التقدم من التراث في قصة -ما قاله الإله إيل- سعادة أبو عراق

رائد الحواري
2018 / 4 / 25

التقدم من التراث في قصة
"ما قاله الإله إيل"
سعادة أبو عراق
لأول مرة أقرأ قصة وأصاب بهذه الدهشة، دهشة التراث، دهشة الجذور، دهشة الفكرة، دهشة عودة المسروق منا ومن تراثنا ومن تاريخنا ومن أدبنا ومن وجودنا على هذه الأرض، "سعادة أبو عراق" قدمنا من حقيقة اضعناها بعد أن فقدنا اهتمامنا بتراثنا وتاريخنا وجذورنا، في هذه القصة يقدم لنا مادة أدبية وكأنها كتبت منذ أيام "إيل والبعل" وصدقا لم أتصور أن تكون جودة القصة واتقان تقديمها وشكلها ولغتها بهذه الجودة، حتى أنني حسبتها منقولة من أحدى النصوص الكنعانية، من هنا أقول أن هذه القصة تشكل نقلة نوعية في القصة الفلسطينية/السورية/الكنعانية.
العنوان بحد ذاته "ما قاله الإله إيل" مثير ومدهش، وما أتبعه القاص بعبارة "الرقيم الأول، الناموس الثاني" اعطا مدلولا على المكان الكنعاني الذي انبثق منه هذا النص/القصة، وأيضا قدمنا من ذاك الزمن العظيم الذي يؤكد جودنا الحضاري والثقافي والإنساني على أرض كنعان، فهو يربط بين الجغرافيا الكنعانية والإنسان الكنعاني، من خلال تنامي العلاقة بين الأرض والإله والإنسان، ليتوحدوا معا في تشكيلة حضارية ثقافية مميزة.
متن القصة يبدأ بمشهد أسطوري تاريخي تراثي ديني يتناول العلاقة بين الإله الكنعاني "إيل" وشعبه "من عليائه يرقب الإله إيل العابرين إلى فلسطين ، يرقبهم واحداً واحداً وهم يحملون قرابينهم نحو معبده في ذروة الجبل عند منبع النهرين ، قرابين يحملونها على رؤوسهم وعلى دوابهم وعلى عرباتهم ، قرابين تمتد مابين البائس والثمين ، طيورا وحيوانات ومأكولات ، ذهبا وجواهر وأحجارا كريمة ، عطورا وملابس وبهارات" عين المشاهد التي تحدثت عن تقديم القرابين في الهلال الخصيب، وعين الألفاظ استخدمها القاص، لهذا نقول أنه نص كنعاني، رغم أنه انتج وصيغة بلغة معاصرة.
يستمر القاص في رسم المشاهد الأسطورية اثناء مجرى احداث القصة "ها هو رجل آخر ، يجيء حاملا فوق رأسه إناءً مملوءً بالخمر ، يحاول جهده أن يسبق غيره نحو المذبح ، ليقدم قربانه ، لعله يفوز ، كان اللهاث قد أنهكه ، حينما رأى قربان الدم الرائع ، أدهشته الفكرة ، فأيقن أنه مستثنى لا محالة، فقال متمحكا" وهنا يأخذنا إلى حالة من الصراع بين هذا الرجل وصاحبه، وهي حالة لازمت كافة القصص/النصوص الأدبية والأساطير التي وصلتنا من الأدب الكنعاني، فهناك صراع بين الخير والشر، الخصب والجذب، لكن النصر في النهاية يكون للخصب/الخير.
وما يلفت النظر حضور الإله لهذا الخلاف، فالخلاف ناتج عن السابق في التقرب إليه، لهذا سنجده راضياً عن هذا الخلاف، فبعد أن ينسكب الخمر من الأناء الذي يحمله الرجل، ويصبح في حالة من اليأس لعدم وجود قربان يقدمه للإله "إيل" يتصرف الإله بطريقة يرضي بها عباده، والتي جاءت بهذا الشكل: "ذات صباح في آذار ، أفاق فوجد الأرض حمراء كالأرجوان ، لم يجد معنى لزهر الحنون الذي غطى الأرض ، إلا أن الأرض قد لفظت قربانه على هذا النحو أو أعادته إليه . هم بجمع الحنون إلا أن الإله إيل هتف له من معبده :
{ قبلنا قربانك ، وجعلناك كما تشتهي فلسطينيا ، ستبقى هنا وغيرك هم العابرون" نهاية سعيدة تتماثل مع النهايات التي جاءت بالأدب الكنعانية التي وصلتنا، والمهم في هذه القصة أنها جاءت تخدم الفكرة الكنعانية التي تتحدث عن فكرة وجود شقائق النعمان "الحنون" فما جاء في الأسطورة الكنعانية أن زهرة "الحنون" شقائق النعمان نبتت بعد أن قتل الإله بعل وسال دمه، فظهر مكان الدماء الزهرة الحمراء، فالقاص يعيد انتاج الأسطورة بشكل جديد يخدم الفكرة الأسطورية، وما يحسب لهذه القصة أنها جاءت تقدم فكرة الدين بصورة عصرية ولا تتعارض مع فكرة التوحيد التي طرحتها الديانة المسيحية والإسلامية، فتبدو منسجمة تماما مع فكرة التوحيد كما هي منسجمة مع الأسطورة الكنعانية القديمة.
ولكي يستمتع القارئ أكثر نقدمه له القصة كما جاءت على صفحة الكاتب "سعادة أبو عراق" على الفيس

قصة المساء
سعادة أبو عراق
الرقيم الأول
الناموس الثاني
من عليائه يرقب الإله إيل العابرين إلى فلسطين ، يرقبهم واحداً واحداً وهم يحملون قرابينهم نحو معبده في ذروة الجبل عند منبع النهرين ، قرابين يحملونها على رؤوسهم وعلى دوابهم وعلى عرباتهم ، قرابين تمتد مابين البائس والثمين ، طيورا وحيوانات ومأكولات ، ذهبا وجواهر وأحجارا كريمة ، عطورا وملابس وبهارات ، لكن الإله لم يجد فيها تعبيرا عن إحساسهم بعظمته ، وفهما أرقى لمعنى ألوهيتة .
يأتون حجيجا ضارعين ، آملين من الإله إيل أن يأذن لهم بالبقاء مواطنين في فلسطين ، لكنهم كانوا عابرين ، لم يمكثوا أكثر مما وسعتهم خطواتهم العابرة من تلكؤ . فالإله هو الذي يختار ساكني أرضه المقدسة .
من بعيد ، يطل عابر أعياه ما يحمل على رأسه ، إناء مملوء بالدم القاني ، سكبه قومه طازجا من عروقهم التي فصدوها حتى امتلأ الإناء ، وهم يرتلون { أيها الإله إيل ، هذا ماء الحياة ، إنه قربان لا يوهب إلا لإله }
اغتبط الإله إيل وهو يرى هذا القربان الثمين ، ذي الدلالة العظيمة ، والرمز الموحي ، فأي شعراء هؤلاء القوم الذين تساموا فوق المحسوس والمعدود والملموس ، وتناولوا لغة القلب والوجدان ، فحق لهم أن يعبروا قلب الإله إيل قبل أن يعبروا إلى فلسطين .
ها هو رجل آخر ، يجيء حاملا فوق رأسه إناءً مملوءً بالخمر ، يحاول جهده أن يسبق غيره نحو المذبح ، ليقدم قربانه ، لعله يفوز ، كان اللهاث قد أنهكه ، حينما رأى قربان الدم الرائع ، أدهشته الفكرة ، فأيقن أنه مستثنى لا محالة، فقال متمحكا :
- ما هو قربانك ؟ لعلك تحمل ما أحمل ؟
ولم يشأ أن يجيب عن سؤال سخيف ، يقطع عليه ابتهالاته .
- كنت أظنك تحمل خمرا كما أحمل ؟
تجاهل تمحكاته وراح يرفع إناءه فوق رأسه والعابر يسأله .
_ ألا أعينك ؟
لم يمانع كثيرا ، لكنّ ذا الخمرة أضمر حيلة ، أضمر أن يوقع الإناء عن رأس صاحبه ، كي لا يتركه يمضي بالقربان إلى المعبد ، وهكذا فعل ، حيث أوهى يده من تحت الإناء فانقلب وسال القربان على الأرض ، فامتصه التراب بشراهة ، واكتسى بلونه الأحمر، تفطر قلبه على قربان لم يصل ، راح يفكر بالانتقام ، هب إلى إناء الخمرة فركله ، فانسابت الخمرة في شقوق الأرض ، تصارعا ردحا من الزمن، حتى أنهكهما العراك ، والإله إيل يرمقهما وكأن له في ذلك شأناً.
ذهب ذو الخمرة نحو بساتين الكرمة يعصر من عناقيدها سلافا رائقا ، يعبئه في إنائه بعيدا عن غريمه ، ويمضي به نحو (منبع النهرين) ، وبسفحه على المذبح ، تاركا غريمه حائرا فيما يفعل ، يأكل مهجته القنوط، متعجبا من دهاء ذاك الذي عوّض تلك الخمرة المعتقة بعصير أحمر ، فكيف يسترد من التراب دم قومه الذي لن يعود ؟. وكيف أستطاع هذا الآبق أن يخاتله ويدمر طموحه وطموح من أرسلوه؟
انتظر هذا المسكين طويلا ، فلا يمكنه العبور أو المكوث أو الرجوع إلى قومه ، ليشرح لهم خيبته ، فلا مناص إلا أن يقفز نحو السماء أو يغور في باطن الأرض ،
ذات صباح في آذار ، أفاق فوجد الأرض حمراء كالأرجوان ، لم يجد معنى لزهر الحنون الذي غطى الأرض ، إلا أن الأرض قد لفظت قربانه على هذا النحو أو أعادته إليه . هم بجمع الحنون إلا أن الإله إيل هتف له من معبده :
{ قبلنا قربانك ، وجعلناك كما تشتهي فلسطينيا ، ستبقى هنا وغيرك هم العابرون }