشارات وتكرارها، ولن يكون للمرجعية من اثر ايجابي فعال في الانتخابات حقا، حتى لو بادرت اليوم لتحريمها، وهي التي رعت "العملية السياسية الطائفية"، وشجعت على الانتخابات من بدايتها، اي قبلت صيغة الاحتلال السياسية، كما جرى تصميمها من الامريكيينن، هذا بينما ينتظر العراق ظهور "المهدي"، الذي صار اليوم على الابواب، لاباعتباره شخصا، او احدا، كان حيا وراء الكواليس،على مدى اكثر من الف عام، لتعذر ولادة انسان لابل اناس، في الزمن المقرر، يقومون بالمهمة، على افتراض وجودها بالصيغة التي يتخيلها المهدويون، ـ وهنا ماهو معيب، وغير جائز في هذه الفكرة الساذجةـ حيث افتراض تعذر وجود بشر، يمتازون بالعقل والارادة، والقدرة على الفعل الخلاق.
نعم صحيح، "المهدي" حي في بنية العراق اللامجتمعية، والتحولية، موجود في حضور الازدواج المجتمعي على مر تاريخ العراق، وفي بقاء "مجتمع اللادولة" التاريخي حيا، من ايام كوراجينا، الى القرامطة، والزنج، والاسماعيليين، والتصوف الحلاجي، الى العصر الحديث، وظهور "دولة اللادولة"، ممثلة بالمرجعية المتوافقه مع ايقاع، وكونية نفي الدولة، وضد مبدأ التغلب القبلي الصحراوي، انه حي قائم، لاينقصه الا الوعي به، وادراك ابعاده كحقيقة شاملة، تخص الانسان ووجوده، ومضمرات حقيقته المصممة من "الغائية الكونية العليا"، ترابطا، من وجود المجموعة الشمسية، الى وجود الارض وصلاحيتها للحياة كوسائل، وضرورات منقضية الى اجل، حيث سينتهي دور الشمس، والارض، والمجموعة الشمسية برمتها، ضمن دورات تحولية كونية ازلية، ماتزال اليوم مبهمة، اعلى من احاطة، وخارج الوعي البشري بصورته المتاحة الى اليوم.
قد يمر حدث الانتخابات، في دورتها الحالية، ويظل موقف المرجعية ملتبسا ( صدر عبر شخص اخر، قيل في شريط فيديو، انه من وكلاء المرجعية، توضيح لفتوى المرجعية التي اسماها ضمنية، شارحا معنى شعار "المجرب لايجرب"، فحرم كليا وبصراحة، انتخاب كل من شارك في العملية السياسية حتى الان، بما في ذلك غير المجربين الذين ترشحهم قوائم سبقت تجربتها) ومع ذلك، يبقى الموقف المتوقع والمطلوب، المتناسب مع خطورة الحالة، ومصيريتها، يتعدى الموقف المرجعي الحالي، وطريقة ابلاغه، فلايمكن ان تصدر "فتوى كفائية"، ضد تغلغل "داعش" وهي عرض ونتيجة، ولاتصدر فتوى من نوعها على الاقل، ضد من هم اخطر من "داعش" على العراق، ووجوده، ومستقبله، علما بانهم هم المسؤولون اصلا، عن الهزيمة المنكرة امام الدواعش عام 2914، فهل السبب او المسبب، احرى باتخاذ الموقف الامضى والاشد وقعا، ام نتائجه، وماقد تمخض وتولد عنه.
نعتقد ان محطة الانتخابات الحالية، هي الاخيرة في تاريخ "العملية السياسية" وتاريخ المرجعية، مع تاريخ غياب الوطن كونية العراقية، فمهما حاول من سيفوزون بالانتخابات الحالية، تحسين ادائهم، فانهم لن يفلحوا في تغيير شيء في الحصيلة،لاسباب موضوعية وتراكمية، ومهما سعى الذين مالبثوا يتعكزون على الافكار المستعارة من الغرب، والمسقطة على العراق وخاصياته فانهم سوف يزدادون تخبطا، وعزلة، ولاجدوى، كما ان المرجعية، ومهما حاولت اعتماد الوسائل والافكار الموروثة، فان الجميع سوف يصطدمون باستحالة تاريخية كبرى، ومازق خانق، تعلو ابانه الضرورات والمشكلات الاستثنائية، على الوسائل.
لقد مر العراق خلال تاريخه الحديث، منذ القرن السابع عشر، بثلاث حقب ( القليية، / الدينية التجديدية/ الايديلوجية)، وهو اليوم متجه الى الطور الرابع، حيث سيتعرف هو والعالم، لاول مرة، على ماظل مطويا ومستورا، وعلى الحقيقة الكونية التحولية المضمرة،المتضمنة في البنية الرافيدينية التاريخية، بمقابل تراجع الغرب، وصعود الانتاج التكنولوجي المعرفي بدل الالي الحال، اللاحق على اليدوي الاول، ومانقوله ونشير له، هو نمط تحولي وانقلابي ابراهيمي، تصبح فيه "اللادولة" واقعا معاشا وممكنا، ان لم يكن واجبا ومحتما، للمرة الاولى، بعد انتظار سبعة الاف عام، مع ثورة الانتقال الاعظم، من الطور الابراهيمي النبوي المنتهي تاريخيا، الى "الابراهيمية العلّية"، وحيث العالم سائر بعد صراع طويل مرير، الى ما ( لاعين رات ولااذن سمعت).
انتظروا بعد الانتخابات الراهنة، زمنا آخر وظواهر مستجدة مذهله، وافكار وتمخضات، و تراكمات انبثاق الزمن الاعظم، في الارض الاولى، ارض التحولية والانقلاب، ارض تحولت اليوم وعند اخر الزمان، من مابين النهرين الى ارض "مابعد النهرين"، دلالة كبرى على قرب انقلاب الزمن والتاريخ.