قمر الجزائر 11

أفنان القاسم
2018 / 4 / 24

غادر السائق السيارة، وهو يواصل قذف صيحات السخط: "قحبة ال... قحبة ال... قحبة ال...". ألقى سعدي نظرة نحو الجزار الذي يرتدي ثيابًا ملطخة، ويطلق ذقنًا مشوكة، وهو يقطع اللحم بساطوره الضخم، وكأنه مجرم، وكأنه يقصم عظم هيكل إنسان. بعد ذلك، لف الجثة بكيس زبالة من البلاستيك أسود بعشرة دنانير – مبلغ معتبر. أما عن اللحم، الغالي، الغالي جدًا، فثمنه يعادل، ولا شك، تعب وجهد نهار كامل لسائق تاكسي يسوق بين حيدرا وباب الواد، وبين باب الواد وجهنم السوداء. مد الجزار الكيس إلى السائق بفظاظة، فاحتار السائق. ثم، اتجه إلى بائع خضار يقولون عنه خَضَّارًا لأنه، حسب كل بائعي الخضار في العالم، كان من المفترض أن يبيع خضروات خضراء، لكنه في الحقيقة بائع بطاطا، وبعض الخرشوف، إلى أن ينتهي الموسم. وعادة ما ينتهي الموسم، آه! يا حسيبة، الموسم أو نصف الموسم أو ربعه، في وقت لا يمكن تحديد الفرج البطاطسي بنهايته. فماذا سنأكل؟ وكيف سنتغذى؟ آه! يا مسكينة يا حسيبة. كيف سيتغذى الأولاد في أوقات كهذه؟ "فليفطسوا! هذا أحسن للجميع!".
شأن بائع البطاطا هذا شأن كل بائع نصاب في الجزائر، يضع أجمل ما يختار في واجهته، بطاطا ذهبية أروع ما يكون، وأغرى ما يكون، ويحجز للزبون أسوأ ما يكون، فأسوأها عمومًا ما يكون مخبأ جيدًا، لا تراه العين ولا تعرف أين، أصابع البائع وحدها تراه، وتعرف الطريق إليه، بحذق ثعلب، وبشراسة ذئب، فينقض الذئب على الفريسة بعد مراوغة الثعلب لها، ويختار البائع لمن يبيعه ما يعجبه. إن احتج الزبون، أمره بالذهاب إلى غيره الذي ليس بأحسن من غيره، لا بالبضاعة ولا بالمعاملة. ولن نتكلم عن الإرهاب الحقيقي للبائع، عندما يجرؤ الزبون على السؤال: "بكم؟ بكذا! اعطني كيلو من هذا واثنين من ذاك". يلف البائع ما يشتريه في كيس زبالة بلاستيك أسود ثمنه عشرة دنانير، ويذهب المشتري المخدوع، وهو يعرف، فلا يفعل سوى الاعتراف بعجزه.
تساءل سعدي إذا ما كان عليه النزول من التاكسي، والمتابعة على قدميه، هو الذي فضل أخذ تاكسي للإسراع والوصول إلى باب الواد قبل أن يقفل صلاح. لو أخذ أي طريق لوصل، فكل الطرق تؤدي إلى باب الواد! ليفتح لصلاح قلبه، ليسمع نصائحه، ليتزوج من حسيبة لو رأى صديقه لصديقه الزواج منها. لكنه لم يتحرك من مكانه، ولم يكن يريد أن يأتي السائق. كان يريد العبث بروحه، الشعور بدونيته، بدنو موته، بطعمه المر تحت لسانه. ابتسم للسائق، وهو يراه يفتح السيارة، ويعود إلى مكانه، مواصلاً لعن البشر والبشرية، لأجل ثلاثة عروق بقدونس اشتراها، وست بيضات كان على وشك أن يحطمها، وهو يضعها بين قدمي سعدي. وفي الأخير، ترك غضبه يتفجر:
- لحم محنط بعشرة أضعاف ثمنه في باريس! ثلاثة عروق بقدونس بعشرين دينار، بيضة بعشرة دنانير، قحبة، هل رأيت في العالم أسعارًا كهذه؟ لا في فرنسا، ولا في أمريكا، ولا حتى في السويد بمثل هذا الغلاء! ولولا أننا عشرة أخوة قحبة متحدين ومتضامنين لنأكل ونشرب تحت سقف واحد لما وجدنا ما نأكل وما نشرب! أما لو كنت موظفًا كالمتجبرين من أقوياء الإف ال ان لجعلت من الرشوة والسرقة صلاتي وعبادتي. الدين لي هو البطاطا، اللحم، البيض. فليرحم الله أيامك، يا فرنسا!
- أي نعم، فليرحم الله تلك الأيام!
- بطاطا عفنة ويابسة بعشرة أضعاف ثمنها في البلد الأصلي! كانت بعشرة سنتيمات الكيلو، وصارت بمية دينار. الكوسا كانت بدينارين، وصارت بميتين، لما تكون الكوسا. الدجاج تلاتمية وخمسين الكيلو، اللحم ألف وميتين، الكبدة ألف وخمسمية، بهذا الثمن أبيع كبدتي. العنب وقت العنب لم ينزل عن ثلاثمية دينار، ونحن بلد العنب.
- ونحن بلد العنب، همهم سعدي، محزنًا.
- كما تقول، يا قحبة الكلام التمام! هذه المرة، كلامك عسل، يا الفاهم: ونحن بلد العنب، ونحن نخرأ عنبًا نطعم منه أفواه مئات المدن!
- قبل، كانوا يقلعون البطاطا ليزرعوا الكروم، اليوم، يقلعون الكروم ليزرعوا البطاطا، تحت حجة أن فرنسا لا تريد نبيذنا. أشجار البرتقال نفس الشيء، لاستيراد البرتقال من فرنسا، من المغرب، من إسبانيا. حتى النبيذ، يستوردون منه كمية كبيرة.
- هناك إذن كثير من قحبة الخمر الفرنسي للشرب ضد إرادة أئمة وزارة الأوقاف والشئون الدينية وأئمة الفيس، كلهم على اتفاق، هذه المرة.
- أقول لك، الخمر، يستوردونه كالبحار من الوطن الأم، لِيُسْعِدُوا زارعي الكرمة وصانعيها هناك، ويمنعوهم من التظاهر ضد الحكومة. من يدفع الثمن زارعو الكرمة وصانعوها عندنا، وليس أبي.
- ليس أبوك؟ ما علاقته بكل هذا، أبوك؟
- لا، لا شيء. هل سمعت بثورتهم الزراعية؟
- ومن لم يسمع بها!
- نحن نعاني في الوقت الحاضر نتائج ثورتهم الزراعية المفلسة.
- منذ قليل اعتبرتك ضد العسكر والآن...
- أنا "ضد" لا شيء، لا أحد، أقسم لك.
- أنا، سأقول لك ما أفكر في قحبة ثورتهم الزراعية. قحبة قحبة قحبة ثورتهم الزراعية كانت قحبة هدم، لا شيء غير قحبة هدم. فلاحون مدفوعة أجورهم عند نهاية الشهر دون أن يفعلوا شيئًا، حتى أنهم عندما هربوا من الأرياف، لأن قحبة ثورتهم الزراعية لم تمنع نزوح الفلاحين، وصاروا من سكان المدن، بقيت رواتبهم تصلهم. كانت حلوة، حلوة، قحبة ثورات كهذه! كانوا يستلمون رواتبهم بصفتهم فلاحين، وكانوا يستلمون رواتبهم بصفتهم عاطلين عن العمل، وكانوا يزايدون: شقق اجتماعية كانوا لا يريدون، لكن فلل، وفي حيدرا فوق ذلك. قحبة ثورة زراعية! في العهد الكولونيالي، لم نكن نفعل هذا. كان أبي فلاحًا سعيدًا. مع قحبة إرادة لتحريك الجبال. فليرحمك الله، يا فرنسا! فليرحم الله أيامك الماضية! أوه! يا قحبة الزمن الجميل!
- أي نعم، فليرحم الله زمنك، يا فرنسا! فليرحم الله أيامك، يا جانين! فليحمك الله جاني! أوه! جان. فليحمكن الله أنتِ وكل الملاكات!
موجة الحنين هذه التي جرفت سعدي، وهو يفكر في جانين، كانت صادقة. لم يفهم السائق. راح يلعن كل شيء: قحبة ال، قحبة ال، قحبة ال. كانت لديه رغبة في دهس الكل في طريقه. كان يشكو من سلوك الناس: أولئك البشعون، أولئك الخراؤون، أولئك العواؤون، دون أن يحترموا أحدًا، حتى أنفسهم. يتصرفون تصرف الحيوانات، أولئك التعساء! نسي سلوكه، كما يبدو! كالحيوانات، أعاد الرجل بغضب. كما في الغاب! في السوق، في المسجد، في الطريق، يتصرفون كالحيوانات! حتى في ديارهم، حتى ما بينهم، يتصرفون كالحيوانات! على طاولة الأكل، في الحمام، في السرير، في المخرآت. يتصرفون كالحيوانات. وسعدي يتذكر دموع حَسِي، دموع جاني، دموع حبيبتيه الغاليتين، أحس بكونه أسوأ الحيوانات. استقبلته الواحدة والأخرى بابتسامة. كانتا تبتسمان. ابتسامة ملائكية للشيطان الذي كانه. لكنه كالآخرين، كان سلوكه سلوك الحيوان. تذكر ابتسامتهما أول مرة. كان يتسكع بحثًا عن أميرة، عن غريبة، وكان يظن نفسه نبيلاً يصطاد القلوب المستهامة، لكنه في الحقيقة كان يتصرف تصرف الحيوان. في القصبة، وفي شارع الأنفاليد، كان يبحث عن امرأة ترضي رغباته، كالكاتب الباحث عن بطلة، وإذا به يقابل ابتسامة، أجمل ابتسامة. ابتسامة فَرِحَة ملأته مِنْ بَعْدُ بكثير من العار والحزن. لأنهم، هو والآخرون، كانوا كلهم يتصرفون كالحيوانات.
أخيرًا، وصل سعدي إلى مكان الوصول، مع شعور بالاختناق. كان لديه شعور بكونه حشرة، والعالم يضغطه في مِلْزَمَة، يطأه بحذاء، ينزعه من جناحيه، يسقط عليه كصخرة تسحقه، وتفجر مخه وأحشاءه، محولاً إياه إلى مخاط، إلى بصاق.