الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! - الجزء الثاني

شاكر الناصري
2018 / 4 / 27

إضراب الرسوم البلدية في تموز 1931.

شهدت بغداد ومعظم مدن العراق أول إضراب عام وشامل، إلا وهو إضراب الرسوم البلدية الذي بدأ في الخامس من تموز 1931، والذي تم بقيادة فذة وحكيمة من 23 جمعية عمالية ومهنية ومنها جمعية أصحاب الصنائع بقيادة القائد النقابي محمد صالح القزاز، حيث تم تشكيل وفد من بين رؤساء الجمعيات لمقابلة أمين العاصمة وطالبه بإلغاء القانون أو تخفيض الرسوم الواردة فيه. بعد أن تحول إلغاء القانون الذي صدر في الثاني من حزيران 1931 إلى المطلب الأساسي في الإضراب كونه سيتسبب في تحويل حياة العمال والناس البسطاء إلى جحيم حقيقي، ويعزز من البطالة والفقر، وأطلاق يد السلطة لتمارس ابتزاز الناس بقانون الرسوم البلدية الذي لم تسلم منه حتى الكلاب والحمير والجثث التي يتم دفنها. وفي نفس اليوم قدم رؤساء الجمعيات عريضة باسم العمال إلى وزير الداخلية " مزاحم الباجه جي" يطالبونه فيها بإلغاء القانون الذي لو طبقت أحكامه " لأوصلتنا إلى درجة الهلاك" *1.

لم تنجح كل محاولات السلطة وتبريراتها، ولا الحملات الدعائية التي قامت بها الصحف الموالية لها في أقناع أهالي بغداد بجدوى القانون وان أحكامه لا تشمل سوى الأجانب وحدهم!!. وان كل الوعود التي قدمها وزير الداخلية لم تك سوى محاولات لكسب الوقت واللعب على امكانية أحداث صراعات بين رؤساء الجمعيات وإبعادهم عن المحيطين بهم من الأعضاء او عن سكان بغداد الذين عبروا عن تأييدهم لمواقف رؤساء الجمعات ودعمهم في مواجهة السلطة.

في يوم الخامس من تموز 1931 أعلن عن الإضراب العام فأغلقت جميع حوانيت بغداد ومقاهيها وصيدلياتها ومحلات أرباب الحرف، وكذلك شارك سواق السيارات وعمال البلدية وأصحاب محلات بيع الخضر والفواكه واللحوم في الإضراب، الأمر الذي دفع بالحكومة إلى المناورة والإرهاب في آن واحد.

شنت السلطة حملة اعتقالات واسعة في صفوف قادة الجمعيات العمالية والمهنية وتم اتهامهم بالتحريض على الإضراب. ولم تنجح محاولات السلطة لكسر الاضراب او التقليل من شأنه، فكل محاولاتها لتعويض النقص في الأسواق باللحوم والخضار لم تنجح وامتنع الناس عن شرائها. وما حدث في بغداد دفع العديد من المدن إلى إعلان أضراب مشابه، في الحلة والديوانية والمنتفك والبصرة والسماوة وعفك وسوق الشيوخ حيث اقترن الإضراب مظاهرات مسلحة*2.. وقد شهدت مدن البصرة والناصرية مواجهات عنيفة مع الشرطة أدت إلى سقوط قتلى وجرحى.

وبسبب ممارسات السلطة ومحاولاتها المفضوحة لكسر الإضراب وشق وحدة صف قادته، تحول الاضراب إلى حركة عامة في معظم مدن العراق وبدأت تتخذ طابعا مختلفاً من خلالها شعاراتها التي تنادي بإسقاط الحكومة ووضع حد للظلم والإستبداد، مما دفع السلطة التي باتت تخشى من تحول الإضراب إلى ثورة شعبية، أو ثورة صامتة، على حد توصيف عامل المطبعة شهاب أحمد الحميد في كتابه: ثورة الصامتة*3، للزج بقواتها الأمنية لتفريق كل اجتماع يضم أكثر من خمسة أشخاص، ونصبت الأسلحة الرشاشة في شوارع بغداد. وكذلك إستخدام " قانون دعاوى العشائر" ضد سكان المدن بشكل خطير جدا، حتى بعد إنتهاء الإضراب، حيث تم إبعاد شخصيتين سياسيتين من بغداد هما فهمي المدرس ورفائيل بطي*4.. أما في مدينة البصرة التي أعلنت الإضراب العام في يوم 15 تموز، وسيطر المضربون على المدينة لمدة 36 ساعة كما عبر عنها نوري السعيد آنذاك: " بقيت البصرة 36 ساعة بشكل فوضى" *5، فقد تم نقل قوات من الجيش والشرطة جواً وبواسطة القطار، وقد تم قمع الإضراب بإشراف مباشر من نوري السعيد رئيس الوزراء آنذاك..

لقد اضطرت السلطات العراقية إلى التراجع فألغت الرسوم عن 19 صنفاً من أصحاب الحرف و المهن المهمة، لتتبعه لاحقاً بإلغاء الرسوم عن 17 صنفاً آخر وتخفيض الضرائب الوارد في القانون المذكور بشكل كبير.

إضراب عمال الغرابيل في البصرة عام 1932 في البصرة.

في حزيران 1932 أعلن عمال الغرابيل ( مكائن تصفية الشعير تدار باليد) الإضراب عن العمل بعد شعورهم المتواصل بالظلم وسحق الحقوق من قبل الشركات التي يعملون فيها، وكذلك من قبل وكلائها المحليين ( القنطرجية) الذين فرضوا على العمال ساعات عمل طويلة ومرهقة تصل إلى 15 ساعة يومياً. أعلن الإضراب من أجل تخفيض ساعات العمل إلى 8 ساعات يوميا، وكذلك تحسين شروط العمل التي يخضعون لها. برز العامل " ماجد أحمد الفضل" قائداً للإضراب وقاد مع لجنة شكلها العمال مفاوضات مع الشركة ووكلائها المحليين.

الموقف الحازم الذي أعلنه العمال أجبر الشركة على الإستجابة لمطالبهم المتمثلة بخفض ساعات العمل إلى 8 ساعات ومنع الإنتهاكات بحق العمال. وفي أول خطوة على فرض العمال لقرارهم وتوحدهم في مواجهة الشركة وأتباعها، قرر العمال رفع علم أحمر*6 عند بدء العمل في الساعة السادسة صباحاً ويبقى مرفوعا حتى الساعة الثانية بعد الظهر حيث يتم إنزاله إيذانا بنهاية وقت العمل. سنوات مرت والعمال يرفعون العلم الأحمر وقبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية طالبت الشركات بتبديله لونه من أحمر إلى أسود!

الإضراب العمالي الجماعي سنة 1936.

جاء الإضراب الذي استمر عشرة أيام*7، رداً على الظروف القاسية التي تفرض على العمال والتجازوات والإنتهاكات التي يتعرضون لها من قبل الشركات الاجنبية والسلطات الحاكمة وأرباب العمل المحليين، حيث يعاني العمال من فقدان أبسط حقوقهم القانونية، إذ لا وجود لقانون الضمان الاجتماعي، وأوقات عمل غير محدد بساعات ثابتة ومعلومة، لا إجازات سنوية ولا عطل رسمية، والأدهى من كل ذلك انهم يعملون في ظروف عمل شاقة وبأجور قليلة جدا، فكان الإضراب العمالي الجماعي الأول في العراق، حيث أعلن عمال السكائر والنسيج والبقالون والقصابون والسواق وعمال قاعدة الحبانية إضرابهم العام عن العمل. وكانت مطالبهم تتمحور حول تحسين ظروف العمل وتشريع قانون عمل يضمن حقوقهم والمطالبة بحقهم في التنظيم النقابي. لم يترك العمال وحدهم في هذا الإضراب، بل تلقوا الدعم والمساندة من الجماهير والقوى السياسية الفاعلة آنذاك. المنشور الذي أصدرته حكومة بكر صدقي وحددت فيه ساعات العمل والإجازات والعطل، هو المنشور الرسمي الأول الذي يصدر عن السلطات العراقية، جاء نتيجة الضغط الذي ولده الإضراب العمالي الجماعي والخشية من امتداداته. المطالب التي رفعها العمال في إضرابهم كانت الأساس الذي تم اعتماده في تشريع قانون العمل رقم 72 لسنة 1936.

إضراب عمال الموانيء في المعقل عام 1936

لم تكن حياة وأوضاع العمال في ميناء البصرة، من ناحية الأجور وبيئة العمل وسطوة الشركات وإنتهاكاتها المتواصلة بحق العمال، سوى صورة معبرة عن واقع بائس ومرير يحول العمال إلى عبيد يخضعون لرحمة أرباب العمل والشركات الأجنبية التي لا يعنيها سوى تحقيق الأرباح وإن كان ذلك على حساب حياة العمال ووجودهم وقدراتهم على تحمل شروط وأوضاع العمل القاسية.

كانت أجور عمال الميناء لا تزيد عن 14- فلساً مع حفنة تمر من النوع الرديء، وكانوا يعملون 12 ساعة يومياً، ولا تحتسب لهم ساعات العمل الإضافية. لا ضمان صحي، ولا تعويض عن إصابات العمل، وفوق كل ذلك كان العمال يخضعون لسطوة الكولونيل " وورد" الذي كان يمثل الحكومة البريطانية في الميناء.

وإزاء الواقع المرير الذي يفرض وطأته على العمال، قرروا المطالبة بحقوقهم وتحسين أوضاعم ووقف الانتهاكات التعسفية التي تمارس بحقهم، والمطالبة بالرعاية الصحية المجانية والتعويض عن إصابات العمل، وتحديد ساعات العمل بثماني ساعات يوميا، واحتساب العطل الرسمية أيام عمل مدفوعة الأجر..الخ.. وحينما لم تستجب إدارة الميناء لهذه المطالب أعلن العمال إضرابهم الذي دام نحو اسبوعين، كانوا يتظاهرون فيها يومياً هم وشيوخهم ونساؤهم وأطفالهم*8. بعد أن أرسلوا برقية إلى الحكومة في بغداد حيث كان حكمت سليمان رئيساً للوزراء آنذاك.

برز العامل " جميل جبوري" كقائد للإضراب يعمل على توجيه العمال والتصدي لمحاولات إدارة الميناء كسر الإضراب من خلال تحريك قطار محمل بالبضائع فأوقفه العمال وقام قائدهم " جميل جبوري" بانزال سائق القطار*9..

قامت السلطة بأرسال " كامل الجادرجي" وكان وزيراً للاقتصاد في حينها إلى البصرة للتفاوض مع العمال وحل مشاكلهم مع إدارة الميناء. وبعد مفاوضات بين العمال والوزير الجادرجي، أقرت جميع مطالب العمال وفي مقدمتها زيادة الأجور اليومية من 14 فلساً إلى 40 فلساً.

لم تسكت إدارة الميناء ولا ممثل الحكومة البريطانية عن العمال، وسعت جاهدة لسلب المكاسب التي تحققت، مستغلة إقالة حكومة حكمت سليمان. حيث شنت موجة تنكيل بالعمال وإحالة القائد العمالي" جميل جبوري" إلى المحكمة بتهمة تحريض العمال على الإضراب، إلاّ أن كل تلك المحاولات لم تتمكن من استلاب ما حققه العمال من مكاسب بعد أن أعلنوا الإضراب..

المصادر
1-كمال مظهر أحمد، الطبقة العاملة العراقية: التكوّن وبدايات التحرّك، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1981، ص.205
2- نصير سعيد الكاظمي، مساهمة في كتابة تاريخ الحركة العمالية في العراق حتى عام 1958، مركز الابحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، دمشق، 1991، ص 90.
3- الثورة الصامتة، إضراب بغداد 1931، كتاب لشهاب أحمد الحميد، الذي صدر في بغداد سنة 1987.. يعد من أهم المصادر التي تتطرق للإضراب وتفاصيله الدقيقة. أطلعت عليه في 1998، ولكني فقدته بسبب اوضاع معينة.
4- محاضر مجلس النواب. إجتماع سنة 1931، ص 254، وكذلك، كمال مظهر أحمد، المدصر السابق، ص 212.
5- محاظر مجلس النواب. لسنة 1932، ص 48.
6- عبد السلام الناصري – أبو نصير، معارك طبقية، منشورات الطريق الجديد، ص6.
7- عبد السلام الناصري، المصدر السابق، ص 10.
8-سعاد خيري، من تاريخ الحركة الثورية المعاصرة في العراق 1920 – 1958، الجزء الأول، الطبعة الثانية، دار الرواد للطباعة، 1978، بغداد، ص 72.
9- عبد السلام الناصري، المصدر السابق، ص13.